تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا . . . . "

ج 10
ص 294

الآية المفسَّرة

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 10 · ص 294

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ ، فَاقْطَعُوا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، يَدَهُ وَلِذَلِكَ رَفَعَ " السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ " ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُعَيَّنَيْنِ . وَلَوْ أُرِيدُ بِذَلِكَ سَارِقٌ وَسَارِقَةٌ بِأَعْيَانِهِمَا لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ النَّصْبَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : ( وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ ) .
11907 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فِي قِرَاءَتِنَا قَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ) . [10/295]
11908 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : فِي قِرَاءَتِنَا : ( وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ) .
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَاهُ ، وَصِحَّةِ الرَّفْعِ فِيهِ ، وَأَنَّ " السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ " مَرْفُوعَانِ بِفِعْلِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْتُ ، لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْتُ .
وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا " ، وَالْمَعْنَى : أَيْدِيَهُمَا الْيُمْنَى ، كَمَا : -
11909 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا " الْيُمْنَى .
11910 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي " السَّارِقِ " الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ سَارِقَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا . وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ ، بِأَنَّ : -
11911 - رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ سَارِقَ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ قِيمَتِهِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ، الْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ :
11912 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . [10/296]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ سَارِقَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ :
11913 - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ سَارِقَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَةَ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أنَ يَخُصَّ مِنْهَا شَيْئًا ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . وَقَالُوا : لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي خَاصٍّ مِنَ السُرَّاقِ . قَالُوا : وَالْأَخْبَارُ فِيمَا قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَرِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقِ دِرْهَمٍ فَخَلَّى عَنْهُ ، وَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ . قَالُوا : وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ لَوْ أُتِيَ بِسَارِقِ مَا قِيمَتُهُ دَانِقٌ أَنْ يَقْطَعَ . قَالُوا : وَقَدْ قَطَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي دِرْهَمٍ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ .
11914 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ، عَنْ نَجْدَةَ الْحَنَفِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ " ، أَخَاصٌّ أَمْ عَامٌّ؟ فَقَالَ : بَلْ عَامٌّ . [10/297]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : " الْآيَةُ مَعْنِيٌّ بِهَا خَاصٌّ مِنَ السُّرَّاقِ ، وَهُمْ سُرَّاقُ رُبْعِ دِينَارِ فَصَاعِدًا أَوْ قِيمَتِهِ " ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا " . وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ ذِكْرَ أَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلَلِهِمُ الَّتِي اعْتَلُّوا بِهَا لِأَقْوَالِهِمْ ، وَالْبَيَانِ عَنْ أَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ ، بِشَوَاهِدِهِ ، فِي كِتَابِنَا " كِتَابِ السَّرِقَةِ " ، فَكَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُهُ : " جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ " ، يَقُولُ : مُكَافَأَةً لَهُمَا عَلَى سَرِقَتِهِمَا وَعَمَلِهِمَا فِي التَّلَصُّصِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ " نَكَالًا مِنَ اللَّهِ " يَقُولُ : عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى لُصُوصِيَّتِهِمَا .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا : -
11915 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " ، لَا تَرْثُوا لَهُمْ أَنْ تُقِيمُوا فِيهِمُ الْحُدُودَ ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَلَاحٌ ، وَلَا نَهَى عَنْ أَمْرٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ فَسَادٌ . [10/298]
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : " اشْتَدُّوا عَلَى السُّرَّاقِ ، فَاقْطَعُوهُمْ يَدًا يَدًا ، وَرِجْلًا رِجْلًا " .
وَقَوْلُهُ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ " فِي انْتِقَامِهِ مِنْ هَذَا السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ مَعَاصِيهِ " حَكِيمٌ " ، فِي حُكْمِهِ فِيهِمْ وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ .
يَقُولُ : فَلَا تُفَرِّطُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي إِقَامَةِ حُكْمِي عَلَى السُّرَّاقِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ الَّذِينَ أَوْجَبْتُ عَلَيْهِمْ حُدُودًا فِي الدُّنْيَا عُقُوبَةً لَهُمْ ، فَإِنِّي بِحِكْمَتِي قَضَيْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَعِلْمِي بِصَلَاحِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَكُمْ .