تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "

ج 6
ص 489

الآية المفسَّرة

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 489

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 65 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ " يَا أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " لِمَ تُحَاجُّونَ " لِمَ تُجَادِلُونَ " فِي إِبْرَاهِيمَ " وَتُخَاصِمُونَ فِيهِ ، يَعْنِي : فِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
وَكَانَ حِجَاجُهُمْ فِيهِ : ادِّعَاءَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ أَنَّهُ كَانَ [6/490]مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدِينُ دِينَ أَهْلِ نِحْلَتِهِ . فَعَابَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِادِّعَائِهِمْ ذَلِكَ ، وَدَلَّ عَلَى مُنَاقَضَتِهِمْ وَدَعْوَاهُمْ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مِلَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ ، وَدِينُكُمْ إِمَّا يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ ، وَالْيَهُودِيُّ مِنْكُمْ يَزْعُمُ أَنَّ دِينَهُ إِقَامَةُ التَّوْرَاةِ وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهَا ، وَالنَّصْرَانِيُّ مِنْكُمْ يَزْعُمُ أَنَّ دِينَهُ إِقَامَةُ الْإِنْجِيلِ وَمَا فِيهِ ، وَهَذَانَ كِتَابَانِ لَمْ يَنْزِلَا إِلَّا بَعْدَ حِينٍ مِنْ مَهْلِكِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَوَفَاتِهِ ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْكُمْ ؟ فَمَا وَجْهُ اخْتِصَامِكُمْ فِيهِ ، وَادِّعَاؤُكُمْ أَنَّهُ مِنْكُمْ ، وَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ ؟
وَقِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِصَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَادِّعَاءِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7202 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اجْتَمَعَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُنَازِعُوا عِنْدَهُ ، فَقَالَتِ الْأَحْبَارُ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)إِلَّا يَهُودِيًّا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)إِلَّا نَصْرَانِيًّا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ " قَالَتِ النَّصَارَى : كَانَ نَصْرَانِيًّا ! وَقَالَتِ الْيَهُودُ : كَانَ يَهُودِيًّا ! فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مَا أُنْزِلَا إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ، وَبَعْدَهُ كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ . [6/491]
7203 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ " يَقُولُ : " لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ " وَتَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ، " وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ " فَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ بَعْدَ التَّوْرَاةِ ، وَكَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ الْإِنْجِيلِ ، " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " ؟
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي دَعْوَى الْيَهُودِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)أَنَّهُ مِنْهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7204 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا يَهُودَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى كَلِمَةِ السَّوَاءِ ، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجُّوا فِي إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا . فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَنَفَاهُمْ مِنْهُ فَقَالَ : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ " .
7205 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
7206 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ " قَالَ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، بَرَّأَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْهُمْ ، حِينَ ادَّعَتْ كُلُّ أُمَّةٍ أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَنِيفِيَّةِ .
7207 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . [6/492]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " تَفْقَهُونَ خَطَأَ قِيلِكُمْ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِهِ بِحِينٍ ؟