تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . . . . "

ج 6
ص 465

الآية المفسَّرة

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 465

النص

[6/465]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) ( 56 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا " فَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ يَا عِيسَى ، (نبي)وَخَالَفُوا مِلَّتَكَ ، وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَقَالُوا فِيكَ الْبَاطِلَ ، وَأَضَافُوكَ إِلَى غَيْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُضِيفُوكَ إِلَيْهِ ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْأَدْيَانِ ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِنَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ " يَقُولُ : وَمَا لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَانِعٌ ، وَلَا عَنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ لَهُمْ دَافِعٌ بِقُوَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ ، لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ ذُو الِانْتِقَامِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ يَا عِيسَى (نبي)- يَقُولُ : صَدَّقُوكَ - فَأَقَرُّوا بِنُبُوَّتِكَ وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِي ، وَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثْتُكَ بِهِ ، وَعَمِلُوا بِمَا فَرَضْتُ مِنْ فَرَائِضِي عَلَى لِسَانِكَ ، وَشَرَعْتُ مِنْ شَرَائِعِي ، وَسَنَنْتُ مِنْ سُنَنِي . كَمَا :
7156 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " يَقُولُ : أَدَّوْا فَرَائِضِي .
" فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ " يَقُولُ : فَيُعْطِيهِمْ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ كَامِلًا لَا يُبْخَسُونَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُنْقَصُونَهُ . [6/466]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ حَقًا لَهُ ، أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .
فَنَفَى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَظْلِمَ عِبَادَهُ ، فَيُجَازِي الْمُسِيءَ مِمَّنْ كَفَرَ جَزَاءَ الْمُحْسِنِينَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ، أَوْ يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فَأَطَاعَهُ ، جَزَاءَ الْمُسِيئِينَ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ . فَقَالَ : إِنِّي لَا أُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، فَكَيْفَ أَظْلِمُ خَلْقِي ؟
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ وَعِيدٌ مِنْهُ لِلْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، وَوَعْدٌ مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، لِأَنَّهُ أَعْلَمَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَنَّهُ لَا يَبْخَسُ هَذَا الْمُؤْمِنَ حَقَّهُ ، وَلَا يَظْلِمُ كَرَامَتَهُ فَيَضَعُهَا فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، فَيَكُونُ لَهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا ظَالِمًا .