تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ . . . . "

ج 9
ص 312

الآية المفسَّرة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 312

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ( 136 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " ، بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " ، يَقُولُ : صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ (نبي)رَسُولِهِ ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ ، مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ وَإِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ " وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ " ، يَقُولُ : وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ الْقُرْآنُ " وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ " ، يَقُولُ : وَآمَنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ قَبْلِ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ دُعَاءِ هَؤُلَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكُتُبِهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ " مُؤْمِنِينَ " ؟
قِيلَ : إِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُسَمِّهِمْ " مُؤْمِنِينَ " ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ " آمَنُوا " ، وَذَلِكَ وَصْفٌ لَهُمْ بِخُصُوصٍ مَنَ التَّصْدِيقِ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا صِنْفَيْنِ : أَهْلُ تَوْرَاةٍ مُصَدِّقِينَ [9/313]بِهَا وَبِمَنْ جَاءَ بِهَا ، وَهُمْ مُكَذِّبُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَعِيسَى (نبي)وَمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَصِنْفٌ أَهْلُ إِنْجِيلٍ ، وَهُمْ مُصَدِّقُونَ بِهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ ، مُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَرْقَانِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " ، يَعْنِي : بِمَا هُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ " آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ " ، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)رَسُولُ اللَّهِ ، تَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كُتُبِكُمْ وَبِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَكُونُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وَأَنْتُمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)مُكَذِّبُونَ ، لِأَنَّ كِتَابَكُمْ يَأْمُرُكُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ ، فَآمَنُوا بِكِتَابِكُمْ فِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا ، وَإِلَّا فَأَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . فَهَذَا وَجْهُ أَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، بَعْدَ أَنْ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَمَنْ يَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجْحَدُ نُبُوَّتَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَا بَعِيدًا .
وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " ، وَمَعْنَاهُ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ جُحُودَ شَيْءٍ مِنْ [9/314]ذَلِكَ بِمَعْنَى جُحُودِ جَمِيعِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْكُفْرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : " وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " ، بِعَقِبِ خِطَابِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَهْدِيدًا مِنْهُ لَهُمْ ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، سِوَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْفُرْقَانِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَجَارَ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، إِلَى الْمَهَالِكِ ذِهَابًا وَجَوْرًا بَعِيدًا . لِأَنَّ كُفْرَ مِنْ كَفَرَ بِذَلِكَ ، خُرُوجٌ مِنْهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ . وَالْخُرُوجُ عَنْ دِينِ اللَّهِ ، الْهَلَاكُ الَّذِي فِيهِ الْبَوَارُ ، وَالضَّلَالُ عَنِ الْهُدَى هُوَ الضَّلَالُ .