النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 107 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ؟ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَلَا بُدَّ لِ " أَمَّا " مِنْ جَوَابٍ بِالْفَاءِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَابُ سَقَطَتِ " الْفَاءُ " مَعَهُ . وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُ ذِكْرِ " فَيُقَالُ " لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . [7/94]
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْلُ قِبْلَتِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7601 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " ، الْآيَةَ ، لَقَدْ كَفَرَ أَقْوَامٌ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ (نبي)بِيَدِهِ ، لِيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ مِمَّنْ صَحِبَنِي أَقْوَامٌ ، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ ، اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَلْأَقُولَنَّ : رَبِّ! أَصْحَابِي! أَصْحَابِي! فَلْيُقَالَنَّ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ " ! وَقَوْلُهُ : " وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ " ، هَؤُلَاءِ أَهِلُ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " .
7602 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، فَهَذَا مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا .
7603 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنْ أَبِي مُجَالِدٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : " فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، قَالَ : هُمُ الْخَوَارِجُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ الَّذِي آمَنَ ، [7/95]حِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ (نبي)ذُرِّيَّتَهُ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " ، قَالَ : صَارُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ ، فَقَالَ لِمَنِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ ، وَعَيَّرَهُمْ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، قَالَ : هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَافِ فِي زَمَانِ آدَمَ ، (نبي)حِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدَهُمْ وَمِيثَاقَهُمْ ، وَأَقَرُّوا كُلُّهُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ ، يَقُولُ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، يَقُولُ : بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِ آدَمَ (نبي). وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ ذَلِكَ ، فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ وَالْعَمَلَ ، فَبَيَّضَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، الْمُنَافِقُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " الْآيَةَ ، قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ ، كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى ارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ ، هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 ] . [7/96]
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيعَ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا سُودًا وُجُوهُهُ ، وَالْآخِرُ بَيْضًا وُجُوهُهُ . فَمَعْلُومٌ - إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانَ الْفَرِيقَانِ - أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مِنْ سُوِّدَ وَجْهُهُ ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مَنْ بُيِّضَ وَجْهُهُ . فَلَا وَجْهَ إِذًا لِقَوْلِ قَائِلٍ : " عَنَى بِقَوْلِهِ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، بَعْضَ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ " ، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ جَمِيعِهِمْ ، وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَةً آمَنُوا فِيهَا ثُمَّ ارْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْدُ إِلَّا حَالَةً وَاحِدَةً ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَّةُ بِذَلِكَ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهُ قَوْمٍ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ آخَرِينَ . فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ - بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يَعْنِي : بَعْدَ تَصْدِيقِكُمْ بِهِ ؟ " فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، يَقُولُ : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ " وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ " . مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ ، فَلَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ ، وَلَمْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَالشَّهَادَةِ لِرَبِّهِ بِالْأُلُوهَةِ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ " فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ " ، يَقُولُ : فَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، يَعْنِي : فِي جَنَّتِهِ وَنَعِيمِهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا " هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " ، أَيْ : بَاقُونَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا غَايَةٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ؟ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَلَا بُدَّ لِ " أَمَّا " مِنْ جَوَابٍ بِالْفَاءِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَابُ سَقَطَتِ " الْفَاءُ " مَعَهُ . وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُ ذِكْرِ " فَيُقَالُ " لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . [7/94]
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْلُ قِبْلَتِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7601 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " ، الْآيَةَ ، لَقَدْ كَفَرَ أَقْوَامٌ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ (نبي)بِيَدِهِ ، لِيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ مِمَّنْ صَحِبَنِي أَقْوَامٌ ، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ ، اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَلْأَقُولَنَّ : رَبِّ! أَصْحَابِي! أَصْحَابِي! فَلْيُقَالَنَّ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ " ! وَقَوْلُهُ : " وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ " ، هَؤُلَاءِ أَهِلُ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " .
7602 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، فَهَذَا مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا .
7603 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنْ أَبِي مُجَالِدٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : " فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، قَالَ : هُمُ الْخَوَارِجُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ الَّذِي آمَنَ ، [7/95]حِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ (نبي)ذُرِّيَّتَهُ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " ، قَالَ : صَارُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ ، فَقَالَ لِمَنِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ ، وَعَيَّرَهُمْ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، قَالَ : هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَافِ فِي زَمَانِ آدَمَ ، (نبي)حِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدَهُمْ وَمِيثَاقَهُمْ ، وَأَقَرُّوا كُلُّهُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ ، يَقُولُ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، يَقُولُ : بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِ آدَمَ (نبي). وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ ذَلِكَ ، فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ وَالْعَمَلَ ، فَبَيَّضَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، الْمُنَافِقُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " الْآيَةَ ، قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ ، كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى ارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ ، هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 ] . [7/96]
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيعَ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا سُودًا وُجُوهُهُ ، وَالْآخِرُ بَيْضًا وُجُوهُهُ . فَمَعْلُومٌ - إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانَ الْفَرِيقَانِ - أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مِنْ سُوِّدَ وَجْهُهُ ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مَنْ بُيِّضَ وَجْهُهُ . فَلَا وَجْهَ إِذًا لِقَوْلِ قَائِلٍ : " عَنَى بِقَوْلِهِ : " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، بَعْضَ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ " ، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ جَمِيعِهِمْ ، وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَةً آمَنُوا فِيهَا ثُمَّ ارْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْدُ إِلَّا حَالَةً وَاحِدَةً ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَّةُ بِذَلِكَ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمِ تَبْيَضُّ وُجُوهُ قَوْمٍ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ آخَرِينَ . فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَيُقَالُ : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ - بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يَعْنِي : بَعْدَ تَصْدِيقِكُمْ بِهِ ؟ " فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، يَقُولُ : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ " وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ " . مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ ، فَلَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ ، وَلَمْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَالشَّهَادَةِ لِرَبِّهِ بِالْأُلُوهَةِ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ " فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ " ، يَقُولُ : فَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، يَعْنِي : فِي جَنَّتِهِ وَنَعِيمِهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا " هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " ، أَيْ : بَاقُونَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا غَايَةٍ .