النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ( 125 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِرِ الْمِلَلِ غَيْرِهِ وَأَهْلِهَا ، يَقُولُ اللَّهُ : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا " أَيُّهَا النَّاسُ ، وَأَصْوَبُ طَرِيقًا ، وَأَهْدَى سَبِيلًا " مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يَقُولُ : مِمَّنِ اسْتَسْلَمَ وَجْهُهُ لِلَّهِ فَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، مُصَدِّقًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ يَعْنِي : وَهُوَ عَامِلٌ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ ، مُحَرِّمٌ حَرَامَهُ وَمُحَلِّلٌ حَلَالَهُ " وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاتَّبَعَ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، وَأَمَرَ بِهِ بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْصَاهُمْ بِهِ حَنِيفًا يَعْنِي : مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى " الْحَنِيفِ " وَالدَّلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . [9/251]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ :
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الضَّحَّاكُ .
10538 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : فَضَّلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى كُلِّ دِينٍ فَقَالَ : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا " ، وَلَيْسَ يُقْبَلُ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ( 125 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَلِيًّا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى " الْخُلَّةِ " الَّتِي أُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمُ؟ (نبي)
قِيلَ : ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْعَدَاوَةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ ، وَالْوِلَايَةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِيهِ ، عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِي " الْخُلَّةِ " . وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ ، (نبي)فَنُصْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِسُوءٍ ، كَالَّذِي فَعَلَ بِهِ إِذْ أَرَادَهُ نُمْرُودُ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ مِنَ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهَا ، أَوْ عَلَى حُجَّتِهِ عَلَيْهِ إِذْ حَاجَّهُ ، وَكَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ مِصْرَ (مكان)إِذْ أَرَادَهُ عَنْ أَهْلِهِ ، وَتَمْكِينُهُ مِمَّا أَحَبَّ ، وَتَصْيِيرُهُ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَقُدْوَةً لِمَنْ خَلْفَهُ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ . فَذَلِكَ مَعْنَى مُخَالَّتِهِ إِيَّاهُ .
وَقَدْ قِيلَ : سَمَّاهُ اللَّهُ " خَلِيلًا " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْبٌ ، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ (مكان)وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مِنْ أَهْلِ مِصْرَ (مكان)فِي امْتِيَارِ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَلِهِ ، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ . فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ ، فَقَالَ : لَوْ مَلَأْتُ غَرَائِرِي مِنْ هَذَا الرَّمْلِ ، لِئَلَّا أَغُمَّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ [9/252]بِغَيْرِ مِيرَةٍ ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ! فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ . وَقَامَ أَهْلُهُ ، فَفَتَحُوا الْغَرَائِرَ ، فَوَجَدُوا دَقِيقًا ، فَعَجَنُوا مِنْهُ وَخَبَزُوا . فَاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا ، فَقَالُوا : مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ! فَعَلِمَ ، فَقَالَ : نَعَمْ! هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ! قَالُوا : فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ " خَلِيلًا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِرِ الْمِلَلِ غَيْرِهِ وَأَهْلِهَا ، يَقُولُ اللَّهُ : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا " أَيُّهَا النَّاسُ ، وَأَصْوَبُ طَرِيقًا ، وَأَهْدَى سَبِيلًا " مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يَقُولُ : مِمَّنِ اسْتَسْلَمَ وَجْهُهُ لِلَّهِ فَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، مُصَدِّقًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ يَعْنِي : وَهُوَ عَامِلٌ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ ، مُحَرِّمٌ حَرَامَهُ وَمُحَلِّلٌ حَلَالَهُ " وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاتَّبَعَ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، وَأَمَرَ بِهِ بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْصَاهُمْ بِهِ حَنِيفًا يَعْنِي : مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى " الْحَنِيفِ " وَالدَّلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . [9/251]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ :
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الضَّحَّاكُ .
10538 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : فَضَّلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى كُلِّ دِينٍ فَقَالَ : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا " ، وَلَيْسَ يُقْبَلُ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ( 125 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَلِيًّا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى " الْخُلَّةِ " الَّتِي أُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمُ؟ (نبي)
قِيلَ : ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْعَدَاوَةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ ، وَالْوِلَايَةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِيهِ ، عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِي " الْخُلَّةِ " . وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ ، (نبي)فَنُصْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِسُوءٍ ، كَالَّذِي فَعَلَ بِهِ إِذْ أَرَادَهُ نُمْرُودُ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ مِنَ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهَا ، أَوْ عَلَى حُجَّتِهِ عَلَيْهِ إِذْ حَاجَّهُ ، وَكَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ مِصْرَ (مكان)إِذْ أَرَادَهُ عَنْ أَهْلِهِ ، وَتَمْكِينُهُ مِمَّا أَحَبَّ ، وَتَصْيِيرُهُ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَقُدْوَةً لِمَنْ خَلْفَهُ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ . فَذَلِكَ مَعْنَى مُخَالَّتِهِ إِيَّاهُ .
وَقَدْ قِيلَ : سَمَّاهُ اللَّهُ " خَلِيلًا " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْبٌ ، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ (مكان)وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مِنْ أَهْلِ مِصْرَ (مكان)فِي امْتِيَارِ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَلِهِ ، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ . فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ ، فَقَالَ : لَوْ مَلَأْتُ غَرَائِرِي مِنْ هَذَا الرَّمْلِ ، لِئَلَّا أَغُمَّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ [9/252]بِغَيْرِ مِيرَةٍ ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ! فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ . وَقَامَ أَهْلُهُ ، فَفَتَحُوا الْغَرَائِرَ ، فَوَجَدُوا دَقِيقًا ، فَعَجَنُوا مِنْهُ وَخَبَزُوا . فَاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا ، فَقَالُوا : مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ! فَعَلِمَ ، فَقَالَ : نَعَمْ! هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ! قَالُوا : فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ " خَلِيلًا " .