تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ . . . . "

ج 9
ص 356

الآية المفسَّرة

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 356

النص

[9/356]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ( 153 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " يَسْأَلُكَ " يَا مُحَمَّدُ (نبي)" أَهْلُ الْكِتَابِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : أَهْلَ التَّوْرَاةِ مِنَ الْيَهُودَ " أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْكِتَابِ " الَّذِي سَأَلَ الْيَهُودُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ مَكْتُوبًا ، كَمَا جَاءَ مُوسَى (نبي)بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالتَّوْرَاةِ مَكْتُوبَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10768 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " ، قَالَتِ الْيَهُودُ : إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَآتِنَا كِتَابًا مَكْتُوبًا مِنَ السَّمَاءِ ، كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى (نبي).
10769 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : جَاءَ أُنَاسٌ مَنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : إِنَّ مُوسَى (نبي)جَاءَ بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَأْتِنَا بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " ، إِلَى قَوْلِهِ : " وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا " .
[9/357]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا ، خَاصَّةً لَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10770 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " ، أَيْ كُتَّابًا ، خَاصَّةً " فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَى رِجَالٍ مِنْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ كُتُبًا بِالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10771 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " ، وَذَلِكَ أَنِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : " لَنْ نُتَابِعَكَ عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى فُلَانٍ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِلَى فُلَانٍ بِكِتَابٍ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ " ! قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ أَهْلَ التَّوْرَاةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ، آيَةً مُعْجِزَةً جَمِيعَ الْخَلْقِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا ، شَاهِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ ، آمِرَةً لَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ .
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ كِتَابًا مَكْتُوبًا يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُتُبًا إِلَى أَشْخَاصٍ بِأَعْيُنِهِمْ . بَلِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى [9/358]بِظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ، أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ كَانَتْ مَسْأَلَةً لِتَنْزِيلِ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ ، لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ عَنْهُمْ " الْكِتَابَ " بِلَفْظِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ : " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ " ، وَلَمْ يَقِلْ " كُتُبًا " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ " ، فَإِنَّهُ تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَائِلِي الْكِتَابِ الَّذِي سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ، فِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ وَتَقْرِيعٌ مِنْهُ لَهُمْ . يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ مَسْأَلَتُهُمْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَيْهِ وَاغْتِرَارِهِمْ بِحِلْمِهِ ، لَوْ أَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ الَّذِي سَأَلُوكَ أَنْ تُنَزِّلَهُ عَلَيْهِمْ ، لَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ كَمَا خَالَفُوهُ بَعْدَ إِحْيَاءِ اللَّهِ أَوَائِلَهُمْ مَنْ صَعَقَتْهُمْ ، فَعَبَدُوا الْعِجْلَ وَاتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَنْ دُونِ خَالِقِهِمْ وَبَارِئِهِمُ الَّذِي أَرَاهُمْ مَنْ قَدَّرَتْهُ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ مَا أَرَاهُمْ ، لِأَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا كَأَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ .
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ مِنْ قِصَّتِهِمْ وَقِصَّةِ مُوسَى (نبي)مَا قَصَّ ، يَقُولُ اللَّهُ : " فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ " ، يَعْنِي : فَقَدْ سَأَلَ أَسْلَافُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَأَوَائِلُهُمْ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَعْظَمَ مِمَّا سَأَلُوكَ مِنْ تَنْزِيلِ كِتَابٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ، فَقَالُوا لَهُ : " أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً " ، أَيْ : عِيَانًا نُعَايِنُهُ وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ .
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَعْنَى " الْجَهْرَةِ " ، بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّةٍ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ ، بِمَا : - [9/359]
10772 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ فَقَدْ رَأَوْهُ ، إِنَّمَا قَالُوا جَهْرَةً : " أَرِنَا اللَّهَ " . قَالَ : هُوَ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّ سُؤَالَهُمْ مُوسَى (نبي)كَانَ جَهْرَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ " ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : " فَصُعِقُوا " " بِظُلْمِهِمْ " أَنْفُسِهِمْ . وَظُلْمُهُمْ أَنْفُسِهِمْ ، كَانَ مَسْأَلَتَهُمْ مُوسَى أَنْ يُرِيَهُمْ رَبَّهُمْ جَهْرَةً ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْأَلَتَهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى : " الصَّاعِقَةِ " ، فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهَا ، وَالدَّلِيلَ عَلَى أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهَا بِالصَّوَابِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : ثُمَّ اتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى (نبي)مَا سَأَلُوهُ مِنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ جَهْرَةً ، بَعْدَ مَا أَحْيَاهُمُ اللَّهُ فَبَعَثَهُمْ مِنْ صَعْقَتِهِمُ الْعِجْلَ الَّذِي كَانَ السَّامِرِيُّ نَبَذَ فِيهِ مَا نَبَذَ مِنَ الْقَبْضَةِ الَّتِي قَبَضَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ .
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ وَأَمْرُهُ ، فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ .
[9/360]
وَقَوْلُهُ : " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " ، يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى (نبي)مَا سَأَلُوا ، الْبَيِّنَاتُ مِنَ اللَّهِ ، وَالدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ بِأَنَّهُمْ لَنْ يَرَوُا اللَّهَ عِيَانًا جِهَارًا .
وَإِنَّمَا عَنَى بِ " الْبَيِّنَاتِ " : أَنَّهَا آيَاتٌ تُبَيِّنُ عَنْ أَنَّهُمْ لَنْ يَرَوُا اللَّهَ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا جَهْرَةً . وَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ : إِصْعَاقُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِمْ مُوسَى (نبي)أَنْ يُرِيَهُمْ رَبَّهُ جَهْرَةً ، ثُمَّ إِحْيَاؤُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ ، مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهُمُ اللَّهُ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ .
يَقُولُ اللَّهُ مُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ ، وَمُوَضِّحًا لِعِبَادِهِ جَهْلَهُمْ وَنَقْصَ عُقُولِهِمْ وَأَحْلَامِهِمْ : ثُمَّ أَقَرُّوا لِلْعِجْلِ بِأَنَّهُ لَهُمْ إِلَهٌ ، وَهُمْ يَرَوْنَهُ عِيَانًا ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ جِهَارًا ، بَعْدَ مَا أَرَاهُمْ رَبُّهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا أَرَاهُمْ : أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ جَهْرَةً وَعِيَانًا فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا ، فَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهِ مُصَدِّقِينَ بِأُلُوهَتِهِ!!
وَقَوْلُهُ : " فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ " ، يَقُولُ : فَعَفَوْنَا لِعَبَدَةِ الْعِجْلِ عَنْ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَلِلْمُصَدِّقِينَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ إِلَهُهُمْ بَعْدَ الَّذِي أَرَاهُمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا أَرَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بِذَلِكَ ، بِالتَّوْبَةِ الَّتِي تَابُوهَا إِلَى رَبِّهِمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسِهِمْ ، وَصَبْرِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ " وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا " ، يَقُولُ : وَآتَيْنَا مُوسَى (نبي)حُجَّةً تُبَيِّنُ عَنْ صِدْقِهِ ، وَحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، وَتِلْكَ الْحُجَّةُ هِيَ : الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا .