النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " بِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)" لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَحَشْرَجَتِهِ بِنَفَسِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7372 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " قَالَ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ .
7373 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، [6/579]قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى ، (نبي)ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفُرْقَانِ .
7374 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : ازْدَادُوا كُفْرًا حَتَّى حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ حِينَ حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ .
7375 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " وَقَالَ : هُمُ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا حِينَ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَنْكَرُوهُ وَكَذَّبُوا بِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " يَعْنِي : ذُنُوبًا " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ مُقِيمُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7376 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " ازْدَادُوا ذُنُوبًا وَهُمْ كُفَّارٌ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ مَا كَانُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ .
7377 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ قَالَ : قُلْتُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " ؟ قَالَ : إِنَّمَا هُمْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا ، فَهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا فِي كُفْرِهِمْ .
7378 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، [6/580]عَنْ دَاوُدَ قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ : الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْهُ .
7379 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، أَصَابُوا ذُنُوبًا فِي كُفْرِهِمْ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتُوبُوا مِنْهَا ، وَلَنْ يَتُوبُوا مِنَ الْكُفْرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : " وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " ؟
7380 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " قَالَ : تَابُوا مِنْ بَعْضٍ ، وَلَمْ يَتُوبُوا مِنَ الْأَصْلِ .
7381 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يُصِيبُونَ الذُّنُوبَ فَيَقُولُونَ : " نَتُوبُ " وَهُمْ مُشْرِكُونَ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَنْ تُقْبَلَ التَّوْبَةُ فِي الضَّلَالَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " يَعْنِي : بِزِيَادَتِهِمُ الْكُفْرَ تَمَامُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَهُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " لَنْ تَنْفَعَهُمْ تَوْبَتُهُمُ الْأُولَى وَإِيمَانُهُمْ ، لِكُفْرِهِمُ الْآخِرِ وَمَوْتِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [6/581]
7382 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : تَمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " يَقُولُ : إِيمَانُهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَنْ يَنْفَعَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " مَاتُوا كُفَّارًا ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ زِيَادَتُهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ . وَقَالُوا : مَعْنَى " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7383 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " أَمَّا " ازْدَادُوا كُفْرًا " فَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ . وَأَمَّا " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " فَعِنْدَ مَوْتِهِ إِذَا تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " عَنَى بِهَا الْيَهُودَ " وَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَبْعَثِهِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ فِي كُفْرِهِمْ وَمُقَامِهِمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرِهِمْ ، حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُرَاجِعُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ بِتَصْدِيقِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ [6/582]قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ ، فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ هِيَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : " مَعْنَى ازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ : مَا أَصَابُوا فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي ؛ لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " إِنَّمَا هُوَ مَعْنِيٌّ بِهِ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِمَّا ازْدَادُوا مِنَ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، لَا مِنْ كُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَعَدَ أَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ فَقَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [ سُورَةُ الشُّورَى : 25 ] فَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ - عَزَّ وَجَلَّ - : " أَقْبَلُ " وَ " لَا أَقْبَلُ " فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ قَابِلٌ تَوْبَةَ كُلِّ تَائِبٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، وَكَانَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَحَدَ تِلْكَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةَ هُوَ الِازْدِيَادُ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْكُفْرِ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَةَ صَاحِبِهِ مَا أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أَقَامَ عَلَى شِرْكِهِ وَضَلَالِهِ . فَأَمَّا إِنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ وَكُفْرِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ - كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - غَفُورٌ رَحِيمٌ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : " فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ مِنْ كُفْرِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ وَتَوْبَتِهِ الْأُولَى " ؟ [6/583]
قِيلَ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَائِنَةٍ إِلَّا فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَا تَوْبَةَ ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَالْمُوَارَثَةِ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ غَيْرِهِمَا . فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ تَوْبَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لَمْ يَنْتَقِلْ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ إِلَى حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا تَوْبَةَ الْكَافِرِ " . فَإِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا سَبِيلَ بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَيْهَا بَطَلَ قَوْلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ حُضُورِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : " التَّوْبَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْكُفْرِ " فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَصِفِ الْقَوْمَ بِإِيمَانٍ كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ كُفْرٍ ، ثُمَّ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ بَلْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ . فَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كُفْرٌ كَانَ لِلْإِيمَانِ لَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُ ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُ ذَلِكَ . وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ - إِذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ - أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ إِلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَأَخْطَأُوا مَنْهَجَهُ ، وَتَرَكُوا نِصْفَ السَّبِيلِ وَهُدَى الدِّينِ ، حَيْرَةً مِنْهُمْ ، وَعَمًى عَنْهُ . [6/584]
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الضَّلَالِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " بِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)" لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَحَشْرَجَتِهِ بِنَفَسِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7372 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " قَالَ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ .
7373 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، [6/579]قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى ، (نبي)ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفُرْقَانِ .
7374 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : ازْدَادُوا كُفْرًا حَتَّى حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ حِينَ حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ .
7375 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " وَقَالَ : هُمُ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا حِينَ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَنْكَرُوهُ وَكَذَّبُوا بِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " يَعْنِي : ذُنُوبًا " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ مُقِيمُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7376 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " ازْدَادُوا ذُنُوبًا وَهُمْ كُفَّارٌ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ مَا كَانُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ .
7377 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ قَالَ : قُلْتُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " ؟ قَالَ : إِنَّمَا هُمْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا ، فَهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا فِي كُفْرِهِمْ .
7378 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، [6/580]عَنْ دَاوُدَ قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ : الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْهُ .
7379 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ قَالَ : سَأَلَتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، أَصَابُوا ذُنُوبًا فِي كُفْرِهِمْ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتُوبُوا مِنْهَا ، وَلَنْ يَتُوبُوا مِنَ الْكُفْرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : " وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " ؟
7380 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " قَالَ : تَابُوا مِنْ بَعْضٍ ، وَلَمْ يَتُوبُوا مِنَ الْأَصْلِ .
7381 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلَهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يُصِيبُونَ الذُّنُوبَ فَيَقُولُونَ : " نَتُوبُ " وَهُمْ مُشْرِكُونَ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَنْ تُقْبَلَ التَّوْبَةُ فِي الضَّلَالَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " يَعْنِي : بِزِيَادَتِهِمُ الْكُفْرَ تَمَامُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَهُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " لَنْ تَنْفَعَهُمْ تَوْبَتُهُمُ الْأُولَى وَإِيمَانُهُمْ ، لِكُفْرِهِمُ الْآخِرِ وَمَوْتِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [6/581]
7382 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " قَالَ : تَمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " يَقُولُ : إِيمَانُهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَنْ يَنْفَعَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا " مَاتُوا كُفَّارًا ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ زِيَادَتُهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ . وَقَالُوا : مَعْنَى " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7383 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " أَمَّا " ازْدَادُوا كُفْرًا " فَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ . وَأَمَّا " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " فَعِنْدَ مَوْتِهِ إِذَا تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " عَنَى بِهَا الْيَهُودَ " وَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَبْعَثِهِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ فِي كُفْرِهِمْ وَمُقَامِهِمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرِهِمْ ، حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُرَاجِعُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ بِتَصْدِيقِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ [6/582]قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ ، فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ هِيَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : " مَعْنَى ازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ : مَا أَصَابُوا فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي ؛ لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ " إِنَّمَا هُوَ مَعْنِيٌّ بِهِ : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِمَّا ازْدَادُوا مِنَ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، لَا مِنْ كُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَعَدَ أَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ فَقَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [ سُورَةُ الشُّورَى : 25 ] فَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ - عَزَّ وَجَلَّ - : " أَقْبَلُ " وَ " لَا أَقْبَلُ " فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ قَابِلٌ تَوْبَةَ كُلِّ تَائِبٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، وَكَانَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَحَدَ تِلْكَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةَ هُوَ الِازْدِيَادُ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْكُفْرِ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَةَ صَاحِبِهِ مَا أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أَقَامَ عَلَى شِرْكِهِ وَضَلَالِهِ . فَأَمَّا إِنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ وَكُفْرِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ - كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - غَفُورٌ رَحِيمٌ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : " فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ مِنْ كُفْرِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ وَتَوْبَتِهِ الْأُولَى " ؟ [6/583]
قِيلَ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَائِنَةٍ إِلَّا فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَا تَوْبَةَ ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَالْمُوَارَثَةِ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ غَيْرِهِمَا . فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ تَوْبَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لَمْ يَنْتَقِلْ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ إِلَى حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا تَوْبَةَ الْكَافِرِ " . فَإِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا سَبِيلَ بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَيْهَا بَطَلَ قَوْلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ حُضُورِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : " التَّوْبَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْكُفْرِ " فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَصِفِ الْقَوْمَ بِإِيمَانٍ كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ كُفْرٍ ، ثُمَّ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ بَلْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ . فَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كُفْرٌ كَانَ لِلْإِيمَانِ لَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُ ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُ ذَلِكَ . وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ - إِذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ - أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ إِلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَأَخْطَأُوا مَنْهَجَهُ ، وَتَرَكُوا نِصْفَ السَّبِيلِ وَهُدَى الدِّينِ ، حَيْرَةً مِنْهُمْ ، وَعَمًى عَنْهُ . [6/584]
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الضَّلَالِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ .