تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ . . . . "

ج 9
ص 170

الآية المفسَّرة

وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 170

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ( 104 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَضْعُفُوا .
مِنْ قَوْلِهِمْ : " وَهَنَ فُلَانٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ يَهِنُ وَهْنًا وَوُهُونًا " .
وَقَوْلُهُ : " فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ " ، يَعْنِي : فِي الْتِمَاسِ الْقَوْمِ وَطَلَبِهِمْ ، وَ " الْقَوْمُ " [9/171]هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَعْدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ " ، يَقُولُ : إِنْ تَكُونُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ تَيْجَعُونَ مِمَّا يَنَالُكُمْ مِنَ الْجِرَاحِ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، " فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ " ، يَقُولُ : فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَيْجَعُونَ مِمَّا يَنَالُهُمْ مِنْكُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْأَذَى مِثْلَ مَا تَيْجَعُونَ أَنْتُمْ مِنْ جِرَاحِهِمْ وَأَذَاهُمْ فِيهَا وَتَرْجُونَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى مَا يَنَالُكُمْ مِنْهُمْ " مَا لا يَرْجُونَ " هُمْ عَلَى مَا يَنَالُهُمْ مِنْكُمْ . يَقُولُ : فَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ لَكُمْ عَلَى مَا يُصِيبُكُمْ مِنْهُمْ ، بِمَا هُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ ، أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ تَصْبِرُوا عَلَى حَرْبِهِمْ وَقِتَالِهِمْ ، مِنْهُمْ عَلَى قِتَالِكُمْ وَحَرْبِكُمْ ، وَأَنْ تَجِدُّوا مِنْ طَلَبِهِمْ وَابْتِغَائِهِمْ ، لِقِتَالِهِمْ عَلَى مَا يَهِنُونَ فِيهِ وَلَا يَجِدُّونَ ، فَكَيْفَ عَلَى مَا جَدُّوا فِيهِ وَلَمْ يَهِنُوا؟
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10400 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ " ، يَقُولُ : لَا تَضْعُفُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ ، فَإِنَّهُمْ يَيْجَعُونَ كَمَا تَيْجَعُونَ ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يَرْجُونَ . [9/172]
10401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ " ، قَالَ يَقُولُ : لَا تَضْعُفُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ ، فَإِنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ الْجِرَاحَاتِ ، فَإِنَّهُمْ يَيْجَعُونَ كَمَا تَيْجَعُونَ .
10402 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ " ، لَا تَضْعُفُوا .
10403 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " وَلَا تَهِنُوا " ، يَقُولُ : لَا تَضْعُفُوا .
10404 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ " ، قَالَ يَقُولُ : لَا تَضْعُفُوا عَنِ ابْتِغَائِهِمْ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ الْقِتَالَ " فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ " . وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمُ الْجِرَاحُ - إِنْ كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْقِتَالَ فَتَأْلَمُونَهُ - " فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ " ، يَقُولُ : فَلَا تَضْعُفُوا فِي ابْتِغَائِهِمْ بِمَكَانِ الْقِتَالِ .
10405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ " ، تُوجَعُونَ .
10406 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ " ، قَالَ : تُوجَعُونَ لِمَا يُصِيبُكُمْ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يُوجَعُونَ [9/173]كَمَا تُوجَعُونَ ، وَتَرْجُونَ أَنْتُمْ مِنَ الثَّوَابِ فِيمَا يُصِيبُكُمْ مَا لَا يَرْجُونَ .
10407 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ قِتَالُ أُحُدٍ ، (مكان)وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَ ، صَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَبَلَ ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)أَلَا تَخْرُجُ؟ أَلَا تَخْرُجُ؟ الْحَرْبُ سِجَالٌ ، يَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ لَكُمْ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : أَجِيبُوهُ . فَقَالُوا : " لَا سَوَاءَ ، لَا سَوَاءَ ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ " . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : " عُزَّى لَنَا وَلَا عُزَّى لَكُمْ " ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا لَهُ : " اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : " اعْلُ هُبَلُ ، اعْلُ هُبْلُ " ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا لَهُ : " اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ " ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : " مَوْعِدُنَا وَمَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ الصُّغْرَى " ، وَنَامَ الْمُسْلِمُونَ وَبِهِمُ الْكُلُومُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَفِيهَا أُنْزِلَتْ : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 140 ] ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ : " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " .
10408 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ " ، [9/174]قَالَ : يَيْجَعُونَ كَمَا تَيْجَعُونَ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : " وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ " ، وَتَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَخَافُونَ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ : 14 ] ، بِمَعْنَى : لَا يَخَافُونَ أَيَّامَ اللَّهِ .
وَغَيْرُ مَعْرُوفٍ صَرْفُ " الرَّجَاءِ " إِلَى مَعْنَى " الْخَوْفِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، إِلَّا مَعَ جَحْدٍ سَابِقٍ لَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [ سُورَةُ نُوحٍ : 13 ] ، بِمَعْنَى : لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا تَرْتَجِي حِينَ تُلَاقِي الذَّائِدَا أَسَبْعَةً لَاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا
وَكَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ :
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ [9/175]
وَهِيَ فِيمَا بَلَغَنَا - لُغَةٌ لِأَهْلِ الْحِجَازِ يَقُولُونَهَا ، بِمَعْنَى : مَا أُبَالِي ، وَمَا أَحْفِلُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 104 )
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ " عَلِيمًا " بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ " حَكِيمًا " ، فِي تَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ . وَمِنْ عِلْمِهِ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، بِمَصَالِحِكُمْ عَرَّفَكُمْ - عِنْدَ حُضُورِ صَلَاتِكُمْ وَوَاجِبِ فَرْضِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَأَنْتُمْ مُوَاقِفُو عَدُوِّكُمْ - مَا يَكُونُ بِهِ وُصُولُكُمْ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ عَدُوِّكُمْ . وَمِنْ حِكْمَتِهِ بَصَّرَكُمْ مَا فِيهِ تَأْيِيدُكُمْ وَتَوْهِينُ كَيَدِ عَدُوِّكُمْ .