تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً . . . . "

ج 10
ص 190

الآية المفسَّرة

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 10 · ص 190

النص

[10/190]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ( 26 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي النَّاصِبِ لِ " الْأَرْبَعِينَ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : النَّاصِبُ لَهُ قَوْلُهُ : " مُحَرَّمَةٌ " ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عَصَوْهُ وَخَالَفُوا أَمْرَهُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى (نبي)وَأَبَوْا حَرْبَ الْجَبَّارِينَ دُخُولَ مَدِينَتِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ وَأَسْكَنَهُمُوهَا ، وَأَهْلَكَ الْجَبَّارِينَ بَعْدَ حَرْبٍ مِنْهُمْ لَهُمْ ، بَعْدَ أَنِ انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً وَخَرَجُوا مِنَ التِّيهِ .
11690 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : لَمَّا قَالَ لَهُمُ الْقَوْمُ مَا قَالُوا ، وَدَعَا مُوسَى (نبي)عَلَيْهِمْ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى (نبي): " إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، فِيمَا ذُكِرَ ، سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ . فَجَعَلَهُمْ " فَاسِقِينَ " بِمَا عَصَوْا . فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي فَرَاسِخَ سِتَّةٍ ، أَوْ دُونَ ذَلِكَ ، يَسِيرُونَ كُلَّ يَوْمٍ جَادِّينَ لِكَيْ يَخْرُجُوا مِنْهَا ، حَتَّى سَئِمُوا وَنَزَلُوا ، فَإِذَا هُمْ فِي الدَّارِ الَّتِي مِنْهَا ارْتَحَلُوا وَإِنَّهُمُ اشْتَكَوْا إِلَى مُوسَى (نبي)مَا فُعِلَ بِهِمْ ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، وَأُعْطُوا مِنَ الْكِسْوَةِ مَا هِيَ قَائِمَةٌ لَهُمْ ، وَيَنْشَأُ النَّاشِئُ فَتَكُونُ مَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ . وَسَأَلَ مُوسَى (نبي)رَبَّهُ أَنْ [10/191]يَسْقِيَهُمْ ، فَأَتَى بِحَجَرِ الطُّورِ ، (مكان)وَهُوَ حَجَرٌ أَبْيَضُ ، إِذَا مَا نَزَلَ الْقَوْمُ ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ . حَتَّى إِذَا خَلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَكَانَتْ عَذَابًا بِمَا اعْتَدَوْا وَعَصَوْا ، أَوْحَى إِلَى مُوسَى (نبي): أَنْ مُرْهُمْ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَاهُمْ عَدُوَّهُمْ ، وَقُلْ لَهُمْ إِذَا أَتَوُا الْمَسْجِدَ : أَنْ يَأْتُوا الْبَابَ ، وَيَسْجُدُوا إِذَا دَخَلُوا ، وَيَقُولُوا : " حِطَّةٌ " وَإِنَّمَا قَوْلُهُمْ : " حِطَّةٌ " ، أَنْ يَحُطَّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ فَأَبَى عَامَّةُ الْقَوْمِ وَعَصَوْا ، وَسَجَدُوا عَلَى خَدِّهِمْ ، وَقَالُوا : " حِنْطَةٌ " ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 59 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ النَّاصِبُ لِ " الْأَرْبَعِينَ " ، " يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ " . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : قَالَ : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا ، يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالُوا : وَلَمْ يَدْخُلْ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ أَحَدٌ مِمَّنْ قَالَ : " إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ " ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ . قَالُوا : وَإِنَّمَا دَخَلَهَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ يُوشَعُ (نبي)وَكِلَابُ ، اللَّذَانِ قَالَا لَهُمُ : " ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ " ، وَأَوْلَادُ الَّذِينَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دُخُولَهَا ، فَتَيَّهَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَدْخُلْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11691 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : " إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ " ، قَالَ : أَبَدًا .
11692 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ " ، قَالَ : أَرْبَعِينَ سَنَةً .
11693 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ [10/192]النَّحْوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ " ، قَالَ : التَّحْرِيمُ ، التَّيْهَاءُ .
11694 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : غَضِبَ مُوسَى (نبي)عَلَى قَوْمِهِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي " الْآيَةَ ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : " فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ " . فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ ، نَدِمَ مُوسَى (نبي). وَأَتَاهُ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَانُوا [ مَعَهُ ] يُطِيعُونَهُ ، فَقَالُوا لَهُ : مَا صَنَعْتَ بِنَا يَا مُوسَى (نبي)! فَمَكَثُوا فِي التِّيهِ . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ ، رُفِعَ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى وَأَكَلُوا مِنَ الْبُقُولِ . وَالْتَقَى مُوسَى (نبي)وَعَاجٌ ، فَنَزَا مُوسَى (نبي)فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَكَانَتْ عَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَكَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فَأَصَابَ كَعْبَ عَاجٍ فَقَتَلَهُ . وَلَمْ يَبْقَ [ أَحَدٌ ] مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ مَعَ مُوسَى ، (نبي)إِلَّا مَاتَ وَلَمْ يَشْهَدِ الْفَتْحَ . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ لَمَّا انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً ، بَعَثَ يُوشَعَ بْنَ النُّونِ (نبي)نَبِيًّا ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْجَبَّارِينَ ، فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ ، فَهَزَمَ الْجَبَّارِينَ وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ ، [10/193]فَكَانَتِ الْعِصَابَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى عُنُقِ الرَّجُلِ يَضْرِبُونَهَا لَا يَقْطَعُونَهَا .
11695 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَمَّا دَعَا مُوسَى (نبي): " فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ " . قَالَ : فَدَخَلُوا التِّيهَ ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ التِّيهَ مِمَّنْ جَاوَزَ الْعِشْرِينَ سَنَةً مَاتَ فِي التِّيهِ .
قَالَ : فَمَاتَ مُوسَى (نبي)فِي التِّيهِ ، وَمَاتَ هَارُونُ (نبي)قَبْلَهُ . قَالَ : فَلَبِثُوا فِي تِيهِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَنَاهَضَ يُوشَعُ (نبي)بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ ، فَافْتَتَحَ يُوشَعُ (نبي)الْمَدِينَةَ .
11696 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : " إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً " ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ [ الْقُرَى ] ، فَكَانُوا لَا يَهْبِطُونَ قَرْيَةً وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ ، إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الْأَطْوَاءَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ فِي الْأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان)مِنْهُمْ إِلَّا أَبْنَاؤُهُمْ وَالرَّجُلَانِ اللَّذَانِ قَالَا مَا قَالَا .
11697 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ قَالَ : لَمَّا فَعَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا فَعَلَتْ مِنْ [10/194]مَعْصِيَتِهِمْ نَبِيَّهُمْ ، وَهَمِّهِمْ بِكَالِبَ وَيُوشَعَ ، (نبي)إِذْ أَمَرَاهُمْ بِدُخُولِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ ، وَقَالَا لَهُمْ مَا قَالَا ظَهَرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ بِالْغَمَامِ عَلَى بَابِ قُبَّةِ الزُّمَرِ عَلَى كُلِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُوسَى (نبي): إِلَى مَتَى يَعْصِينِي هَذَا الشَّعْبُ؟ وَإِلَى مَتَى لَا يُصَدِّقُونَ بِالْآيَاتِ كُلِّهَا الَّتِي وَضَعْتُ بَيْنَهُمْ؟ أَضْرِبُهُمْ بِالْمَوْتِ فَأُهْلِكُهُمْ ، وَأَجْعَلُ لَكَ شَعْبًا أَشَدَّ وَأَكْبَرَ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ مُوسَى (نبي): يَسْمَعُ أَهْلُ الْمِصْرِ الَّذِينَ أَخْرَجْتَ هَذَا الشَّعْبَ بِقُوَّتِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ ، وَيَقُولُ سَاكِنُ هَذِهِ الْبِلَادِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ فِي هَذَا الشَّعْبِ ، فَلَوْ أَنَّكَ قَتَلْتَ هَذَا الشَّعْبَ كُلَّهُمْ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، لَقَالَتِ الْأُمَمُ الَّذِينَ سَمِعُوا بِاسْمِكَ : " إِنَّمَا قَتَلَ هَذَا الشَّعْبَ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْأَرْضَ الَّتِي خَلَقَ لَهُمْ ، فَقَتَلَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ " ، وَلَكِنْ لِتَرْتَفِعْ أَيَادِيكَ وَيَعْظُمْ جَزَاؤُكَ ، يَا رَبِّ ، كَمَا كُنْتَ تَكَلَّمْتَ وَقُلْتَ لَهُمْ ، فَإِنَّهُ طَوِيلٌ صَبْرُكَ ، كَثِيرَةٌ نِعَمُكَ ، وَأَنْتَ تَغْفِرُ الذُّنُوبَ فَلَا تُوبِقْ ، وَإِنَّكَ تَحْفَظُ [ ذَنْبَ ] الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَحْقَابٍ وَأَرْبَعَةٍ . فَاغْفِرْ ، أَيْ رَبِّ ، آثَامَ هَذَا الشَّعْبِ بِكَثْرَةِ [10/195]نِعَمِكَ ، وَكَمَا غَفَرْتَ لَهُمْ مُنْذُ أَخْرَجْتَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ (مكان)إِلَى الْآنَ . فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ بِكَلِمَتِكَ ، وَلَكِنْ حَيٌّ أَنَا ، وَقَدْ مَلَأَتِ الْأَرْضَ مَحْمَدَتِي كُلَّهَا ، لَا يَرَى الْقَوْمُ الَّذِينَ قَدْ رَأَوْا مَحْمَدَتِي وَآيَاتِي الَّتِي فَعَلْتُ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَفِي الْقِفَارِ ، وَابْتَلَوْنِي عَشْرَ مَرَّاتٍ وَلَمْ يُطِيعُونِي ، لَا يَرَوْنَ الْأَرْضَ الَّتِي حَلَفْتُ لِآبَائِهِمْ ، وَلَا يَرَاهَا مَنْ أَغْضَبَنِي ، فَأَمَّا عَبْدِي كَالِبُ الَّذِي كَانَ رُوحُهُ مَعِي وَاتَّبَعَ هَوَايَ ، فَإِنِّي مُدْخِلُهُ الْأَرْضَ الَّتِي دَخَلَهَا ، وَيَرَاهَا خَلَفُهُ .
وَكَانَ الْعَمَالِيقُ وَالْكَنْعَانِيُّونَ جُلُوسًا فِي الْجِبَالِ ، ثُمَّ غَدَوْا فَارْتَحَلُوا إِلَى الْقِفَارِ فِي طَرِيقِ بَحْرِ سُوفَ ، وَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى (نبي)وَهَارُونَ ، (نبي)وَقَالَ لَهُمَا : إِلَى مَتَى تُوَسْوِسُ عَلَيَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ السُّوءِ؟ قَدْ سَمِعْتُ وَسْوَسَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَقَالَ : [10/196]لَأَفْعَلَنَّ بِكُمْ كَمَا قُلْتُ لَكُمْ ، وَلَتُلْقَيَنَّ جِيَفُكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ ، وَكَحِسَابِكُمْ مِنْ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ عَلَيَّ ، فَلَا تَدْخُلُوا الْأَرْضَ الَّتِي رَفَعْتُ [ يَدِي ] إِلَيْهَا ، وَلَا يَنْزِلُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ غَيْرُ كَالِبَ بْنِ يُوفَنَّا ، وَيُوشَعَ بْنِ نُونٍ ، (نبي)وَتَكُونُ أَثْقَالُكُمْ كَمَا كُنْتُمُ الْغَنِيمَةَ ، وَأَمَّا بَنُوكُمُ الْيَوْمَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا مَا بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْأَرْضَ ، وَإِنِّي بِهِمْ عَارِفٌ ، لَهُمُ الْأَرْضُ الَّتِي أَرَدْتُ لَهُمْ ، وَتَسْقُطُ جِيَفُكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ ، وَتَتِيهُونَ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ عَلَى حِسَابِ الْأَيَّامِ الَّتِي حَسِسْتُمُ الْأَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً وَتُقْتَلُونَ بِخَطَايَاكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَتَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ قُدَّامِي . إِنَّى أَنَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ وُعِدُوا قُدَّامِي بِأَنْ يَتِيهُوا فِي الْقِفَارِ ، فِيهَا يَمُوتُونَ .
فَأَمَّا الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانَ مُوسَى (نبي)بَعَثَهُمْ لِيَتَحَسَّسُوا الْأَرْضَ ، ثُمَّ حَرَّشُوا الْجَمَاعَةَ ، فَأَفْشَوْا فِيهِمْ خَبَرَ الشَّرِّ ، فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَغْتَةً ، وَعَاشَ يُوشَعُ (نبي)وَكَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا يَتَحَسَّسُونَ الْأَرْضَ .
فَلَمَّا قَالَ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْكَلَامَ كُلَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، حَزِنَ الشَّعْبُ [10/197]حُزْنًا شَدِيدًا ، وَغَدَوْا فَارْتَفَعُوا ، إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ ، وَقَالُوا : نَرْتَقِي الْأَرْضَ الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّا قَدْ أَخْطَأْنَا . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى (نبي): " لِمَ تَعْتَدُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ؟ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لَكُمْ عَمَلٌ ، وَلَا تَصْعَدُوا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مَعَكُمْ ، فَالْآنَ تَنْكَسِرُونَ مِنْ قُدَّامِ أَعْدَائِكُمْ ، مِنْ أَجْلِ الْعَمَالِقَةِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ أَمَامَكُمْ ، فَلَا تَقَعُوا فِي الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمُ انْقَلَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكُمْ " . فَأَخَذُوا يَرْقَوْنَ فِي الْجَبَلِ ، وَلَمْ يَبْرَحِ التَّابُوتُ الَّذِي فِيهِ مَوَاثِيقُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمُوسَى (نبي)مِنَ الْمَحَلَّةِ - يَعْنِي : مِنَ الْخَيْمَةِ - حَتَّى هَبَطَ الْعَمَالِيقُ وَالْكَنْعَانِيُّونَ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ ، فَحَرَقُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ . فَتَيَّهَهُمُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِالْمَعْصِيَةِ ، حَتَّى هَلَكَ مَنْ كَانَ اسْتَوْجَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا شَبَّ النَّوَاشِئُ مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَهَلَكَ آبَاؤُهُمْ ، وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي تُيِّهُوا فِيهَا ، وَسَارَ بِهِمْ مُوسَى (نبي)وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ (نبي)وَكَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا ، وَكَانَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - عَلَى مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ أُخْتِ مُوسَى (نبي)وَهَارُونَ ، (نبي)وَكَانَ لَهُمَا صِهْرًا ، قَدِمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ (نبي)إِلَى أَرِيحَا ، (مكان)فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَدَخَلَهَا بِهِمْ ، وَقَتَلَ بِهَا الْجَبَابِرَةَ الَّذِينَ [10/198]كَانُوا فِيهَا ، ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى (نبي)بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، لَا يَعْلَمُ قَبْرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ " الْأَرْبَعِينَ " مَنْصُوبَةٌ بِ " التَّحْرِيمِ " ، وَإِنَّ قَوْلَهُ : " مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً " مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعُ قَوْمِ مُوسَى ، (نبي)لَا بَعْضٌ دُونِ بَعْضٍ مِنْهُمْ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَمَّ بِذَلِكَ الْقَوْمَ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ . وَقَدْ وَفَّى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، فَتَيَّهَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَحَرَّمَ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، فِي الْأَرْبَعِينَ سَنَةً الَّتِي مَكَثُوا فِيهَا تَائِهِينَ دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ ، لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ ، وَلَا صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ ، حَتَّى انْقَضَتِ السُّنُونَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا دُخُولَهَا . ثُمَّ أُذِنَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَذَرَارِيهِمْ بِدُخُولِهَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى (نبي)وَالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، وَافْتَتَحَ قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ يُوشَعُ ، (نبي)وَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ عَوْجَ بْنَ عَنَاقٍ قَتَلَهُ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ مَصِيرِهِ فِي التِّيهِ ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَبَّارِينَ خَلْقًا ، لَمْ تَكُنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَجْزَعُ مِنَ الْجَبَّارِينَ الْجَزَعَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهَا . وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بَعْدَ فَنَاءِ الْأُمَّةِ الَّتِي جَزِعَتْ وَعَصَتْ رَبَّهَا ، وَأَبَتِ الدُّخُولَ عَلَى الْجَبَّارِينَ مَدِينَتَهُمْ .
وَبَعْدُ : فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بُلْعُمَ بْنَ بَاعُورَ ، كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى (نبي). وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ وَقَوْمُ مُوسَى (نبي)مُمْتَنِعُونَ مِنْ حَرْبِهِمْ وَجِهَادِهِمْ ، لِأَنَّ الْمَعُونَةَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ مَطْلُوبًا ، فَأَمَّا وَلَا طَالِبَ ، فَلَا وَجْهَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا . [10/199]
11698 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ نَوْفٍ قَالَ : كَانَ سَرِيرُ عَوْجٍ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى (نبي)عَشَرَةَ أَذْرُعِ ، وَعَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعِ ، فَضَرَبَ عَوْجًا فَأَصَابَ كَعْبَهُ ، فَسَقَطَ مَيِّتًا ، فَكَانَ جِسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ .
11699 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ عَصَا مُوسَى (نبي)عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ عَوْجٍ فَقَتَلَهُ ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً .
وَمَعْنَى : " يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ " ، يَحَارُونَ فِيهَا وَيَضِلُّونَ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ الضَّالِّ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ : " تَائِهٌ " . وَكَانَ تِيهُهُمْ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ كَانُوا يُصْبِحُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً كُلَّ يَوْمٍ جَادِّينَ فِي قَدْرِ سِتَّةِ فَرَاسِخَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ ، فَيُمْسُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَءُوا السَّيْرَ مِنْهُ .
11700 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ .
11701 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [10/200]عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، يُصْبِحُونَ حَيْثُ أَمْسَوْا ، وَيُمْسُونَ حَيْثُ أَصْبَحُوا فِي تِيهِهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( 26 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " فَلَا تَأْسَ " ، فَلَا تَحْزَنْ .
يُقَالُ مِنْهُ : " أَسِيَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا يَأْسَى أَسًى " ، وَ " قَدْ أَسَيْتُ مِنْ كَذَا " ، أَيْ حَزِنْتُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ :
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ
يَعْنِي : لَا تَهْلِكْ حُزْنًا .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11702 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَلَا تَأْسَ " يَقُولُ : فَلَا تَحْزَنْ .
11703 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " ، قَالَ : لَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ ، نَدِمَ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا نَدِمَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : " فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " ، لَا تَحْزَنْ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتُهُمْ " فَاسِقِينَ " ، فَلَمْ يَحْزَنْ .