تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ . . . . "

ج 6
ص 584

الآية المفسَّرة

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 584

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 91 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ : جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ ، يَهُودِهَا وَنَصَارَاهَا وَمَجُوسِهَا وَغَيْرِهِمْ " وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ " يَعْنِي : وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ جُحُودِ نُبُوَّتِهِ وَجُحُودِ مَا جَاءَ بِهِ " فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ " يَقُولُ : فَلَنْ يُقْبَلَ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْآخِرَةِ جَزَاءٌ وَلَا رِشْوَةٌ عَلَى تَرْكِ عُقُوبَتِهِ عَلَى كُفْرِهِ ، وَلَا جُعْلٌ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنَ الذَّهَبِ قَدْرُ مَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا فَرْشًا ، وَجَزَى عَلَى تَرْكِ عُقُوبَتِهِ وَفِي الْعَفْوِ عَنْهُ عَلَى كُفْرِهِ عِوَضًا مِمَّا اللَّهُ مُحِلٌّ بِهِ مِنْ عَذَابِهِ ؛ لِأَنَّ الرِّشَا إِنَّمَا يَقْبَلُهَا مَنْ كَانَ ذَا حَاجَةٍ إِلَى مَا رُشِيَ . فَأَمَّا مَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فَكَيْفَ يَقْبَلُ [6/585]الْفِدْيَةَ ، وَهُوَ خَلَّاقُ كُلِّ فِدْيَةٍ افْتَدَى بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ؟
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى " الْفِدْيَةِ " الْعِوَضُ ، وَالْجَزَاءُ مِنَ الْمُفْتَدَى مِنْهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ - عَزَّ وَجَلَّ - عَمَّا لَهُمْ عِنْدَهُ فَقَالَ : " أُولَئِكَ " يَعْنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ " لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " يَقُولُ : لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ مُوجِعٌ " وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ " يَعْنِي : وَمَا لَهُمْ مِنْ قَرِيبٍ وَلَا حَمِيمٍ وَلَا صَدِيقٍ يَنْصُرُهُ ، فَيَسْتَنْقِذُهُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ عَذَابِهِ كَمَا كَانُوا يَنْصُرُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ حَاوَلَ أَذَاهُ وَمَكْرُوهَهُ . وَقَدْ : -
7384 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . قَالَ فَيُقَالُ : لَقَدْ سُئِلَتْ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ " .
7385 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادٌ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا " قَالَ : هُوَ كُلُّ كَافِرٍ . [6/586]
وَنُصِبَ قَوْلُهُ " ذَهَبًا " عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْمِقْدَارِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالتَّفْسِيرِ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : " مِلْءُ الْأَرْضِ " كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " عِنْدِي قَدْرُ زِقٍّ سَمْنًا وَقَدْرُ رِطْلٍ عَسَلًا " فَ " الْعَسَلُ " مُبَيَّنٌ بِهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمِقْدَارِ ، وَهُوَ نَكِرَةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْمِقْدَارِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ .
وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْبَصْرَةِ (مكان)فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ نَصَبَ " الذَّهَبَ " لِاشْتِغَالِ " الْمِلْءِ " بِ " الْأَرْضِ " وَمَجِيءِ " الذَّهَبِ " بِعْدَهُمَا ، فَصَارَ نَصْبُهُا نَظِيرَ نَصْبِ الْحَالِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْحَالَ يَجِيءُ بَعْدَ فِعْلٍ قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ ، فَيُنْصَبُ كَمَا يُنْصَبُ الْمَفْعُولُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ الْفِعْلِ الَّذِي قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ . قَالُوا : وَنَظِيرُ قَوْلِهِ : " مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا " فِي نَصْبِ " الذَّهَبِ " فِي الْكَلَامِ : " لِي مِثْلُكَ رَجُلًا " بِمَعْنَى : لِي مِثْلُكَ مِنَ الرِّجَالِ . وَزَعَمُوا أَنَّ نَصْبَ " الرَّجُلِ لِاشْتِغَالِ الْإِضَافَةِ بِالِاسْمِ ، فَنُصِبَ كَمَا يُنْصَبُ الْمَفْعُولُ بِهِ ، لِاشْتِغَالِ الْفِعْلِ بِالْفَاعِلِ .
وَأُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ : " وَلَوِ افْتَدَى بِهِ " لِمَحْذُوفٍ مِنَ الْكَلَامِ بَعْدَهُ دَلَّ عَلَيْهِ دُخُولُ " الْوَاوِ " وَكَالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 75 ] ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : " وَلَوِ افْتَدَى بِهِ " وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ " وَاوٌ " لَكَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَتْرُوكٌ . وَكَانَ : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَوِ افْتَدَى بِهِ .