تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ "

ج 6
ص 441

الآية المفسَّرة

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 441

النص

[6/441]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) ( 50 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تَعْلَمُونَ بِهَا يَقِينًا صِدْقِي فِيمَا أَقُولُ " فَاتَّقُوا اللَّهَ " يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى ، (نبي)فَأَوْفَوْا بِعَهْدِهِ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُ فِيهِ " وَأَطِيعُونِ " فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِي فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ، فَاعْبُدُوهُ ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ ، وَبِإِحْلَالِ بَعْضِ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ ، وَذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ ، وَالْهُدَى الْمَتِينُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، كَمَا : -
7119 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ " تَبَرِّيًا مِنَ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ - يَعْنِي : مَا يَقُولُ فِيهِ النَّصَارَى - وَاحْتِجَاجًا لِرَبِّهِ عَلَيْهِمْ " فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ " أَيْ : هَذَا الَّذِي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ " .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ بِكَسْرِ " أَلِفِ " " إِنَّ " عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ .
وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) ، بِفَتْحِ " أَلِفِ " " إِنَّ " بِتَأْوِيلِ : [6/442]وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ، عَلَى رَدِّ " أَنَّ " عَلَى " الْآيَةِ " وَالْإِبْدَالِ مِنْهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ ، وَذَلِكَ كَسْرُ أَلِفِ " إِنَّ " عَلَى الِابْتِدَاءِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مَنَ الْقَرَأَةِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ . وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فَحُجَّةٌ ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُنْفَرِدُ عَنْهَا فَرَأْيٌ . وَلَا يَعْتَرِضُ بِالرَّأْيِ عَلَى الْحُجَّةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا خَبَرًا ، فَفِيهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْوَفْدِ الَّذِينَ حَاجُّوهُ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، بِإِخْبَارِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ أَنَّ عِيسَى (نبي)كَانَ بَرِيئًا مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، مِنْ أَنَّهُ لِلَّهِ عَبْدٌ كَسَائِرِ عَبِيدِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، إِلَّا مَا كَانَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - خَصَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْحُجَجِ الَّتِي آتَاهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ - كَمَا آتَى سَائِرَ الْمُرْسَلِينَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَعْلَامِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ - وَحُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ .