تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "

ج 7
ص 17

الآية المفسَّرة

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 7 · ص 17

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " قُلْ " ، يَا مُحَمَّدُ (نبي)" صَدَقَ اللَّهُ " ، فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : " كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ " ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ الْعُرُوقَ وَلَا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ بِغَيْرِ تَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَفِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ خَبَرِ ، دُونَكُمْ . وَأَنْتُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، الْكَذَبَةُ فِي إِضَافَتِكُمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاةِ ، الْمُفْتَرِيَةُ عَلَى اللَّهِ الْبَاطِلَ فِي دَعْوَاكُمْ عَلَيْهِ غَيْرَ الْحَقِّ " فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ، يَقُولُ : فَإِنْ كُنْتُمْ ، أَيُّهَا الْيَهُودُ ، مُحِقِّينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّكُمْ عَلَى الدِّينِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ " فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ " ، خَلِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ دِينًا ، وَابْتَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ ، ذَلِكَ الْحَنِيفِيَّةُ - يَعْنِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ - دُونَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمُشْرِكَةِ . [7/18]
وَقَوْلُهُ : " وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ، يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ يُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ . فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا ، أَيُّهَا الْيَهُودُ ، فَلَا يَتَّخِذْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ تُطِيعُونَهُمْ كَطَاعَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، فَلَا تَتَّخِذُوا الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ أَرْبَابًا ، وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَ الرَّحْمَنِ كَانَ دِينُهُ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِرَبِّهِ وَحْدَهُ ، مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكِ أَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ . فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ أَحَدًا ، فَإِنَّ جَمِيعَكُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ عَلَى حَقٍّ وَهُدًى مُسْتَقِيمٍ ، فَاتَّبِعُوا مَا قَدْ أَجْمَعَ جَمِيعُكُمْ عَلَى تَصْوِيبِهِ مِنْ مِلَّتِهِ الْحَنِيفِيَّةِ ، وَدَعُوا مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ سَائِرِ الْمِلَلِ غَيْرِهَا ، أَيُّهَا الْأَحْزَابُ ، فَإِنَّهَا بِدَعٌ ابْتَدَعْتُمُوهَا إِلَى مَا قَدْ أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ ، فَإِنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَوَابٌ وَحَقٌّ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)هُوَ الْحَقُّ الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ وَابْتَعَثْتُ بِهِ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي ، وَسَائِرُ ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا أَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي جَاءَنِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ، يَعْنِي بِهِ : وَمَا كَانَ مِنْ عَدَدِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي التَّظَاهُرِ عَلَى كُفْرِهِمْ . وَنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . فَبَرَّأَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَوْ [ مِنْ ] نُصَرَائِهِمْ وَأَهْلِ وِلَايَتِهِمْ . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْمُشْرِكِينَ ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَسَائِرَ الْأَدْيَانِ ، غَيْرَ الْحَنِيفِيَّةِ . قَالَ : لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ (نبي)مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْمُشْرِكَةِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا .