النص
[10/125]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ( 13 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَا تَعْجَبَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ ، وَنَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، غَدْرًا مِنْهُمْ بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعَادَاتِ سَلَفِهِمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ أنِّي أَخَذْتُ مِيثَاقَ سَلَفِهِمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِي ، وَبَعَثْتُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ تُخُيِّرُوا مِنْ جَمِيعِهِمْ لِيَتَحَسَّسُوا أَخْبَارَ الْجَبَابِرَةِ ، وَوَعَدْتُهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ أُوَرِّثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، بَعْدَ مَا أَرَيْتُهُمْ مِنَ الْعِبَرِ ، وَالْآيَاتِ - بِإِهْلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي الْبَحْرِ ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ لَهُمْ ، وَسَائِرِ الْعِبَرِ - مَا أَرَيْتُهُمْ ، فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَنَكَثُوا عَهْدِي ، فَلَعَنْتُهُمْ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ خِيَارِهِمْ مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، فَلَا تَسْتَنْكِرُوا مِثْلَهُ مِنْ فِعْلِ أَرَاذِلِهِمْ .
وَفَى الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : " فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " - فَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ ، فَلَعَنْتُهُمْ " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ " فَاكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " مِنْ ذِكْرِ " فَنَقَضُوا " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " ، فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ .
11584 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : [10/126]" فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ " يَقُولُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ .
11585 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " قَالَ : هُوَ مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ فَنَقَضُوهُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى " اللَّعْنِ " فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَ " الْهَاءُ وَالْمِيمُ " مِنْ قَوْلِهِ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ " عَائِدَتَانِ عَلَى ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْبَصْرَةِ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان): ( قَاسِيَةً ) بِالْأَلِفِ
عَلَى تَقْدِيرِ " فَاعِلَةٍ " مِنْ " قَسْوَةِ الْقَلْبِ " ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَسَا قَلْبُهُ ، فَهُوَ يَقْسُو وَهُوَ قَاسٍ " ، وَذَلِكَ إِذَا غَلُظَ وَاشْتَدَّ وَصَارَ يَابِسًا صُلْبًا كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : فَلَعَنَّا الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وَلَمْ يَفُوا بِمِيثَاقِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي " وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " ، [10/127]غَلِيظَةً يَابِسَةً عَنِ الْإِيمَانِ بِي ، وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي ، مَنْزُوعَةً مِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى " الْقَسْوَةِ " ، لِأَنَّ " فَعِيلَةً " فِي الذَّمِّ أَبْلَغُ مِنْ " فَاعِلَةً " ، فَاخْتَرْنَا قِرَاءَتَهَا " قَسِيَّةً " عَلَى " قَاسِيَةً " لِذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَى " قَسِيَّةً " غَيْرُ مَعْنَى " الْقَسْوَةِ " ، وَإِنَّمَا " الْقَسِيَّةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهَا بِاللَّهِ ، وَلَكِنْ يُخَالِطُ إِيمَانَهَا كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ " الْقَسِيَّةِ " ، وَهِيَ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ :
لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ [10/128]
يَصِفُ بِذَلِكَ وَقْعَ مَسَاحِي الَّذِينَ حَفَرُوا قَبْرَ عُثْمَانَ عَلَى الصُّخُورِ ، وَهِيَ " السِّلَامُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) عَلَى " فَعِيلَةً " ، لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّ الْقَوْمِ مِنْ " قَاسِيَةً " . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : " فَعِيلَةً " مِنَ " الْقَسْوَةِ " ، كَمَا قِيلَ : " نَفْسٌ زَكِيَّةٌ " وَ " زَاكِيَةٌ " ، وَ " امْرَأَةٌ شَاهِدَةٌ " وَ " شَهِيدَةٌ " ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ الْقَوْمَ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَلَمْ يَصِفْهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ ، فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا يُخَالِطُهُ كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : وَجَعَلْنَا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَسِيَّةً ، مَنْزُوعًا مِنْهَا الْخَيْرُ ، مَرْفُوعًا مِنْهَا التَّوْفِيقُ ، فَلَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ ، فَهُمْ لِنَزْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالْإِيمَانَ ، يُحَرِّفُونَ كَلَامَ [10/129]رَبِّهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ ، فَيُبَدِّلُونَهُ ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى نَبِيِّهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِجُهَّالِ النَّاسِ : " هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيْهِ " . وَهَذَا مِنْ صِفَةِ الْقُرُونِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ مُوسَى (نبي)مِنَ الْيَهُودِ ، مِمَّنْ أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَصْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَدْخَلَهُمْ فِي عِدَادِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُوسَى (نبي)مِنْهُمْ ، إِذْ كَانُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ ، وَنَقْضِ الْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ، كَمَا : -
11586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ ، وَيَقُولُونَ : إِنْ أَمَرَكُمْ مُحَمَّدٌ (نبي)بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْبَلُوهُ ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاحْذَرُوا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَنَسُوا حَظًّا " وَتَرَكُوا نَصِيبًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 67 ] أَيْ : تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ .
وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [10/130]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " يَقُولُ : تَرَكُوا نَصِيبًا .
11588 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " قَالَ : تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ ، وَوَظَائِفَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّتِي لَا تُقْبَلُ الْأَعْمَالُ إِلَّا بِهَا .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَزَالُ يَا مُحَمَّدُ (نبي)تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْبَأْتُكَ نَبَأَهُمْ ، مِنْ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي ، وَنَكْثِهِمْ [10/131]عَهْدِي ، مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، وَنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [ لَمْ يَخُونُوا ] .
وَ " الْخَائِنَةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْخِيَانَةُ ، وُضِعَ - وَهُوَ اسْمٌ - مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ ، كَمَا قِيلَ : " خَاطِئَةً " ، لِلْخَطِيئَةِ وَ " قَائِلَةً " لِلْقَيْلُولَةِ .
وَقَوْلُهُ : " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " اسْتِثْنَاءٌ مِنْ " الْهَاءِ وَالْمِيمِ " اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : " عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11589 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " قَالَ : عَلَى خِيَانَةٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ .
11590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : " وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخْلَ حَائِطَهُمْ . [10/132]
11591 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِنَحْوِهِ .
11592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ قَوْلُهُ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " مِنْ يَهُودَ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنٍ مِنْهُمْ ، قَالَ : وَالْعَرَبُ تَزِيدُ " الْهَاءَ " فِي آخِرِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ : " هُوَ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ " ، وَ " رَجُلٌ عَلَّامَةَ " ، وَأَنْشَدَ :
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْإِصْبَعِ
[10/133]فَقَالَ : " خَائِنَةً " ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رَجُلًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . لِأَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَوْمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَخْبَارَ أَوَائِلِهِمْ ، وَإِعْلَامِهِ مَنْهَجَ أَسْلَافِهِمْ ، وَأَنَّ آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ ، لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ وَنَقْضِ عَهْدٍ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطَّلِعُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ خَائِنٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ ابْتُدِئَ بِهِ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَقِيلَ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ " ، ثُمَّ قِيلَ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " ، فَإِذْ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، فَالْخَتْمُ بِالْجَمَاعَةِ أَوْلَى .
[10/134]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُ : اعْفُ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ بِالْقَتْلِ ، وَاصْفَحْ لَهُمْ عَنْ جُرْمِهِمْ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَمَكْرُوهِهِمْ ، فَإِنِّي أُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ . وَيَقُولُ : نَسَخَتْهَا آيَةُ " بَرَاءَةٌ " : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الْآيَةَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] .
11593 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ " ، قَالَ : نَسَخَتْهَا : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
11594 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " ، وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي " بَرَاءَةٌ " فَقَالَ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ [10/135]جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ .
11595 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عُرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، نَحْوَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسِخَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ ، هُوَ مَا كَانَ نَافِيًا كُلَّ مَعَانِي خِلَافِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ نَافٍ جَمِيعَهُ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْيِ مَعَانِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْيَهُودِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ جَائِزًا ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالصَّغَارِ ، وَأَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ الْقِتَالِ ، الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ هَمُّوا بِهَا ، أَوْ نَكْثَةٍ عَزَمُوا عَلَيْهَا ، مَا لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا دُونَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يُحْكَمَ لِقَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الْآيَةَ ، بِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَا تَعْجَبَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ ، وَنَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، غَدْرًا مِنْهُمْ بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعَادَاتِ سَلَفِهِمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ أنِّي أَخَذْتُ مِيثَاقَ سَلَفِهِمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِي ، وَبَعَثْتُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ تُخُيِّرُوا مِنْ جَمِيعِهِمْ لِيَتَحَسَّسُوا أَخْبَارَ الْجَبَابِرَةِ ، وَوَعَدْتُهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ أُوَرِّثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، بَعْدَ مَا أَرَيْتُهُمْ مِنَ الْعِبَرِ ، وَالْآيَاتِ - بِإِهْلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي الْبَحْرِ ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ لَهُمْ ، وَسَائِرِ الْعِبَرِ - مَا أَرَيْتُهُمْ ، فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَنَكَثُوا عَهْدِي ، فَلَعَنْتُهُمْ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ خِيَارِهِمْ مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، فَلَا تَسْتَنْكِرُوا مِثْلَهُ مِنْ فِعْلِ أَرَاذِلِهِمْ .
وَفَى الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : " فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " - فَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ ، فَلَعَنْتُهُمْ " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ " فَاكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " مِنْ ذِكْرِ " فَنَقَضُوا " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " ، فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ .
11584 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : [10/126]" فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ " يَقُولُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ .
11585 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ " قَالَ : هُوَ مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ فَنَقَضُوهُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى " اللَّعْنِ " فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَ " الْهَاءُ وَالْمِيمُ " مِنْ قَوْلِهِ : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ " عَائِدَتَانِ عَلَى ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْبَصْرَةِ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان): ( قَاسِيَةً ) بِالْأَلِفِ
عَلَى تَقْدِيرِ " فَاعِلَةٍ " مِنْ " قَسْوَةِ الْقَلْبِ " ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَسَا قَلْبُهُ ، فَهُوَ يَقْسُو وَهُوَ قَاسٍ " ، وَذَلِكَ إِذَا غَلُظَ وَاشْتَدَّ وَصَارَ يَابِسًا صُلْبًا كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : فَلَعَنَّا الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وَلَمْ يَفُوا بِمِيثَاقِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي " وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " ، [10/127]غَلِيظَةً يَابِسَةً عَنِ الْإِيمَانِ بِي ، وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي ، مَنْزُوعَةً مِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى " الْقَسْوَةِ " ، لِأَنَّ " فَعِيلَةً " فِي الذَّمِّ أَبْلَغُ مِنْ " فَاعِلَةً " ، فَاخْتَرْنَا قِرَاءَتَهَا " قَسِيَّةً " عَلَى " قَاسِيَةً " لِذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَى " قَسِيَّةً " غَيْرُ مَعْنَى " الْقَسْوَةِ " ، وَإِنَّمَا " الْقَسِيَّةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهَا بِاللَّهِ ، وَلَكِنْ يُخَالِطُ إِيمَانَهَا كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ " الْقَسِيَّةِ " ، وَهِيَ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ :
لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ [10/128]
يَصِفُ بِذَلِكَ وَقْعَ مَسَاحِي الَّذِينَ حَفَرُوا قَبْرَ عُثْمَانَ عَلَى الصُّخُورِ ، وَهِيَ " السِّلَامُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) عَلَى " فَعِيلَةً " ، لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّ الْقَوْمِ مِنْ " قَاسِيَةً " . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : " فَعِيلَةً " مِنَ " الْقَسْوَةِ " ، كَمَا قِيلَ : " نَفْسٌ زَكِيَّةٌ " وَ " زَاكِيَةٌ " ، وَ " امْرَأَةٌ شَاهِدَةٌ " وَ " شَهِيدَةٌ " ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ الْقَوْمَ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَلَمْ يَصِفْهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ ، فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا يُخَالِطُهُ كُفْرٌ ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : وَجَعَلْنَا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَسِيَّةً ، مَنْزُوعًا مِنْهَا الْخَيْرُ ، مَرْفُوعًا مِنْهَا التَّوْفِيقُ ، فَلَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ ، فَهُمْ لِنَزْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالْإِيمَانَ ، يُحَرِّفُونَ كَلَامَ [10/129]رَبِّهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ ، فَيُبَدِّلُونَهُ ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى نَبِيِّهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِجُهَّالِ النَّاسِ : " هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيْهِ " . وَهَذَا مِنْ صِفَةِ الْقُرُونِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ مُوسَى (نبي)مِنَ الْيَهُودِ ، مِمَّنْ أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَصْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَدْخَلَهُمْ فِي عِدَادِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُوسَى (نبي)مِنْهُمْ ، إِذْ كَانُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ ، وَنَقْضِ الْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ، كَمَا : -
11586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ ، وَيَقُولُونَ : إِنْ أَمَرَكُمْ مُحَمَّدٌ (نبي)بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْبَلُوهُ ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاحْذَرُوا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَنَسُوا حَظًّا " وَتَرَكُوا نَصِيبًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 67 ] أَيْ : تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ .
وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [10/130]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " يَقُولُ : تَرَكُوا نَصِيبًا .
11588 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " قَالَ : تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ ، وَوَظَائِفَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّتِي لَا تُقْبَلُ الْأَعْمَالُ إِلَّا بِهَا .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَزَالُ يَا مُحَمَّدُ (نبي)تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْبَأْتُكَ نَبَأَهُمْ ، مِنْ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي ، وَنَكْثِهِمْ [10/131]عَهْدِي ، مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ ، وَنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [ لَمْ يَخُونُوا ] .
وَ " الْخَائِنَةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْخِيَانَةُ ، وُضِعَ - وَهُوَ اسْمٌ - مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ ، كَمَا قِيلَ : " خَاطِئَةً " ، لِلْخَطِيئَةِ وَ " قَائِلَةً " لِلْقَيْلُولَةِ .
وَقَوْلُهُ : " إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ " اسْتِثْنَاءٌ مِنْ " الْهَاءِ وَالْمِيمِ " اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : " عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11589 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " قَالَ : عَلَى خِيَانَةٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ .
11590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : " وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخْلَ حَائِطَهُمْ . [10/132]
11591 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِنَحْوِهِ .
11592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ قَوْلُهُ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " مِنْ يَهُودَ ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنٍ مِنْهُمْ ، قَالَ : وَالْعَرَبُ تَزِيدُ " الْهَاءَ " فِي آخِرِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ : " هُوَ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ " ، وَ " رَجُلٌ عَلَّامَةَ " ، وَأَنْشَدَ :
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْإِصْبَعِ
[10/133]فَقَالَ : " خَائِنَةً " ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رَجُلًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . لِأَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَوْمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَخْبَارَ أَوَائِلِهِمْ ، وَإِعْلَامِهِ مَنْهَجَ أَسْلَافِهِمْ ، وَأَنَّ آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ ، لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ وَنَقْضِ عَهْدٍ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطَّلِعُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ خَائِنٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ ابْتُدِئَ بِهِ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَقِيلَ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ " ، ثُمَّ قِيلَ : " وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ " ، فَإِذْ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، فَالْخَتْمُ بِالْجَمَاعَةِ أَوْلَى .
[10/134]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُ : اعْفُ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ بِالْقَتْلِ ، وَاصْفَحْ لَهُمْ عَنْ جُرْمِهِمْ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَمَكْرُوهِهِمْ ، فَإِنِّي أُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ . وَيَقُولُ : نَسَخَتْهَا آيَةُ " بَرَاءَةٌ " : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الْآيَةَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] .
11593 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ " ، قَالَ : نَسَخَتْهَا : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
11594 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " ، وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي " بَرَاءَةٌ " فَقَالَ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 29 ] ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ [10/135]جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ .
11595 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عُرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، نَحْوَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسِخَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ ، هُوَ مَا كَانَ نَافِيًا كُلَّ مَعَانِي خِلَافِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ نَافٍ جَمِيعَهُ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْيِ مَعَانِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْيَهُودِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ جَائِزًا ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالصَّغَارِ ، وَأَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ الْقِتَالِ ، الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ هَمُّوا بِهَا ، أَوْ نَكْثَةٍ عَزَمُوا عَلَيْهَا ، مَا لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا دُونَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يُحْكَمَ لِقَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الْآيَةَ ، بِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " .