تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ . . . . "

ج 9
ص 191

الآية المفسَّرة

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 191

النص

[9/191]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ( 108 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ " ، يَسْتَخْفِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ مَا أَتَوْا مِنَ الْخِيَانَةِ ، وَرَكِبُوا مِنَ الْعَارِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ ، إِلَّا ذِكْرِهِمْ بِقَبِيحِ مَا أَتَوْا مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَشَنِيعِ مَا رَكِبُوا مِنْ جُرْمِهِمْ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ ، حَيَاءً مِنْهُمْ وَحَذَرًا مِنْ قَبِيحِ الْأُحْدُوثَةِ " وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ " الَّذِي هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَبِيَدِهِ الْعِقَابُ وَالنَّكَالُ وَتَعْجِيلُ الْعَذَابِ ، وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَوْلَى أَنْ يُعَظَّمَ بِأَنْ لَا يَرَاهُمْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُوَ مَعَهُمْ يَعْنِي : وَاللَّهُ شَاهَدَهُمْ " إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ " ، يَقُولُ : حِينَ يُسَوُّونَ لَيْلًا مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، فَيُغَيِّرُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَكْذِبُونَ فِيهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " التَّبْيِيتِ " فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهُ كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ أُصْلِحَ لَيْلًا .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الطَّائِيِّينَ أَنَّ " التَّبْيِيتَ " فِي لُغَتِهِمْ : التَّبْدِيلُ ، وَأُنْشِدَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ الطَّائِيِّ فِي مُعَاتَبَةِ رَجُلٍ :
[9/192]وَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ قَاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَنُودًا!!
بِمَعْنَى : بَدَّلْتَ قَوْلِي .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " يُبَيِّتُونَ " ، يُؤَلِّفُونَ .
10419 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ : " إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ " ، قَالَ : يُؤَلِّفُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ .
10420 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ بِنَحْوِهِ .
10421 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ شَبِيهُ الْمَعْنَى بِالَّذِي قُلْنَاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ " التَّأْلِيفَ " هُوَ التَّسْوِيَةُ وَالتَّغْيِيرُ عَمَّا هُوَ بِهِ ، وَتَحْوِيلُهُ عَنْ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ " ، الرَّهْطَ الَّذِينَ مَشَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَافَعَةِ عَنِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وَالْجِدَالِ عَنْهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .
" وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا " يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ [9/193]الْمُسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ، فِيمَا أَتَوْا مِنْ جُرْمِهِمْ ، حَيَاءً مِنْهُمْ ، مِنْ تَبْيِيتِهِمْ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مُحِيطًا مُحْصِيًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، حَافِظًا لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَيْهِ جَزَاءَهُمْ .