النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ( 17 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلنَّصَارَى وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سُبُلِ السَّلَامِ وَاحْتِجَاجٌ مِنْهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ بِادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا .
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُقْسِمُ ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)وَ " كُفْرُهُمْ " فِي ذَلِكَ تَغْطِيَتُهُمُ الْحَقَّ فِي تَرْكِهِمْ نَفْيَ الْوَلَدِ عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ، وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ فِرْيَةً وَكَذِبًا عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى : " الْمَسِيحِ " فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . .
[10/147]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِلنَّصَارَى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَيَّ ، وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بِقِيلِهِمْ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (نبي): " مَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " ، يَقُولُ : مَنِ الَّذِي يُطِيقُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ شَيْئًا ، فَيَرُدُّهُ إِذَا قَضَاهُ .
مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَلَكْتُ عَلَى فُلَانٍ أَمْرَهُ " ، إِذَا صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنَفِّذَ أَمْرًا إِلَّا بِهِ .
وَقَوْلُهُ : " إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا " ، يَقُولُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، (نبي)بِإِعْدَامِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَإِعْدَامِ أُمِّهِ مَرْيَمَ ، وَإِعْدَامِ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ جَمِيعًا .
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّصَارَى : لَوْ كَانَ الْمَسِيحُ (نبي)كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَقَدَرَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ بِإِهْلَاكِهِ وَإِهْلَاكِ أُمِّهِ . وَقَدْ أَهْلَكَ أُمَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ أَمْرِهِ فِيهَا إِذْ نَزَلَ ذَلِكَ . فَفِي ذَلِكَ لَكُمْ مُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرْتُمْ ، وَحُجَّةٌ عَلَيْكُمْ إِنْ عَقَلْتُمْ : فِي أَنَّ الْمَسِيحَ ، (نبي)بَشَرٌ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَلَا يُقْهَرُ وَلَا يُرَدُّ لَهُ [10/148]أَمْرٌ ، بَلْ هُوَ الْحَيُّ الدَّائِمُ الْقَيُّومُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيُنْشِئُ وَيُفْنِي ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَلِكَ : وَاللَّهُ لَهُ تَصْرِيفُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَعْنِي : وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَيُبْقِي مَا يَشَاءُ مِنْهُ ، وَيُوجِدُ مَا أَرَادَ وَيُعْدِمُ مَا أَحَبَّ ، لَا يَمْنَعُهُ مِنْ شَيْءٍ أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ ، وَلَا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دَافِعٌ ، يُنْفِذُ فِيهِمْ حُكْمَهُ ، وَيُمْضِي فِيهِمْ قَضَاءَهُ لَا الْمَسِيحُ (نبي)الَّذِي إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ رَبُّهُ وَإِهْلَاكَ أُمِّهِ لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَ مَا أَرَادَ بِهِ رَبُّهُ مِنْ ذَلِكَ .
يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ : كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا يُعْبَدُ مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِ مَا أَرَادَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ السُّوءِ ، وَغَيْرَ قَادِرٍ عَلَى صَرْفِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْهَلَاكِ؟ بَلِ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِيَدِهِ تَصْرِيفُ كُلِّ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا .
فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا بَيْنَهُمَا " ، وَقَدْ ذَكَرَ " السَّمَاوَاتِ " بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " وَمَا بَيْنَهُنَّ " ، لِأَنَّ الْمَعْنَى : وَمَا بَيْنَ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، كَمَا قَالَ الرَّاعِي :
[10/149]طَرَقَا ، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي ، أَقْرِيهِمَا قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالْقِسِيِّ وَحُولَا
فَقَالَ : " طَرَقَا " مُخْبِرًا عَنْ شَيْئَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : " فَتِلْكَ هَمَاهِمِي " ، فَرَجَعَ إِلَى مَعْنَى الْكَلَامِ .
وَقَوْلُهُ : " يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيُنْشِئُ مَا يَشَاءُ وَيُوجِدُهُ ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ ، وَلَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ لَهُ تَدْبِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَتَصْرِيفَهُ ، وَإِفْنَاءَهُ وَإِعْدَامَهُ ، وَإِيجَادَ مَا يَشَاءُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مُنْشَإٍ . يَقُولُ : فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَايَ ، فَكَيْفَ زَعَمْتُمْ ، أَيُّهَا الْكَذَبَةُ ، أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ ، وَهُوَ لَا يُطِيقُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ أُمِّهِ ، وَلَا اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِي؟
[10/150]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : اللَّهُ الْمَعْبُودُ ، هُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْمَالِكُ كُلَّ شَيْءٍ ، الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَلَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ ، الْمُقْتَدِرُ عَلَى هَلَاكِ الْمَسِيحِ (نبي)وَأُمِّهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا لَا الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ ضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ ، وَلَا مَنْعِ أُمِّهِ مِنَ الْهَلَاكِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلنَّصَارَى وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سُبُلِ السَّلَامِ وَاحْتِجَاجٌ مِنْهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ بِادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا .
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُقْسِمُ ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)وَ " كُفْرُهُمْ " فِي ذَلِكَ تَغْطِيَتُهُمُ الْحَقَّ فِي تَرْكِهِمْ نَفْيَ الْوَلَدِ عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ، وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ فِرْيَةً وَكَذِبًا عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى : " الْمَسِيحِ " فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . .
[10/147]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِلنَّصَارَى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَيَّ ، وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بِقِيلِهِمْ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (نبي): " مَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " ، يَقُولُ : مَنِ الَّذِي يُطِيقُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ شَيْئًا ، فَيَرُدُّهُ إِذَا قَضَاهُ .
مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَلَكْتُ عَلَى فُلَانٍ أَمْرَهُ " ، إِذَا صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنَفِّذَ أَمْرًا إِلَّا بِهِ .
وَقَوْلُهُ : " إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا " ، يَقُولُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، (نبي)بِإِعْدَامِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَإِعْدَامِ أُمِّهِ مَرْيَمَ ، وَإِعْدَامِ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ جَمِيعًا .
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّصَارَى : لَوْ كَانَ الْمَسِيحُ (نبي)كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَقَدَرَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ بِإِهْلَاكِهِ وَإِهْلَاكِ أُمِّهِ . وَقَدْ أَهْلَكَ أُمَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ أَمْرِهِ فِيهَا إِذْ نَزَلَ ذَلِكَ . فَفِي ذَلِكَ لَكُمْ مُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرْتُمْ ، وَحُجَّةٌ عَلَيْكُمْ إِنْ عَقَلْتُمْ : فِي أَنَّ الْمَسِيحَ ، (نبي)بَشَرٌ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَلَا يُقْهَرُ وَلَا يُرَدُّ لَهُ [10/148]أَمْرٌ ، بَلْ هُوَ الْحَيُّ الدَّائِمُ الْقَيُّومُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيُنْشِئُ وَيُفْنِي ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَلِكَ : وَاللَّهُ لَهُ تَصْرِيفُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَعْنِي : وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَيُبْقِي مَا يَشَاءُ مِنْهُ ، وَيُوجِدُ مَا أَرَادَ وَيُعْدِمُ مَا أَحَبَّ ، لَا يَمْنَعُهُ مِنْ شَيْءٍ أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ ، وَلَا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دَافِعٌ ، يُنْفِذُ فِيهِمْ حُكْمَهُ ، وَيُمْضِي فِيهِمْ قَضَاءَهُ لَا الْمَسِيحُ (نبي)الَّذِي إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ رَبُّهُ وَإِهْلَاكَ أُمِّهِ لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَ مَا أَرَادَ بِهِ رَبُّهُ مِنْ ذَلِكَ .
يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ : كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا يُعْبَدُ مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِ مَا أَرَادَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ السُّوءِ ، وَغَيْرَ قَادِرٍ عَلَى صَرْفِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْهَلَاكِ؟ بَلِ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِيَدِهِ تَصْرِيفُ كُلِّ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا .
فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا بَيْنَهُمَا " ، وَقَدْ ذَكَرَ " السَّمَاوَاتِ " بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " وَمَا بَيْنَهُنَّ " ، لِأَنَّ الْمَعْنَى : وَمَا بَيْنَ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، كَمَا قَالَ الرَّاعِي :
[10/149]طَرَقَا ، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي ، أَقْرِيهِمَا قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالْقِسِيِّ وَحُولَا
فَقَالَ : " طَرَقَا " مُخْبِرًا عَنْ شَيْئَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : " فَتِلْكَ هَمَاهِمِي " ، فَرَجَعَ إِلَى مَعْنَى الْكَلَامِ .
وَقَوْلُهُ : " يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ " ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيُنْشِئُ مَا يَشَاءُ وَيُوجِدُهُ ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ ، وَلَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ لَهُ تَدْبِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَتَصْرِيفَهُ ، وَإِفْنَاءَهُ وَإِعْدَامَهُ ، وَإِيجَادَ مَا يَشَاءُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مُنْشَإٍ . يَقُولُ : فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَايَ ، فَكَيْفَ زَعَمْتُمْ ، أَيُّهَا الْكَذَبَةُ ، أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ ، وَهُوَ لَا يُطِيقُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ أُمِّهِ ، وَلَا اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِي؟
[10/150]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : اللَّهُ الْمَعْبُودُ ، هُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْمَالِكُ كُلَّ شَيْءٍ ، الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَلَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ ، الْمُقْتَدِرُ عَلَى هَلَاكِ الْمَسِيحِ (نبي)وَأُمِّهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا لَا الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ ضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ ، وَلَا مَنْعِ أُمِّهِ مِنَ الْهَلَاكِ .