تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ . . . . "

ج 9
ص 361

الآية المفسَّرة

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 361

النص

[9/361]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 154 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ " ، يَعْنِي : الْجَبَلَ ، وَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعُوا مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَقَبُولِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى (نبي)فِيهَا " بِمِيثَاقِهِمْ " ، يَعْنِي : بِمَا أَعْطَوُا اللَّهَ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ : لَنَعْمَلَنَّ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ " وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا " ، يَعْنِي " بَابَ حِطَّةَ " ، حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجُودًا ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ " وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " ، لَا تَتَجَاوَزُوا فِي يَوْمِ السَّبْتِ مَا أُبِيحَ لَكُمْ إِلَى مَا لَمْ يُبَحْ لَكُمْ ، كَمَا :
10773 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا " ، قَالَ : كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
" وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " ، أُمِرَ الْقَوْمُ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَعْرِضُوا لَهَا ، وَأُحِلَّ لَهُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ .
[9/362]
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ : ( لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ) ، بِتَخْفِيفِ " الْعَيْنِ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " عَدَوْتُ فِي الْأَمْرِ " ، إِذَا تَجَاوَزَتَ الْحَقَّ فِيهِ ، " أَعْدُو عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعُدْوَانًا وَعَدَاءً " .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُّوا ) بِتَسْكِينِ " الْعَيْنِ " وَتَشْدِيدِ " الدَّالِ " ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنِينَ ، بِمَعْنَى : تَعْتَدُوا ، ثُمَّ تُدْغَمُ " التَّاءُ " فِي " الدَّالِ " فَتَصِيرُ " دَالًا " مُشَدَّدَةً مَضْمُومَةً ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي [ سُورَةُ يُونُسَ : 35 ] ، بِتَسْكِينِ " الْهَاءِ " .
وَقَوْلُهُ : " وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا " ، يَعْنِي : عَهْدًا مُؤَكَّدًا شَدِيدًا ، بِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ، مِمَّا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَمِمَّا فِي التَّوْرَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى السَّبْبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانُوا أُمِرُوا بِدُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَخَبَرَهُمْ وَقِصَّتَهَمْ وَقِصَّةَ السَّبْتِ ، وَمَا كَانَ اعْتِدَاؤُهُمْ فِيهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .