تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا "

ج 9
ص 7

الآية المفسَّرة

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 9 · ص 7

النص

[9/7]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ( 88 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، فَمَا شَأْنُكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي أَهْلِ النِّفَاقِ فِئَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاللَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ ، فِي إِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ .
وَ " الْإِرْكَاسُ " ، الرَّدُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :
فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ ، إِنَّهُمُ كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الْإِفْكَ وَالزُّورَا
يُقَالُ مِنْهُ : " أَرْكَسَهُمْ " وَ " رَكَسَهُمْ " .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيٍّ : ( وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ ) ، بِغَيْرِ " أَلِفٍ " . [9/8]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، (مكان)وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَصْحَابِهِ : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 167 ] .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10049 - حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ ، (مكان)رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ، فِرْقَةً تَقُولُ : " نَقْتُلُهُمْ " ، وَفِرْقَةً تَقُولُ : " لَا " . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا " الْآيَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ (مكان): إِنَّهَا طَيْبَةٌ ، وَإِنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ .
10050 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
10051 - حَدَّثَنِي زُرَيْقُ بْنُ السَّخْتِ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : ذَكَرُوا الْمُنَافِقِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ فَرِيقٌ : " نَقْتُلُهُمْ " ، وَقَالَ فَرِيقٌ : " لَا نَقْتُلُهُمْ " . فَأَنْزَلَ [9/9]اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " إِلَى آخِرِ الْآيَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافٍ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ (مكان)مِنْ مَكَّةَ ، (مكان)فَأَظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ (مكان)وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الشِّرْكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10052 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، قَالَ : قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ (مكان)حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ (مكان)يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنُوا [9/10]النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ (مكان)لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا . فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : " هُمْ مُنَافِقُونَ " ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : " هُمْ مُؤْمِنُونَ " . فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ ، (مكان)فَلَقِيَهُمْ عَلِيُّ بْنُ عُوَيْمِرٍ ، أَوْ : هِلَالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيُّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ وَهُوَ الَّذِي حَصِرَ صَدْرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ ، فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَؤُمُّونَ هِلَالًا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ .
10053 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ بِنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، فَلَمْ يُقَاتِلُوا يَوْمَئِذٍ ، فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ ، (مكان)وَكَانُوا يُعِينُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10054 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ (مكان)قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ (مكان)يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ ، فَقَالُوا : إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (نبي)" عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْسٌ! وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ ، (مكان)قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ [9/11]الْمُؤْمِنِينَ : ارْكَبُوا إِلَى الْخُبَثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ! وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : سُبْحَانَ اللَّهِ _ أَوْ كَمَا قَالُوا _ أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ ، تُسْتَحَلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِذَلِكَ! فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ ، فَنَزَلَتْ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ " ، الْآيَةَ .
10055 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " الْآيَةَ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ، (مكان)وَكَانَا قَدْ تَكَلَّمَا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُهَاجِرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَقِيَهُمَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ وَهُمَا مُقْبِلَانِ إِلَى مَكَّةَ ، (مكان)فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا حَلَالٌ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَحِلُّ لَكُمْ! فَتَشَاجَرُوا فِيهِمَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " حَتَّى بَلَغَ " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ " .
10056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا ، فَلَقُوهُمْ ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ! وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَرَامٌ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " .
10057 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ هُمْ نَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ (مكان)وَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَوَلَّاهُمْ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَبَرَّأَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ آخَرُونَ ، [9/12]وَقَالُوا : تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا! فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ ، وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ ، (مكان)أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَنْهَا نِفَاقًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10058 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ ، (مكان)فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّا قَدْ أَصَابَنَا أَوْجَاعٌ فِي الْمَدِينَةِ (مكان)واتَّخَمْنَاهَا ، فَلَعَلَّنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الظَّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ ثُمَّ نَرْجِعُ ، فَإِنَّا كُنَّا أَصْحَابَ بَرِّيَّةٍ . فَانْطَلَقُوا ، وَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَعْدَاءٌ لِلَّهِ مُنَافِقُونَ! وَدِدْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ! وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا ، بَلْ إِخْوَانُنَا غَمَّتْهُمُ الْمَدِينَةُ (مكان)فَاتَّخَمُوهَا ، [9/13]فَخَرَجُوا إِلَى الظَّهْرِ يَتَنَزَّهُونَ ، فَإِذَا بَرَءُوا رَجَعُوا . فَقَالَ اللَّهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، يَقُولُ : مَا لَكَمَ تَكُونُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِفْكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10059 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، حَتَّى بَلَغَ " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، قَالَ : هَذَا فِي شَأْنِ ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ بِمَا تَكَلَّمَ .
10060 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ فِئَتِهِ ! يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِيٍّ ، ابْنَ سَلُولَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . [9/14]
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ .
وَالْآخَرُ : أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا " ، أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَارِهِ وَمَدِينَتِهِ مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْكُفْرِ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ (مكان)فِي دَارِ الْهِجْرَةِ مُقِيمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ هِجْرَةٍ ، لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ كَانَ وَطَنُهُ ومُقَامُهُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ قَوْلِهِ : " فِئَتَيْنِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، كَمَا تَقُولُ : " مَا لَكَ قَائِمًا " ، يَعْنِي : مَا لَكَ فِي حَالِ الْقِيَامِ . وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى فِعْلِ " مَا لَكَ " ، قَالَ : وَلَا تُبَالِ أَكَانَ الْمَنْصُوبُ فِي " مَا لَكَ " مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً . قَالَ : وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ : " مَا لَكَ السَّائِرَ مَعَنَا " لِأَنَّهُ كَالْفِعْلِ الَّذِي يُنْصَبُ بِ " كَانَ " وَ " أَظُنُّ " وَمَا أَشْبَهَهُمَا . قَالَ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلُحَتْ فِيهِ " فَعَلَ " وَ " يَفْعَلُ " مِنَ الْمَنْصُوبِ ، جَازَ نَصْبُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ وَالنَّكِرَةُ ، كَمَا تَنْصُبُ " كَانَ " وَ " أَظُنُّ " لِأَنَّهُنَّ نَوَاقِصُ فِي الْمَعْنَى ، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُنَّ تَامَّاتٌ . [9/15]
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَا لَكَ قَائِمًا " ، " الْقِيَامُ " ، فَهُوَ فِي مَذْهَبِ " كَانَ " وَأَخَوَاتِهَا ، وَ " أَظُنُّ " وَصَوَاحِبَاتِهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : رَدَّهُمْ ، كَمَا قُلْنَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10061 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، رَدَّهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاللَّهُ أَوْقَعَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10062 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، يَقُولُ : أَوْقَعَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَضَلَّهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
10063 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ " ، قَالَ : أَهْلَكَهُمْ .
10064 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، أَهْلَكَهُمْ بِمَا عَمِلُوا . [9/16]
10065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، أَهْلَكَهُمْ .
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ قَبْلُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ( 88 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أَتُرِيدُونَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، أَنْ تَهْدُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَتُوَفِّقُوا لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَالدُّخُولِ فِيهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَنْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يُوَفِّقْهُ لِلْإِقْرَارِ بِهِ؟
وَإِنَّمَا هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْفِئَةِ الَّتِي دَافَعَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَتَبْغُونَ هِدَايَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ فَخَذَلَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ ، بِمُدَافَعَتِكُمْ عَنْ قِتَالِهِمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ " وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا يَقُولُ : وَمَنْ خَذَلَهُ عَنْ دِينِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، مِنَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ ، فَأَضَلَّهُ عَنْهُ " فَلَنْ تَجِدَ لَهُ " ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)" سَبِيلًا " ، يَقُولُ : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقًا تَهْدِيهِ فِيهَا إِلَى إِدْرَاكِ مَا خَذَلَهُ اللَّهُ [ عَنْهُ ] وَلَا مَنْهَجًا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ حَرَمَهُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ .