تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ . . . . "

ج 10
ص 144

الآية المفسَّرة

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 10 · ص 144

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ( 16 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي عَزَّ ذِكْرُهُ : يَهْدِي بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ الَّذِي جَاءَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ " يُرْشِدُ بِهِ اللَّهُ وَيُسَدِّدُ بِهِ ، وَ " الْهَاءُ " فِي قَوْلِهِ : " بِهِ " عَائِدَةٌ عَلَى " الْكِتَابِ " " مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ " ، يَقُولُ : مَنِ اتَّبَعَ رِضَى اللَّهِ .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى " الرِّضَى " مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الرِّضَى مِنْهُ بِالشَّيْءِ " الْقَبُولُ لَهُ وَالْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ . قَالُوا : فَهُوَ قَابِلٌ الْإِيمَانَ ، وَمُزَكٍّ لَهُ ، وَمُثْنٍ عَلَى الْمُؤْمِنِ بِالْإِيمَانِ ، وَوَاصِفٌ الْإِيمَانَ بِأَنَّهُ نُورٌ وَهُدًى وَفَصْلٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " الرِّضَى " مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مَعْنًى مَفْهُومٌ ، هُوَ [10/145]خِلَافُ السُّخْطِ ، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى مَا يُعْقَلُ مِنْ مَعَانِي : " الرِّضَى " الَّذِي هُوَ خِلَافُ السُّخْطِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمَدْحِ ، لِأَنَّ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ قَوْلٌ ، وَإِنَّمَا يُثْنَى وَيُمْدَحُ مَا قَدْ رُضِيَ . قَالُوا : فَالرِّضَى مَعْنًى ، وَ " الثَّنَاءُ " وَ " الْمَدْحُ " مَعْنًى لَيْسَ بِهِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " سُبُلَ السَّلَامِ " ، طُرُقَ السَّلَامِ وَ " السَّلَامُ " ، هُوَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ .
11612 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ " ، سَبِيلَ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا إِلَّا بِهِ ، لَا الْيَهُودِيَّةُ ، وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ ، وَلَا الْمَجُوسِيَّةُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : يَهْدِي اللَّهُ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ إِلَى سُبُلِ السَّلَامِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ " وَيُخْرِجُهُمْ " ، يَقُولُ : وَيُخْرِجُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ وَ " الْهَاءُ وَالْمِيمُ " فِي : " وَيُخْرِجُهُمْ " إِلَى مَنْ ذُكِرَ " مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " ، يَعْنِي : مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ ، إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ وَضِيَائِهِ " بِإِذْنِهِ " ، يَعْنِي : بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ . وَ " إِذْنُهُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : تَحْبِيبُهُ إِيَّاهُ الْإِيمَانَ بِرَفْعِ طَابَعِ الْكُفْرِ عَنْ قَلْبِهِ ، وَخَاتَمِ الشِّرْكِ عَنْهُ ، وَتَوْفِيقِهِ لِإِبْصَارِ سُبُلِ السَّلَامِ .
[10/146]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي عَزَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَيَهْدِيهِمْ " ، وَيُرْشِدُهُمْ وَيُسَدِّدُهُمْ " إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " ، يَقُولُ : إِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الْقَوِيمُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ .