تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ "

ج 7
ص 118

الآية المفسَّرة

لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 7 · ص 118

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " لَيْسُوا سَوَاءً " ، لَيْسَ فَرِيقَا أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَالْكُفْرِ : سَوَاءً . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَسَاوِينَ . يَقُولُ : لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ . .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " لَيْسُوا سَوَاءً " ، لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَهُ ، الْمُؤْمِنَةِ مِنْهُمَا وَالْكَافِرَةِ فَقَالَ : " لَيْسُوا سَوَاءً " ، أَيْ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاءً ، الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ صِفَةِ الْفِرْقَةِ الْمُؤْمِنَةِ مِنْ أَهْلِ [7/119]الْكِتَابِ ، وَمَدْحَهُمْ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ، بَعْدَ مَا وَصَفَ الْفِرْقَةَ الْفَاسِقَةَ مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنَ الْهَلَعِ ، وَنَخْبِ الْجَنَانِ ، وَمُحَالِفَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ ، وَمُلَازِمَةِ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَتَحَمُّلِ خِزْيِ الدُّنْيَا وَفَضِيحَةِ الْآخِرَةِ ، فَقَالَ : " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " ، الْآيَاتَ الثَّلَاثَ ، إِلَى قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ " .
فَقَوْلُهُ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ : " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " .
وَقَدْ تَوَهَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان)وَالْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ فِي صِنَاعَتِهِمْ : أَنَّ مَا بَعْدَ " سَوَاءً " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ قَوْلِهِ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، تَرْجَمَةٌ عَنْ " سَوَاءٍ " وَتَفْسِيرٌ عَنْهُ ، بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ . وَزَعَمُوا أَنَّ ذِكْرَ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى ، تُرِكَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ ، وَهِيَ " الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ " ، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ :
عَصَيْتُ إِلَيْهَا الْقَلْبَ : إِنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيعٌ ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلَابُهَا ؟
وَلَمْ يَقُلْ : " أَمْ غَيْرُ رُشْدٍ " ، اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ : " أَرُشْدٌ " مِنْ ذِكْرِ " أَمْ غَيْرُ رُشْدٍ " ، . وَبُقُولِ الْآخَرِ :
أَرَاكَ فَلَا أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتُهُ ؟ وَذُو الْهَمِّ قِدْمًا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ [7/120]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ قَوْلُ الْقَائِلِ الْمُرِيدِ أَنْ يَقُولَ : " سَوَاءٌ أَقُمْتَ أَمْ قَعَدْتَ " : " سَوَاءٌ أَقُمْتَ " ، حَتَّى يَقُولَ : " أَمْ قَعَدْتَ " . ، وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ ، دُونَ مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ نَحْو : " مَا أُبَالِي " أَوْ " مَا أَدْرِي " ، فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ : " مَا أُبَالِي أَقُمْتَ " ، وَهُمْ يُرِيدُونَ : " مَا أُبَالِي أَقُمْتَ أَمْ قَعَدْتَ " ، لِاكْتِفَاءِ " مَا أُبَالِي " بِوَاحِدٍ وَكَذَلِكَ فِي " مَا أَدْرِي " . وَأَبَوُا الْإِجَازَةَ فِي " سَوَاءً " ، مِنْ أَجْلِ نُقْصَانِهِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ ، فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيهِهِمْ قَوْلَهُ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ ، إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ - مَذَاهِبَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنَ الْحَذْفِ مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ فِي الْكَلَامِ مَعَ " سَوَاءً " ، وَأَخْطَأُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ . فَ " سَوَاءً " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى التَّمَامِ وَالِاكْتِفَاءِ ، لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْلَهُ : " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " الْآيَاتَ الثَّلَاثَ ، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7644 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ ، وأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَرَسَخُوا [7/121]فِيهِ ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارُنَا! وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ ، وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ " .
7645 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِنَحْوِهِ .
7646 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ الْقَوْمِ هَلَكَ ، قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ .
7647 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَلَامٍ أَخُوهُ ، وَسَعْيَةُ ، وَمُبَشِّرٌ ، وأُسَيْدٌ وَأَسَدٌ ابْنَا كَعْبٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)الْقَائِمَةُ بِحَقِّ اللَّهِ ، سَوَاءً عِنْدَ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [7/122]
7648 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، قَالَ : لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
7649 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةً قَائِمَةً " ، الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ ، كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ قَائِمَةٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : قَدْ تَمَّتِ الْقِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ : " لَيْسُوا سَوَاءً " ، عَنْ إِخْبَارِ اللَّهِ بِأَمْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَنْ مَدْحِ مُؤْمِنِهِمْ وَوَصْفِهِمْ بِصِفَتِهِمْ ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ .
وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، جَمَاعَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَى الْحَقِّ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى " الْأُمَّةِ " فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا " الْقَائِمَةُ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهَا : الْعَادِلَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [7/123]
7650 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، قَالَ : عَادِلَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7651 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، يَقُولُ : قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَحُدُودِهِ .
7652 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَوْلُهُ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، يَقُولُ : قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ .
7653 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، يَقُولُ : أُمَّةٌ مُهْتَدِيَةٌ ، قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ ، لَمْ تَنْزَعْ عَنْهُ وَتَتْرُكْهُ كَمَا تَرَكَهُ الْآخَرُونَ وَضَيَّعُوهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَى " قَائِمَةٌ " ، مُطِيعَةٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7654 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " أُمَّةٌ قَائِمَةٌ " ، الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَمَثَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ قَانِتَةٌ لِلَّهِ ، وَ " الْقَانِتَةُ " ، الْمُطِيعَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمِنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ سَائِرُ الْأَقْوَالِ الْأُخَرِ مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " قَائِمَةٌ " ، مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى الْهُدَى وَكِتَابِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ ، وَالْعَدْلِ وَالطَّاعَةِ [7/124]وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ ، مِنْ صِفَةِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
7655 - " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً " ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا . .
فَالْقَائِمُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ : هُوَ الثَّابِتُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ جَمَاعَةٌ مُعْتَصِمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ ، مُتَمَسِّكَةٌ بِهِ ، ثَابِتَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ وَمَا سَنَّ لَهُمْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
[7/125]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ " ، يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " آيَاتِ اللَّهِ " ، مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ مِنَ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ . يَقُولُ : يَتْلُونَ ذَلِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ ، يَقُولُ : فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ ، فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ .
وَأَمَّا " آنَاءَ اللَّيْلِ " ، فَسَاعَاتُ اللَّيْلِ ، وَاحِدُهَا " إِنْيٌ " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقِدْحِ مِرَّتُهُ فِي كُلِّ إِنْيٍ حَذَاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ [7/126]
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَاحِدَ " الْآنَاءِ " ، " إِنًى " مَقْصُورٌ ، كَمَا وَاحِدُ " الْأَمْعَاءِ " " مِعًى " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : سَاعَاتُ اللَّيْلِ ، كَمَا قُلْنَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7656 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ " ، أَيْ : سَاعَاتُ اللَّيْلِ .
7657 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : " آنَاءَ اللَّيْلِ " ، سَاعَاتُ اللَّيْلِ .
7658 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : سَمِعَنَا الْعَرَبَ تَقُولُ : " آنَاءَ اللَّيْلِ " ، سَاعَاتُ اللَّيْلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ " آنَاءَ اللَّيْلِ " ، جَوْفُ اللَّيْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7659 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ " ، أَمَّا " آنَاءَ اللَّيْلِ " ، فَجَوْفُ اللَّيْلِ . [7/127]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7660 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : " يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ " ، صَلَاةُ الْعَتَمَةُ ، هُمْ يُصَلُّونَهَا ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُصَلِّيهَا .
7661 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، كَانَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِهِ وَنِسَائِهِ : فَلَمْ يَأْتِنَا لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى ذَهَبَ لَيْلٌ ، فَجَاءَ وَمِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا الْمُضْطَجِعُ ، فَبَشَّرَنَا وَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " [7/128]
7662 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ الْعِشَاءَ - يُرِيدُ الْعَتَمَةَ - فَقَالَ لَنَا : مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يَنْتَظِرُ هَذَّةَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ غَيْرُكُمْ! قَالَ : فَنَزَلَتْ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " [7/129]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْمٌ كَانُوا يَصِلُونَ فِيمَا بَيْنُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7663 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ : " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " فِيمَا بَيْنُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا ، مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفُّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِأَنَّهُمْ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ ، وَهِيَ آنَاؤُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ تَالِيهَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ تَالِيًا لَهَا آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَلَاهَا فِيمَا بَيْنُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَمَنْ تَلَاهَا جَوْفَ اللَّيْلِ ، فَكُلٌّ تَالٍ لَهُ سَاعَاتِ اللَّيْلِ . غَيْرُ أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : " عَنِيَ بِذَلِكَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ " ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا يُصَلِّيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " ، فَوَصَفَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَصُلُّونَهَا دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَهُمْ يَسْجُدُونَ " ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى " السُّجُودِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، اسْمُ الصَّلَاةِ لَا لِلسُّجُودِ ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي السُّجُودِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، .
وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ فِي صَلَاتِهِمْ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ فِيهَا ، فَ " السُّجُودُ " ، هُوَ " السُّجُودُ " الْمَعْرُوفُ فِي الصَّلَاةِ .