تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوَا فِي دِينِكُمْ . . . . "

ج 9
ص 415

الآية المفسَّرة

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 415

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ( 171 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ " ، يَا أَهْلَ الْإِنْجِيلِ مِنَ النَّصَارَى " لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ " ، يَقُولُ : لَا تُجَاوِزُوا الْحَقَّ فِي دِينِكُمْ فَتُفَرِّطُوا فِيهِ ، وَلَا تَقُولُوا فِي عِيسَى (نبي)غَيْرَ الْحَقِّ ، فَإِنَّ قَيْلَكُمْ فِي عِيسَى (نبي)إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، قَوْلٌ مِنْكُمْ [9/416]عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ . لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا فَيَكُونُ عِيسَى (نبي)أَوْ غَيْرُهُ مِنْ خَلْقِهِ لَهُ ابْنًا " وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ " .
وَأَصْلُ " الْغُلُوِّ " ، فِي كُلِّ شَيْءٍ مُجَاوَزَةُ حَدِّهِ الَّذِي هُوَ حَدُّهُ . يُقَالَ مِنْهُ فِي الدِّينِ : " قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا " ، وَ " غَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمُهَا وَلَحْمُهَا " ، إِذَا أَسْرَعَتِ الشَّبَابَ فَجَاوَزَتْ لِدَاتَهَا " يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا ، وَغَلَاءً " ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ :
خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُهَا رُؤْدُ الشَّبَابِ غَلَا بِهَا عَظْمُ
وَقَدْ : -
10853 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، [9/417]عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : صَارُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيقٌ غَلَوْا فِي الدِّينِ ، فَكَانَ غُلُوُّهُمْ فِيهِ الشَّكُّ فِيهِ وَالرَّغْبَةُ عَنْهُ ، وَفَرِيقٌ مِنْهُمْ قَصَّرُوا عَنْهُ ، فَفَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " ، مَا الْمَسِيحُ ، - (نبي)أَيُّهَا الْغَالُونَ فِي دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - بِابْنِ اللَّهِ ، كَمَا تَزْعُمُونَ ، وَلَكِنَّهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْخَلْقِ ، لَا نَسَبَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ . ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصْفَهُ بِصِفَتِهِ فَقَالَ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مَنْ خَلْقِهِ .
وَأَصْلُ " الْمَسِيحِ " ، " الْمَمْسُوحُ " ، صُرِّفَ مِنْ " مَفْعُولٍ " إِلَى " فَعِيلٍ " . وَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِتَطْهِيرِهِ إِيَّاهُ مِنَ الذُّنُوبِ . وَقِيلَ : مُسِحَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَدْنَاسِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْآدَمِيِّينَ ، كَمَا يُمْسَحُ الشَّيْءُ مِنَ الْأَذَى الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ، فَيَطْهْرُ مِنْهُ . وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ : " الْمَسِيحُ " ، الصِّدِّيقُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ " مشيحا " ، فَعُرِّبَتْ فَقِيلَ : " الْمَسِيحُ " ، كَمَا عُرِّبَ سَائِرُ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ : [9/418]" إِسْمَاعِيلَ " وَ " إِسْحَاقَ " وَ " مُوسَى " وَ " عِيسَى " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ مَا مُثِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِ " الْمَسِيحِ " بِنَظِيرٍ . وَذَلِكَ أَنْ " إِسْمَاعِيلَ " وَ " إِسْحَاقَ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَسْمَاءٌ لَا صِفَاتٌ ، وَ " الْمَسِيحُ " صِفَةٌ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُخَاطِبَ الْعَرَبُ ، وَغَيْرُهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ ، فِي صِفَةِ شَيْءٍ إِلَّا بِمِثْلِ مَا تَفْهَمُ عَمَّنْ خَاطَبَهَا . وَلَوْ كَانَ " الْمَسِيحُ " مِنْ غَيْرِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْقِلُ مَعْنَاهُ ، مَا خُوطِبَتْ بِهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا مِنَ الْبَيَانِ عَنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا " الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ " ، فَإِنَّهُ أَيْضًا بِمَعْنَى : الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ ، صُرِّفَ مِنْ " مَفْعُولٍ " إِلَى " فَعِيلٍ " . فَمَعْنَى : " الْمَسِيحِ " فِي عِيسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَمْسُوحُ الْبَدَنِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالْآثَامِ وَمَعْنَى : " الْمَسِيحِ " فِي الدَّجَّالِ : الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى ، كَالذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِ " الْكَلِمَةِ " ، الرِّسَالَةَ الَّتِي [9/419]أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ أَنْ تَأْتِيَ مَرْيَمَ بِهَا ، بِشَارَةً مِنَ اللَّهِ لَهَا ، الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْلِهِ : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 45 ] ، يَعْنِي : بِرِسَالَةٍ مِنْهُ ، وَبِشَارَةٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ مَا : -
10854 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ " ، قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : " كُنْ " ، فَكَانَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُهُ : " أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ " ، يَعْنِي : أَعْلَمَهَا بِهَا وَأَخْبَرَهَا ، كَمَا يُقَالَ : " أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ كَلِمَةً حَسَنَةً " ، بِمَعْنَى : أَخْبَرْتُكَ بِهَا وَكَلَّمْتُكَ بِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَرُوحٌ مِنْهُ " ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَرُوحٌ مِنْهُ " ، وَنَفْخَةٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دِرْعِ مَرْيَمَ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ ، فَنُسِبَ إِلَى أَنَّهُ " رُوحٌ مِنَ اللَّهِ " ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ كَانَ . قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّفْخُ " رُوحًا " ، لِأَنَّهَا رِيحٌ تَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ نَارٍ نَعَتَهَا : [9/420]
فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُهَا ، وَهْيَ طِفْلَةٌ بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعًا وَلَا شِبْرَا [9/421]وَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ ، وَأَحْيِهَا بِرُوحِكَ ، وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ ، وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا ، وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا [ وَلَمَّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرِّمَّ لَمْ تَدَعْ ذَوَابِلَ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَا خُضْرَا ] فَلَمَّا جَرَتْ فِي الْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا الْبَرْقِ ، أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا
وَقَالُوا : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَحْيِهَا بِرُوحِكَ " ، أَيْ : أَحْيِهَا بِنَفْخِكَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَرُوحٌ مِنْهُ " إِنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا بِإِحْيَاءِ اللَّهِ لَهُ بِقَوْلِهِ : " كُنْ " . قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَرُوحٌ مِنْهُ " ، وَحَيَاةٌ مِنْهُ ، بِمَعْنَى إِحْيَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِتَكْوِينِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَرُوحٌ مِنْهُ " ، وَرَحْمَةٌ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ : 22 ] . قَالُوا : وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : وَرَحْمَةُ مِنْهُ . قَالُوا : فَجَعَلَ اللَّهُ عِيسَى (نبي)رَحْمَةً مِنْهُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، لِأَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَرُوحٌ مِنَ اللَّهِ خَلَقَهَا فَصَوَّرَهَا ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَمَ فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا ، فَصَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى رُوحَ عِيسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10855 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 ] ، قَالَ : أَخَذَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ، ثُمَّ [9/422]اسْتَنْطَقَهُمْ ، فَكَانَ رُوحُ عِيسَى (نبي)مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْهَا الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ ، فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ ، فَدَخْلَ فِي فِيهَا ، فَحَمَلَتِ الَّذِي خَاطَبَهَا ، وَهُوَ رُوحُ عِيسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " الرُّوحِ " هَاهُنَا ، جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَكَلَّمَتْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَأَلْقَاهَا أَيْضًا إِلَيْهَا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ . قَالُوا : فَ " الرُّوحُ " مَعْطُوفٌ بِهِ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ : " أَلْقَاهَا " مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، بِمَعْنَى : أَنَّ إِلْقَاءَ الْكَلِمَةِ إِلَى مَرْيَمَ كَانَ مِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ " ، فَصَدِّقُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ ، وَصَدِّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَفِيمَا أَخْبَرَتْكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ ، لَا وَلَدَ لَهُ " وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ " ، يَعْنِي : وَلَا تَقُولُوا : الْأَرْبَابُ ثَلَاثَةٌ .
[9/423]
وَرُفِعَتِ " الثَّلَاثَةُ " ، بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ " هُمْ " . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ " الْقَوْلَ " حِكَايَةٌ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْحِكَايَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 22 ] . وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوعٍ بَعْدَ " الْقَوْلِ " لَا رَافِعَ مَعَهُ ، فَفِيهِ إِضْمَارُ اسْمٍ رَافِعٍ لِذَلِكَ الِاسْمِ .
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلِهِمُ الْعَظِيمِ الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّهِ : " انْتَهَوْا " ، أَيُّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، عَمَّا تَقُولُونَ مِنَ الزُّورِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الِانْتِهَاءَ عَنْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ قِيلِهِ ، لِمَا لَكَمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ الْعَاجِلِ لَكُمْ عَلَى قِيلِكُمْ ذَلِكَ ، إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَتْكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْآجِلِ فِي مَعَادِكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 171 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ " ، مَا اللَّهُ ، أَيُّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، كَمَا تَقُولُونَ ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، فَلَيْسَ بِإِلَهٍ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَةٌ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَعْبُودًا . وَلَكِنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ وَالْعِبَادَةُ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ مَعْبُودٌ ، لَا وَلَدَ لَهُ ، وَلَا وَالِدَ ، وَلَا صَاحِبَةَ ، وَلَا شَرِيكَ .
ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَةُ بِهِ فَقَالَ : " سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ " ، يَقُولُ : عَلَا اللَّهُ وَجَلَّ وَعَزَّ وَتَعَظَّمَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ صَاحِبَةٌ .
[9/424]
ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ : أَنْ عِيسَى (نبي)وَأُمَّهُ وَمِنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، عَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ وَخَلْقُهُ ، وَأَنَّهُ رَازِقُهُمْ وَخَالُقُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ إِلَيْهِ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمَسِيحَ (نبي)ابْنَهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ ابْنُهُ كَمَا قَالُوا ، لَمْ يَكُنْ ذَا حَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَلَا كَانَ لَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا ، فَقَالَ : " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ " ، يَعْنِي : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مُلْكًا وَخَلْقًا ، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيَقُوتُهُمْ وَيُدَبِّرُهُمْ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَسِيحُ (نبي)ابْنًا لِلَّهِ ، وَهُوَ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ، غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ؟
وَقَوْلُهُ : " وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا " ، يَقُولُ : وَحَسْبُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ بِاللَّهِ قَيِّمًا وَمُدَبِّرًا وَرَازِقًا ، مِنَ الْحَاجَةِ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ .