النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ( 12 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَخْلَاقَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ . كَالَّذِي : -
11567 - حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " قَالَ : الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، مِنْ صِفَاتِهِمْ وَصِفَاتِ أَوَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَخْلَاقِ أَسْلَافِهِمْ قَدِيمًا وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ ، بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلِمَهُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْعَرَبِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ وَمَكْنُونِ عُلُومِهِمْ وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِخَطَإِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ .
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ ، وَلَا أَمْرَ الْغَدْرِ الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ وَطَرِيقِ سَلَفِهِمْ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ غَدَرَاتِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ ، مَعَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا ، [10/110]وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرُهَا ، فَقَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ سَلَفِ مَنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَيْكُمْ مَنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، كَمَا : -
11568 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " قَالَ : أَخَذَ اللَّهُ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ ، وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ .
" وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " يَعْنِي بِذَلِكَ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ .
وَ " النَّقِيبُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْمِ ، غَيْرَ أَنَّهُ فَوْقَ " الْعَرِيفِ " . يُقَالُ مِنْهُ : " نَقُبَ فَلَانٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقْبًا فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا ، قِيلَ : " قَدْ نَقُبَ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقَابَةً " وَمِنَ " الْعَرِيفِ " : " عَرَفَ عَلَيْهِمْ يَعْرُفُ عِرَافَةً " . فَأَمَّا " الْمَنَاكِبُ " فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاءِ ، وَاحِدُهُمْ " مَنْكِبٌ " .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : هُوَ الْأَمِينُ الضَّامِنُ عَلَى الْقَوْمِ .
فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ . [10/111]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11569 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ شَاهِدٌ عَلَى قَوْمِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " النَّقِيبُ " ، الْأَمِينُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11570 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : " النُّقَبَاءُ " الْأُمَنَاءُ .
11571 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، مِثْلَهُ .
وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَمَرَ مُوسَى (نبي)نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثَةِ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الْجَبَابِرَةِ بِالشَّأْمِ ، (مكان)لِيَتَحَسَّسُوا لِمُوسَى (نبي)أَخْبَارَهُمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكَهُمْ ، وَأَنْ يُوَرِّثَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ مُوسَى (نبي)وَقَوْمَهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مَسَاكِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ، (مكان)فَبَعَثَ مُوسَى (نبي)الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنَ النُّقَبَاءِ ، كَمَا :
11572 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا ، (مكان)وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى (نبي)اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَةِ ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ [10/112]مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالُ لَهُ " عَاجٌ " ، فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ، فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ حَمْلَةُ حَطَبٍ . فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا!! فَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي! فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا . فَفَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَكِنِ اكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيَّيِ اللَّهِ ، فَيَكُونَانِ هُمَا يَرَيَانِ رَأْيَهُمَا! فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ ، ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْدَ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ [ أَمْرِ ] " عَاجٍ " وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ ، فَأَتَوْا مُوسَى ، (نبي)وَهَارُونَ ، (نبي)فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَرَ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " .
11573 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ ، أَرْسَلَهُمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْجَبَّارِينَ ، فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ أَحَدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ يُلْقُونَهُمْ إِلْقَاءً وَلَا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ [10/113]مِنْهُمْ فِي خَشَبَةٍ وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ أَوْ أَرْبَعٌ . فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (نبي)وَكِلَابَ بْنَ يَافِنَةَ ، يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاطَ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ وَبِجِهَادِهِمْ ، فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ .
11574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ " وَقَالَ أَيْضًا : " يُلْقُونَهُمَا " .
11575 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : أُمِرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا ، وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ . . . إِلَى قَوْلِهِ : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَأَخَذَ مُوسَى (نبي)مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اخْتَارَهُمْ مِنَ الْأَسْبَاطِ كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ ، عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ . وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ خَيْرَهُمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ بَيْنَ مِصْرَ (مكان)وَالشَّامِ (مكان)وَهِيَ بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ [10/114]وَلَا ظِلٌّ دَعَا مُوسَى (نبي)رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ ، وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى . وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)فَقَالَ : أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَحَسَّسُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وُهِبَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا . فَأَرْسَلَ مُوسَى (نبي)الرُّءُوسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ فِيهِمْ ، [ فَبَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ بَرِّيَّةِ فَارَانَ بِكَلَامِ اللَّهِ ، وَهُمْ رُءُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ] . وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الرَّهْطِ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ، (مكان)فِيمَا يَذْكُرُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ : " شَامُونُ بْنُ زَكَوَّرَ " وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ : " شَافَاطُ بْنُ حُرَّى " وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا : " كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا وَمِنْ سِبْطِ [10/115]أَتَيْنَ : " يَجَائِلُ بْنُ يُوسُفَ " وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ : وَهُوَ سِبْطُ أَفْرَائِيمَ : " يُوشَعُ بْنُ نُونٍ " وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ " فَلَطُ بْنُ رَفُونَ " وَمِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ : " جُدَّى بْنُ سُودَى وَمِنْ سِبْطِ مَنْشَا بْنِ يُوسُفَ : " جُدَّى بْنُ سُوسَا وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ : " حَمْلَائِلُ بْنُ جَمْلٍ " وَمِنْ سِبْطِ أَشَر : سَاتُورُ بْنُ مَلْكِيلَ " وَمِنْ [10/116]سِبْطِ نَفْتَالَى : " نُحَى بْنُ وَفْسَى " وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ : " جُولَايِلُ بْنُ مِيكَى " .
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى (نبي)يَتَحَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْضَ وَيَوْمئِذَ سَمَّى " هُوشَعَ بْنَ نُونٍ " : " يُوشَعَ بْنَ نُونٍ " فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمُ : ارْتَفِعُوا قِبَلَ الشَّمْسِ ، فَارْقُوا الْجَبَلَ ، وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْضِ ، وَمَا الشِّعْبُ الَّذِي يَسْكُنُونَ ، أَقْوِيَاءُ هُمْ أَمْ ضُعَفَاءُ ، أَقَلِيلٌ هُمْ أَمْ كَثِيرٌ؟ وَانْظُرُوا أَرْضَهُمُ الَّتِي يَسْكُنُونَ : أَسَمِينَةٌ هِيَ [ أَمْ هَزِيلَةٌ ] ؟ أَذَاتُ شَجَرٍ أَمْ لَا؟ اجْتَازُوا ، وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا أَشْجَنَ بِكْرُ ثَمَرَةِ الْعِنَبِ . [10/117]
11576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بَعَثَهُمْ مُوسَى (نبي)لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ ، فَقَالُوا : [10/118]اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهَمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ! فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقَالُوا : لَا نَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ ، ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 24 ] .
11577 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُمْ مُوسَى (نبي): ادْخُلُوهَا ! فَأَبَوْا وَجَبُنُوا ، وَبَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ ، فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ بِوِقْرِ الرَّجُلِ ، فَقَالُوا : اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهُمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ!! فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى (نبي): ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : " إِنِّي مَعَكُمْ " ، يَقُولُ : إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ ، إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَّيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ .
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، اسْتُغْنِيَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِنِّي مَعَكُمْ فَتَرَكَ ذِكْرَ " لَهُمْ " ، اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " ، إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ ، فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ .
ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ فَقَالَ : قَسَمًا لَئِنْ أَقَمْتُمْ ، مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الصَّلَاةَ " وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ " ، أَيْ : أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا " وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي " يَقُولُ : وَصَدَّقْتُمْ بِمَا أَتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي . [10/119]
وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ .
11578 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ : سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي : إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ ، وَمَا أَمْرُهُمْ ، وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ ، غَيْرَ أَنَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرُ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَتَحَامَى ذُنُوبَهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ ، وَسَائِرُ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ . لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ النُّقَبَاءَ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرَهُمْ . فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا ، وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَنَصَرْتُمُوهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11579 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . [10/120]
11580 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
11581 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11582 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : " التَّعْزِيزُ " وَ " التَّوْقِيرُ " ، الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَذُكِرَ عَنْ يُونُسَ [ الْحَرْمَرِيِّ ] أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ .
11583 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ .
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ ، وَأَعَنْتُمُوهُمْ ، وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ ، وَأَيَّدْتُمُوهُمْ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ :
وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ فِي النَّدِيِّ
[10/121]وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ : " الْعَزْرُ " الرَّدُّ " عَزَرْتُهُ " ، رَدَدْتُهُ : إِذَا رَأَيْتُهُ يَظْلِمُ فَقُلْتُ : " اتَّقِ اللَّهَ " أَوْ نَهَيْتُهُ ، فَذَلِكَ " الْعَزْرُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : نَصَرْتُمُوهُمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي " سُورَةِ الْفَتْحِ " : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ سُورَةُ الْفَتْحِ : 8 ، 9 ] فَ " التَّوْقِيرُ " هُوَ التَّعْظِيمُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ . وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : التَّعْظِيمُ وَكَانَ النَّصْرُ قَدْ يَكُونُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ، فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبُّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وغيِرهِ ، وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْنُ الثَّنَاءِ ، وَالذَّبُّ عَنِ الْعِرْضِ صَحَّ أَنَّهُ النَّصْرُ ، إِذْ كَانَ النَّصْرُ يَحْوِي مَعْنَى كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّهُ وَعَدُوِّكُمْ " قَرْضًا حَسَنًا " يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِهِ ، فَأَصَبْتُمُ الْحَقَّ فِي إِنْفَاقِكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : " وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " وَلَمْ يَقُلْ : " إِقْرَاضًا حَسَنًا " ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَصْدَرَ " أَقْرَضْتَ " " الْإِقْرَاضُ " ؟
قِيلَ : لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : " قَرْضًا حَسَنًا " أَخْرَجَ [10/122]مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ : " أَقْرَضَ " مَعْنَى " قَرَضَ " ، كَمَا فِي مَعْنَى " أَعْطَى " " أَخَذَ " . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [ سُورَةُ نُوحٍ : 17 ] إِذْ كَانَ فِي " أَنْبَتَكُمْ " مَعْنَى : " فَنَبَتُّمْ " ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلَالِ
إِذْ كَانَ فِي " رُضْتُ " مَعْنَى " أَذْلَلْتُ " ، فَخَرَجَ " الْإِذْلَالُ " مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ، أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ أَعْطَوْنِي مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي وَاتِّبَاعِ أَمْرِي ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَفَعَلْتُمْ سَائِرَ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " ، [10/123]يَقُولُ : لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ - وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتِكُمْ ، عَلَى سَالِفِ أَجْرَامِكُمُ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ - عَلَى ذُنُوبِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوبِقَاتِ ذُنُوبِكُمْ
" وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ " مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " .
فَ " الْجَنَّاتُ " الْبَسَاتِينُ .
وَإِنَّمَا قُلْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ " لَأُغَطِّيَنَّ ، لِأَنَّ " الْكُفْرَ " مَعْنَاهُ الْجُحُودُ ، وَالتَّغْطِيَةُ ، وَالسَّتْرُ ، كَمَا قَالَ لَبِيَدٌ :
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يَعْنِي : " غَطَّاهَا " ، فَ " التَّكْفِيرُ " " التَّفْعِيلُ " مِنَ " الْكَفْرِ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى " اللَّامِ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ " .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : " اللَّامُ " الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ يَعْنِي " اللَّامَ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " قَالَ : وَالثَّانِيَةُ مَعْنَى قَسَمٍ آخَرَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): بَلِ " اللَّامُ " الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْيَمِينِ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنِ الْيَمِينِ يَعْنِي بِ " اللَّامِ الْأُولَى " : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " . قَالَ : وَ " اللَّامُ " الثَّانِيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " جَوَابٌ لَهَا ، يَعْنِي " اللَّامَ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " [10/124]غَيْرُ تَامٍّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " قَسَمًا مُبْتَدَأً ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ : ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) يَقُولُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ هَذِهِ الْبَسَاتِينِ الَّتِي أُدْخِلُكُمُوهَا الْأَنْهَارُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 12 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ ، يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ فَتَرَكَهُ ، أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْدَ أَخْذِي الْمِيثَاقَ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِي " فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " يَقُولُ : فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ، وَزَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ .
" وَالضَّلَالُ " ، الرُّكُوبُ عَلَى غَيْرِ هُدًى ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُهُ : " سَوَاءَ " يَعْنِي بِهِ وَسَطَ ، وَ " السَّبِيلِ " ، الطَّرِيقِ .
وَقَدْ بَيَّنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ كُلِّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَخْلَاقَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ . كَالَّذِي : -
11567 - حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " قَالَ : الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، مِنْ صِفَاتِهِمْ وَصِفَاتِ أَوَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَخْلَاقِ أَسْلَافِهِمْ قَدِيمًا وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ ، بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلِمَهُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْعَرَبِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ وَمَكْنُونِ عُلُومِهِمْ وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِخَطَإِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ .
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ ، وَلَا أَمْرَ الْغَدْرِ الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ وَطَرِيقِ سَلَفِهِمْ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ غَدَرَاتِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ ، مَعَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا ، [10/110]وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرُهَا ، فَقَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ سَلَفِ مَنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَيْكُمْ مَنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، كَمَا : -
11568 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " قَالَ : أَخَذَ اللَّهُ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ ، وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ .
" وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " يَعْنِي بِذَلِكَ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ .
وَ " النَّقِيبُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْمِ ، غَيْرَ أَنَّهُ فَوْقَ " الْعَرِيفِ " . يُقَالُ مِنْهُ : " نَقُبَ فَلَانٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقْبًا فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا ، قِيلَ : " قَدْ نَقُبَ فَهُوَ يَنْقِبُ نَقَابَةً " وَمِنَ " الْعَرِيفِ " : " عَرَفَ عَلَيْهِمْ يَعْرُفُ عِرَافَةً " . فَأَمَّا " الْمَنَاكِبُ " فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاءِ ، وَاحِدُهُمْ " مَنْكِبٌ " .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : هُوَ الْأَمِينُ الضَّامِنُ عَلَى الْقَوْمِ .
فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ . [10/111]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11569 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ شَاهِدٌ عَلَى قَوْمِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " النَّقِيبُ " ، الْأَمِينُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11570 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : " النُّقَبَاءُ " الْأُمَنَاءُ .
11571 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، مِثْلَهُ .
وَإِنَّمَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَمَرَ مُوسَى (نبي)نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثَةِ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الْجَبَابِرَةِ بِالشَّأْمِ ، (مكان)لِيَتَحَسَّسُوا لِمُوسَى (نبي)أَخْبَارَهُمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكَهُمْ ، وَأَنْ يُوَرِّثَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ مُوسَى (نبي)وَقَوْمَهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مَسَاكِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ، (مكان)فَبَعَثَ مُوسَى (نبي)الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنَ النُّقَبَاءِ ، كَمَا :
11572 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا ، (مكان)وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى (نبي)اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَةِ ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ [10/112]مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالُ لَهُ " عَاجٌ " ، فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ، فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ حَمْلَةُ حَطَبٍ . فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا!! فَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي! فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا . فَفَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَكِنِ اكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيَّيِ اللَّهِ ، فَيَكُونَانِ هُمَا يَرَيَانِ رَأْيَهُمَا! فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ ، ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْدَ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ [ أَمْرِ ] " عَاجٍ " وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ ، فَأَتَوْا مُوسَى ، (نبي)وَهَارُونَ ، (نبي)فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَرَ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " .
11573 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ ، أَرْسَلَهُمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْجَبَّارِينَ ، فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ أَحَدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ يُلْقُونَهُمْ إِلْقَاءً وَلَا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ [10/113]مِنْهُمْ فِي خَشَبَةٍ وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ أَوْ أَرْبَعٌ . فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (نبي)وَكِلَابَ بْنَ يَافِنَةَ ، يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاطَ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ وَبِجِهَادِهِمْ ، فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ .
11574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ " وَقَالَ أَيْضًا : " يُلْقُونَهُمَا " .
11575 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : أُمِرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا ، وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ . . . إِلَى قَوْلِهِ : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَأَخَذَ مُوسَى (نبي)مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اخْتَارَهُمْ مِنَ الْأَسْبَاطِ كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ ، عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ . وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ خَيْرَهُمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ بَيْنَ مِصْرَ (مكان)وَالشَّامِ (مكان)وَهِيَ بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ [10/114]وَلَا ظِلٌّ دَعَا مُوسَى (نبي)رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ ، وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى . وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)فَقَالَ : أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَحَسَّسُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وُهِبَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا . فَأَرْسَلَ مُوسَى (نبي)الرُّءُوسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ فِيهِمْ ، [ فَبَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ بَرِّيَّةِ فَارَانَ بِكَلَامِ اللَّهِ ، وَهُمْ رُءُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ] . وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الرَّهْطِ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ، (مكان)فِيمَا يَذْكُرُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ : " شَامُونُ بْنُ زَكَوَّرَ " وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ : " شَافَاطُ بْنُ حُرَّى " وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا : " كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا وَمِنْ سِبْطِ [10/115]أَتَيْنَ : " يَجَائِلُ بْنُ يُوسُفَ " وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ : وَهُوَ سِبْطُ أَفْرَائِيمَ : " يُوشَعُ بْنُ نُونٍ " وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ " فَلَطُ بْنُ رَفُونَ " وَمِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ : " جُدَّى بْنُ سُودَى وَمِنْ سِبْطِ مَنْشَا بْنِ يُوسُفَ : " جُدَّى بْنُ سُوسَا وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ : " حَمْلَائِلُ بْنُ جَمْلٍ " وَمِنْ سِبْطِ أَشَر : سَاتُورُ بْنُ مَلْكِيلَ " وَمِنْ [10/116]سِبْطِ نَفْتَالَى : " نُحَى بْنُ وَفْسَى " وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ : " جُولَايِلُ بْنُ مِيكَى " .
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى (نبي)يَتَحَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْضَ وَيَوْمئِذَ سَمَّى " هُوشَعَ بْنَ نُونٍ " : " يُوشَعَ بْنَ نُونٍ " فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمُ : ارْتَفِعُوا قِبَلَ الشَّمْسِ ، فَارْقُوا الْجَبَلَ ، وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْضِ ، وَمَا الشِّعْبُ الَّذِي يَسْكُنُونَ ، أَقْوِيَاءُ هُمْ أَمْ ضُعَفَاءُ ، أَقَلِيلٌ هُمْ أَمْ كَثِيرٌ؟ وَانْظُرُوا أَرْضَهُمُ الَّتِي يَسْكُنُونَ : أَسَمِينَةٌ هِيَ [ أَمْ هَزِيلَةٌ ] ؟ أَذَاتُ شَجَرٍ أَمْ لَا؟ اجْتَازُوا ، وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا أَشْجَنَ بِكْرُ ثَمَرَةِ الْعِنَبِ . [10/117]
11576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بَعَثَهُمْ مُوسَى (نبي)لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ ، فَقَالُوا : [10/118]اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهَمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ! فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقَالُوا : لَا نَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ ، ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 24 ] .
11577 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُمْ مُوسَى (نبي): ادْخُلُوهَا ! فَأَبَوْا وَجَبُنُوا ، وَبَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ ، فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا ، فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتِهِمْ بِوِقْرِ الرَّجُلِ ، فَقَالُوا : اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وَبَأْسَهُمْ ، هَذِهِ فَاكِهَتُهُمْ!! فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى (نبي): ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : " إِنِّي مَعَكُمْ " ، يَقُولُ : إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ ، إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَّيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ .
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، اسْتُغْنِيَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِنِّي مَعَكُمْ فَتَرَكَ ذِكْرَ " لَهُمْ " ، اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ " ، إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ ، فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ .
ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ فَقَالَ : قَسَمًا لَئِنْ أَقَمْتُمْ ، مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الصَّلَاةَ " وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ " ، أَيْ : أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا " وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي " يَقُولُ : وَصَدَّقْتُمْ بِمَا أَتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي . [10/119]
وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ .
11578 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ : سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي : إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ ، وَمَا أَمْرُهُمْ ، وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ ، غَيْرَ أَنَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرُ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَتَحَامَى ذُنُوبَهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ ، وَسَائِرُ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ . لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ النُّقَبَاءَ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرَهُمْ . فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا ، وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَنَصَرْتُمُوهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11579 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . [10/120]
11580 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
11581 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
11582 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " قَالَ : " التَّعْزِيزُ " وَ " التَّوْقِيرُ " ، الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَذُكِرَ عَنْ يُونُسَ [ الْحَرْمَرِيِّ ] أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ .
11583 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ .
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ ، وَأَعَنْتُمُوهُمْ ، وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ ، وَأَيَّدْتُمُوهُمْ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ :
وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ فِي النَّدِيِّ
[10/121]وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ : " الْعَزْرُ " الرَّدُّ " عَزَرْتُهُ " ، رَدَدْتُهُ : إِذَا رَأَيْتُهُ يَظْلِمُ فَقُلْتُ : " اتَّقِ اللَّهَ " أَوْ نَهَيْتُهُ ، فَذَلِكَ " الْعَزْرُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : نَصَرْتُمُوهُمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي " سُورَةِ الْفَتْحِ " : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ سُورَةُ الْفَتْحِ : 8 ، 9 ] فَ " التَّوْقِيرُ " هُوَ التَّعْظِيمُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ . وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : التَّعْظِيمُ وَكَانَ النَّصْرُ قَدْ يَكُونُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ، فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبُّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وغيِرهِ ، وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْنُ الثَّنَاءِ ، وَالذَّبُّ عَنِ الْعِرْضِ صَحَّ أَنَّهُ النَّصْرُ ، إِذْ كَانَ النَّصْرُ يَحْوِي مَعْنَى كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّهُ وَعَدُوِّكُمْ " قَرْضًا حَسَنًا " يَقُولُ : وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيلِهِ ، فَأَصَبْتُمُ الْحَقَّ فِي إِنْفَاقِكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : " وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " وَلَمْ يَقُلْ : " إِقْرَاضًا حَسَنًا " ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَصْدَرَ " أَقْرَضْتَ " " الْإِقْرَاضُ " ؟
قِيلَ : لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : " قَرْضًا حَسَنًا " أَخْرَجَ [10/122]مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ : " أَقْرَضَ " مَعْنَى " قَرَضَ " ، كَمَا فِي مَعْنَى " أَعْطَى " " أَخَذَ " . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَقَرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [ سُورَةُ نُوحٍ : 17 ] إِذْ كَانَ فِي " أَنْبَتَكُمْ " مَعْنَى : " فَنَبَتُّمْ " ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلَالِ
إِذْ كَانَ فِي " رُضْتُ " مَعْنَى " أَذْلَلْتُ " ، فَخَرَجَ " الْإِذْلَالُ " مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ، أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ أَعْطَوْنِي مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي وَاتِّبَاعِ أَمْرِي ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَفَعَلْتُمْ سَائِرَ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " ، [10/123]يَقُولُ : لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ - وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتِكُمْ ، عَلَى سَالِفِ أَجْرَامِكُمُ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ - عَلَى ذُنُوبِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوبِقَاتِ ذُنُوبِكُمْ
" وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ " مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " .
فَ " الْجَنَّاتُ " الْبَسَاتِينُ .
وَإِنَّمَا قُلْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ " لَأُغَطِّيَنَّ ، لِأَنَّ " الْكُفْرَ " مَعْنَاهُ الْجُحُودُ ، وَالتَّغْطِيَةُ ، وَالسَّتْرُ ، كَمَا قَالَ لَبِيَدٌ :
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يَعْنِي : " غَطَّاهَا " ، فَ " التَّكْفِيرُ " " التَّفْعِيلُ " مِنَ " الْكَفْرِ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى " اللَّامِ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ " .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : " اللَّامُ " الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ يَعْنِي " اللَّامَ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " قَالَ : وَالثَّانِيَةُ مَعْنَى قَسَمٍ آخَرَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): بَلِ " اللَّامُ " الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْيَمِينِ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنِ الْيَمِينِ يَعْنِي بِ " اللَّامِ الْأُولَى " : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " . قَالَ : وَ " اللَّامُ " الثَّانِيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " جَوَابٌ لَهَا ، يَعْنِي " اللَّامَ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : " لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ " [10/124]غَيْرُ تَامٍّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " قَسَمًا مُبْتَدَأً ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ : ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) يَقُولُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ هَذِهِ الْبَسَاتِينِ الَّتِي أُدْخِلُكُمُوهَا الْأَنْهَارُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 12 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ ، يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ فَتَرَكَهُ ، أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْدَ أَخْذِي الْمِيثَاقَ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِي " فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ " يَقُولُ : فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ، وَزَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ .
" وَالضَّلَالُ " ، الرُّكُوبُ عَلَى غَيْرِ هُدًى ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُهُ : " سَوَاءَ " يَعْنِي بِهِ وَسَطَ ، وَ " السَّبِيلِ " ، الطَّرِيقِ .
وَقَدْ بَيَّنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ كُلِّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .