تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . . "

ج 10
ص 300

الآية المفسَّرة

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 10 · ص 300

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ [ يَعْنِي الْقَائِلِينَ ] : " لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً " ، الزَّاعِمِينَ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أَنَّ اللَّهَ مُدَبِّرٌ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، وَمُصَرِّفُهُ وَخَالِقُهُ ، لَا [10/301]يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِمَّا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِمَّا أَرَادَهُ ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِلْكُهُ ، وَإِلَيْهِ أَمْرُهُ ، وَلَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا وَلَا مِمَّا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَيُحَابِيهِ بِسَبَبِ قَرَابَتِهِ مِنْهُ ، فَيُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِهِ ، وَهُوَ بِهِ كَافِرٌ ، وَلِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مُخَالِفٌ ، أَوْ يُدْخِلُهُ النَّارَ وَهُوَ لَهُ مُطِيعٌ لِبُعْدِ قَرَابَتِهِ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ بِالْقَتْلِ وَالْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ عَذَابِهِ ، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، فَيُنْقِذُهُ مِنَ الْهَلَكَةِ ، وَيُنْجِيهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ " وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ، يَقُولُ : وَاللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ أَرَادَ تَعْذِيبَهُ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَغُفْرَانِ مَا أَرَادَ غُفْرَانَهُ مِنْهُمْ بِاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا قَادِرٌ ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ ، وَالْمُلْكَ مُلْكُهُ ، وَالْعِبَادَ عِبَادُهُ .
وَخَرَجَ قَوْلُهُ : " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، خِطَابًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ مَنْ ذَكَرْتُ مِنْ فِرَقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ (مكان)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا حَوَالَيْهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا اسْتِعْمَالَ الْعَرَبِ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .