تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى "

ج 7
ص 108

الآية المفسَّرة

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 7 · ص 108

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى ( 111 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَنْ يَضُرَّكُمْ ، يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، هَؤُلَاءِ الْفَاسِقُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا " إِلا أَذًى " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَلَكِنَّهُمْ يُؤْذُونَكُمْ بِشِرْكِهِمْ ، وإِسْمَاعِكُمْ كُفْرَهُمْ ، وَقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى (نبي)وَأُمِّهِ وَعُزَيْرٍ ، وَدُعَائِهِمْ إِيَّاكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ ، وَلَنْ يَضُرُّوكُمْ بِذَلِكَ .
وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ مَعْنَى مَا قَبْلُهُ ، كَمَا قِيلَ : " مَا اشْتَكَى شَيْئًا إِلَّا خَيْرًا " ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ مَحْكِيَّةٌ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7626 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى " ، يَقُولُ : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى تَسْمَعُونَهُ مِنْهُمْ .
7627 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَوْلُهُ : " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى " ، قَالَ : أَذًى تَسْمَعُونَهُ مِنْهُمْ .
7628 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [7/109]ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى " ، قَالَ : إِشْرَاكُهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَعِيسَى وَالصَّلِيبِ .
7629 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى " الْآيَةَ ، قَالَ : تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ ، يَدْعُونَكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ يُقَاتِلْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يُهْزَمُوا عَنْكُمْ ، فَيُوَلُّوكُمْ أَدْبَارَهُمُ انْهِزَامًا .
فَقَوْلُهُ : " يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ " ، كِنَايَةٌ عَنِ انْهِزَامِهِمْ ، لِأَنَّ الْمُنْهَزِمَ يُحَوِّلُ ظَهْرَهُ إِلَى جِهَةِ الطَّالِبِ هَرَبًا إِلَى مَلْجَأٍ وَمَوْئِلٍ يَئِلُ إِلَيْهِ مِنْهُ ، خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ ، وَالطَّالِبُ فِي أَثَرِهِ . فَدُبُرُ الْمَطْلُوبِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُحَاذِيَ وَجْهِ الطَّالِبِ الْهَازِمِهِ .
" ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ " ، يَعْنِي : ثُمَّ لَا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، عَلَيْكُمْ ، لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِيمَانِكُمْ بِمَا آتَاكُمْ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَأَيَّدَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِكُمْ . . [7/110]
وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ ، نَصْرُهُمْ عَلَى الْكَفَرَةِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْلُهُ : " ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ " وَقَدْ جُزِمَ قَوْلُهُ : " يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ " ، عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ ، ائْتِنَافًا لِلْكَلَامِ ، لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيَاتِ قَبْلَهَا بِالنُّونِ ، فَأَلْحَقُ هَذِهِ بِهَا ، كَمَا قَالَ : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ : 36 ] ، رَفْعًا ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 36 ] إِذْ لَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ .