النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ( 49 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَرَسُولًا " وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ " وَنَجْعَلُهُ " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [6/424]
وَقَوْلُهُ : " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " يَعْنِي : وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُ نَبِيِّي وَبَشِيرِي وَنَذِيرِي وَحُجَّتِي عَلَى صِدْقِي فِي ذَلِكَ : " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " يَعْنِي : بِعَلَّامَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تُحَقِّقُ قَوْلِي ، وَتَصَدُّقُ خَبَرِي أَنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ ، كَمَا : -
7085 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ : يُحَقِّقُ بِهَا نُبُوَّتِي ، أَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ إِلَيْكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " ثُمَّ بَيَّنَ عَنِ الْآيَةِ مَا هِيَ ، فَقَالَ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ " .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، بِأَنْ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ . [6/425]
" وَالطَّيْرُ " جَمْعُ " طَائِرٍ " .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ : ( كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا ) ، عَلَى التَّوْحِيدِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ، عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ، عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِمَا جَمِيعًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَةِ عِيسَى (نبي)أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ . وَاتِّبَاعُ خَطِّ الْمُصْحَفِ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِ ، أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ خِلَافِ الْمُصْحَفِ .
وَكَانَ خَلْقُ عِيسَى (نبي)مَا كَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطَّيْرِ ، كَمَا : -
7086 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ : أَنَّ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمَانٍ مِنَ الْكُتَّابِ ، فَأَخَذَ طِينًا ، ثُمَّ قَالَ : أَجْعَلُ لَكُمْ مِنْ هَذَا الطِّينِ طَائِرًا ؟ قَالُوا : وَتَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ! قَالَ : نَعَمْ ! بِإِذْنِ رَبِّي . ثُمَّ هَيَّأَهُ ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي هَيْئَةِ الطَّائِرِ نَفَخَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : " كُنْ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ " فَخَرَجَ يَطِيرُ بَيْنَ كَفَّيْهِ . فَخَرَجَ الْغِلْمَانُ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ ، [6/426]فَأَفْشَوْهُ فِي النَّاسِ . وَتَرَعْرَعَ ، فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا خَافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ عَلَى حُمَيْرٍ لَهَا ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ هَارِبَةً .
وَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ سَأَلَهُمْ : أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا ؟ فَقِيلَ لَهُ : الْخُفَّاشُ ، كَمَا : -
7087 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَوْلُهُ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ " قَالَ : أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا ؟ قَالُوا : الْخُفَّاشُ ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ . قَالَ فَفَعَلَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : " فَأَنْفُخُ فِيهِ " وَقَدْ قِيلَ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ " ؟
قِيلَ : لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَأَنْفُخُ فِي الطَّيْرِ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ : " فَأَنْفُخُ فِيهَا " . كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا ، كَمَا قَالَ فِي الْمَائِدَةِ ، فَتَنْفُخُ فِيهَا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 110 ] : يُرِيدُ : فَتَنْفُخُ فِي الْهَيْئَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ : " فَأَنْفُخُهَا " بِغَيْرِ " فِي " . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَقُولُ : " رُبَّ لَيْلَةٍ قَدْ بِتُّهَا ، وَبِتُّ فِيهَا " قَالَ الشَّاعِرُ : [6/427]
مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قَامَتْكَ نَائِحَةٌ وَلَا بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أَسْلَابِ
بِمَعْنَى : وَلَا قَامَتْ عَلَيْكَ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
إحْدَى بَنِي عَيِّذِ اللَّهَ اسْتَمَرَّ بِهَا حُلْوُ الْعُصَارَةِ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ
[6/428]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ " وَأَشْفِي . يُقَالُ مِنْهُ : " أَبْرَأَ اللَّهُ الْمَرِيضَ " إِذَا شَفَاهُ مِنْهُ ، " فَهُوَ يُبْرِئُهُ إِبْرَاءً " وَ " بَرَأَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ بُرْءًا " وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا : " بَرِئَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ " لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْأَكْمَهِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، وَيُبْصِرُ بِالنَّهَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، فَهُوَ يَتَكَمَّهُ .
7089 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ كَذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7090 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنْ " الْأَكْمَهَ " الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَغْمُومُ الْعَيْنَيْنِ .
7091 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ " قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ أَعْمَى ، مَضْمُومُ الْعَيْنَيْنِ . [6/429]
7092 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَكْمَهُ ، الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ أَعْمَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْأَعْمَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7093 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " هُوَ الْأَعْمَى .
7094 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَعْمَى .
7095 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَكْمَهُ الْأَعْمَى .
7096 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَعْمَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَشُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7097 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَعْمَشُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ مَعْنَى " الْكَمَهِ " الْعَمَى ، يُقَالُ مِنْهُ : " كَمِهَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ تَكْمَهُ كَمْهًا ، وَأَكْمَهْتُهَا أَنَا " إِذَا أَعْمَيْتُهَا ، كَمَا قَالَ سُوِيدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ : [6/430]
كَمَهْتُ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضَّتَا فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نَزَعْ
وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ :
هَرَجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الْأَكْمَهِ فِي غَائِلَاتِ الْحَائِرِ الْمُتَهْتِهِ
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، احْتِجَاجًا مِنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَرِ وَالْآيَاتِ عَلَيْهِمْ فِي نُبُوَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ : الْكَمَهَ وَالْبَرَصَ لَا عِلَاجَ لَهُمَا ، فَيَقْدِرَ عَلَى إِبْرَائِهِ ذُو طِبٍّ بِعِلَاجٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّتِهِ عَلَى صِدْقِ قِيلِهِ : إِنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا دَلَالَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ .
فَأَمَّا مَا قَالَ عِكْرِمَةُ مِنْ أَنَّ " الْكَمَهَ " الْعَمَشُ ، وَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ : مِنْ أَنَّهُ [6/431]سُوءُ الْبَصَرِ بِاللَّيْلِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُمَا . لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَجُّ عَلَى خَلْقِهِ بِحُجَّةٍ تَكَوُنُ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيهَا ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ عِيسَى (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي نُبُوَّتِهِ ، أَنَّهُ يُبْرِئُ الْأَعْمَشَ ، أَوِ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، لَقَدَرُوا عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِأَنْ يَقُولُوا : " وَمَا فِي هَذَا لَكَ مِنَ الْحُجَّةِ ، وَفِينَا خَلْقٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ ذَلِكَ ، وَلَيْسُوا لِلَّهِ أَنْبِيَاءَ وَلَا رُسُلًا "
فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ " الْأَكْمَهَ " هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . وَهُوَ بِمَا قَالَ قَتَادَةُ : - مِنْ أَنَّهُ الْمَوْلُودُ كَذَلِكَ - أَشْبَهُ ، لِأَنَّ عِلَاجَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ الَّذِي أَعْطَى عِيسَى ، (نبي)وَكَذَلِكَ عِلَاجُ الْأَبْرَصِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ إِحْيَاءُ عِيسَى (نبي)الْمَوْتَى بِدُعَاءِ اللَّهِ ، يَدْعُو لَهُمْ ، فَيَسْتَجِيبُ لَهُ ، كَمَا : -
7098 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُغَفَّلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : لَمَّا صَارَ عِيسَى (نبي)ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ بِأَرْضِ مِصْرَ ، (مكان)وَكَانَتْ هَرَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا حِينَ وَلَدَتْهُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ (مكان): أَنِ اطْلَعِي بِهِ إِلَى الشَّامِ (مكان). فَفَعَلَتِ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ . فَلَمْ تَزَلْ بِالشَّامِ (مكان)حَتَّى كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَالَ : وَزَعَمَ وَهْبٌ أَنَّهُ رُبَّمَا اجْتَمَعَ عَلَى عِيسَى (نبي)مِنَ الْمَرْضَى [6/432]فِي الْجَمَاعَةِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ أَلْفًا ، مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ مِنْهُمْ ذَلِكَ أَتَاهُ عِيسَى (نبي)يَمْشِي إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأُخْبِرُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ ، مِمَّا لَمْ أُعَايِنُهُ وَأُشَاهِدُهُ مَعَكُمْ فِي وَقْتِ أَكْلِكُمُوهُ " وَمَا تَدَّخِرُونَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمَا تَرْفَعُونَهُ فَتَخْبَأُونَهُ وَلَا تَأْكُلُونَهُ .
يُعْلِمُهُمْ أَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا عَلَى نُبُوَّتِهِ مَعَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ : مِنْ خَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، الَّتِي لَا يُطِيقُهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ ، وَآيَةً لَهُ عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ ، مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ إِنْبَاءَهُ الْغَيْبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ الَّذِينَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلُهُ ، عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ : " وَأُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " مِنَ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى صِدْقِهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْمُتَنَجِّمَةَ وَالْمُتَكَهِّنَةَ تُخْبِرُ بِذَلِكَ كَثِيرًا فَتُصِيبُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْمُتَنَجِّمَ وَالْمُتَكَهِّنَ مَعْلُومٌ مِنْهُمَا عِنْدَ مَنْ يُخْبِرَانِهِ بِذَلِكَ ، أَنَّهُمَا يُنَبِّئَانِ بِهِ عَنِ اسْتِخْرَاجٍ لَهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى عِلْمِهِ . وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمِنْ سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عِيسَى (نبي)يُخْبِرُ بِهِ عَنْ غَيْرِ اسْتِخْرَاجٍ ، وَلَا طَلَبٍ لِمَعْرِفَتِهِ بِاحْتِيَالٍ ، وَلَكِنِ ابْتِدَاءً بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ ، [6/433]مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذَلِكَ احْتَذَاهُ ، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ ، أَوْ فَزِعَ إِلَيْهِ ، كَمَا يَفْزَعُ الْمُتَنَجِّمُ إِلَى حِسَابِهِ ، وَالْمُتَكَهِّنُ إِلَى رَئِيِّهِ . فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْغُيُوبِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهَا ، وَبَيْنَ عِلْمِ سَائِرِ الْمُتَكَذِّبَةِ عَلَى اللَّهِ ، أَوِ الْمُدَّعِيَةِ عِلْمَ ذَلِكَ ، كَمَا : -
7099 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ عِيسَى (نبي)تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَدْخَلَتْهُ أُمُّهُ الْكُتَّابَ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ . فَكَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْمَكْتَبِيِّينَ يُعَلِّمُهُ كَمَا يُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُهُ شَيْئًا مِمَّا يُعَلِّمُهُ الْغِلْمَانَ إِلَّا بَدَرَهُ إِلَى عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِيَّاهُ ، فَيَقُولُ : أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ هَذِهِ الْأَرْمَلَةِ ، مَا أَذْهَبْ أُعَلِّمْهُ شَيْئًا إِلَّا وَجَدْتُهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي ! !
7100 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا كَبُرَ عِيسَى (نبي)أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ ، فَكَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ غِلْمَانِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا ، فَيُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ .
7101 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)إِذْ كَانَ فِي الْكُتَّابِ ، يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَا يَدَّخِرُونَ .
7102 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ : إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)كَانَ يَقُولُ لِلْغُلَامِ فِي الْكُتَّابِ : [6/434]" يَا فُلَانُ ، إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ خَبَّأُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّعَامِ ، فَتُطْعِمُنِي مِنْهُ " ؟
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَكَذَا فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُجَجُهَا ، إِنَّمَا تَأْتِي بِمَا أَتَتْ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ بِمَا قَدْ يُوصَلُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْحِيَلِ ، عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَيْرُهَا ، بَلْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَلْقُ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِحِيلَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7103 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : بِمَا أَكَلْتُمُ الْبَارِحَةَ ، وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)يَقُولُهُ .
7104 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7105 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - يَعْنِي قَوْلَهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " - قَالَ : الطَّعَامُ وَالشَّيْءُ يَدَّخِرُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ ، غَيْبًا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ .
7106 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : " مَا تَأْكُلُونَ " مَا أَكَلْتُمُ الْبَارِحَةَ مِنْ طَعَامٍ ، وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ .
7107 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ - يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)- يُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْكُتَّابِ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ ، وَبِمَا يَرْفَعُونَ لَهُمْ ، وَبِمَا يَأْكُلُونَ . وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ : [6/435]" انْطَلِقْ ، فَقَدْ رَفَعَ لَكَ أَهْلُكَ كَذَا وَكَذَا ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ كَذَا وَكَذَا " فَيَنْطَلِقُ الصَّبِيُّ فَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يُعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ . فَيَقُولُونَ لَهُ : مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا ؟ فَيَقُولُ : عِيسَى (نبي)! فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَأُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " فَحَبَسُوا صِبْيَانَهُمْ عَنْهُ ، وَقَالُوا : لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِرِ ! فَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْتٍ ، فَجَاءَ عِيسَى (نبي)يَطْلُبُهُمْ ، فَقَالُوا : لَيْسَ هُمْ هَاهُنَا ، فَقَالَ : مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ؟ فَقَالُوا : خَنَازِيرُ . قَالَ عِيسَى (نبي): كَذَلِكَ يَكُونُونَ ! فَفَتَحُوا عَنْهُمْ ، فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 78 ] .
7108 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : مَا تَخْبَأُونَ مَخَافَةَ الَّذِي يُمْسِكُ أَنْ يُخَلِّفَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " مَا تَأْكُلُونَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْكُمْ ، وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7109 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " فَكَانَ الْقَوْمُ لِمَا سَأَلُوا الْمَائِدَةَ فَكَانَتْ خِوَانًا يَنْزِلُ عَلَيْهِ أَيْنَمَا كَانُوا ثَمَرًا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ، فَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ [6/436]لَا يَخُونُوا فِيهِ وَلَا يَخْبَأُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ ، بَلَاءٌ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ . فَكَانُوا إِذَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَنْبَأَهُمْ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)فَقَالَ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " .
7110 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ " قَالَ : أُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ مِنَ الْمَائِدَةِ وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا . قَالَ : فَكَانَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَةِ حِيَنَ نَزَلَتْ : أَنْ يَأْكُلُوا وَلَا يَدَّخِرُوا ، فَادَّخَرُوا وَخَانُوا ، فَجُعِلُوا خَنَازِيرَ حِينَ ادَّخَرُوا وَخَانُوا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 115 ] .
قَالَ ابْنُ يَحْيَى قَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، ذَلِكَ .
وَأَصْلُ " يَدَّخِرُونَ " مِنَ " الْفِعْلِ " " يَفْتَعِلُونَ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " ذَخَرْتُ الشَّيْءَ " بِالذَّالِ ، " فَأَنَا أَذْخَرُهُ " . ثُمَّ قِيلَ : " يَدَّخِرُ " كَمَا قِيلَ : " يدَّكِرُ " مِنْ : " ذَكَرْتُ الشَّيْءَ " يُرَادُ بِهِ " يَذْتَخِرُ " . فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ " الذَّالُ " وَ " التَّاءُ " وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَخْرَجِ ، ثَقُلَ إِظْهَارُهُمَا عَلَى اللِّسَانِ ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، وَصُيِّرَتَا " دَالًا " مُشَدَّدَةً ، صَيَّرُوهَا عَدْلًا بَيْنَ " الذَّالِ " وَ " التَّاءِ " . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُغَلِّبُ " الذَّالَ " عَلَى " التَّاءِ " فَيُدْغِمُ " التَّاءَ " فِي " الذَّالِ " فَيَقُولُ : وَمَا تَذَّخِرُونَ " " وَهُوَ مُذَّخَرٌ لَكَ " " وَهُوَ مُذَّكِّرٌ " .
وَاللُّغَةُ الَّتِي بِهَا الْقِرَاءَةُ ، الْأَوْلَى ، وَذَلِكَ إِدْغَامُ " الذَّالِ " فِي " التَّاءِ " وَإِبْدَالُهُمَا [6/437]" دَالًا " مُشَدَّدَةً . لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا ، لِتُظَاهُرِ النَّقْلِ مِنَ الْقَرَأَةِ بِهَا ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْجُودَى ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ :
إِنَّ الْكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائِلَهُ عَفْوًا ، وَيَظْلِمُ أَحْيَانًا فَيُظَّلَمُ
يُرْوَى " بِالظَّاءِ " يُرِيدُ : " فَيُفْتَعَلُ " مِنَ " الظُّلْمِ " وَيُرْوَى " بِالطَّاءِ " أَيْضًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ فِي خَلْقِي مِنَ الطِّينِ الطَّيْرَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَفِي إِبْرَائِي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَإِحْيَائِي الْمَوْتَى ، وَإِنْبَائِي إِيَّاكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ، ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَتَنْجِيمٍ ، وَلَا كِهَانَةٍ وَعِرَافَةٍ لَعِبْرَةً لَكُمْ وَمُتَفَكَّرًا ، تَتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ فَتَعْتَبِرُونَ بِهِ أَنِّي مُحِقٌّ فِي قَوْلِي لَكُمْ : " إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ " وَتَعْلَمُونَ بِهِ أَنِّي فِيمَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ صَادِقٌ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ ، مُقِرِّينَ بِتَوْحِيدِهِ ، وَبِنَبِيِّهِ مُوسَى (نبي)وَالتَّوْرَاةِ الَّتِي جَاءَكُمْ بِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَرَسُولًا " وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ " وَنَجْعَلُهُ " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [6/424]
وَقَوْلُهُ : " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " يَعْنِي : وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُ نَبِيِّي وَبَشِيرِي وَنَذِيرِي وَحُجَّتِي عَلَى صِدْقِي فِي ذَلِكَ : " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " يَعْنِي : بِعَلَّامَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تُحَقِّقُ قَوْلِي ، وَتَصَدُّقُ خَبَرِي أَنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ ، كَمَا : -
7085 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ : يُحَقِّقُ بِهَا نُبُوَّتِي ، أَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ إِلَيْكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " ثُمَّ بَيَّنَ عَنِ الْآيَةِ مَا هِيَ ، فَقَالَ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ " .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، بِأَنْ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ . [6/425]
" وَالطَّيْرُ " جَمْعُ " طَائِرٍ " .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ : ( كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا ) ، عَلَى التَّوْحِيدِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ، عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ، عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِمَا جَمِيعًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَةِ عِيسَى (نبي)أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ . وَاتِّبَاعُ خَطِّ الْمُصْحَفِ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِ ، أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ خِلَافِ الْمُصْحَفِ .
وَكَانَ خَلْقُ عِيسَى (نبي)مَا كَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطَّيْرِ ، كَمَا : -
7086 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ : أَنَّ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمَانٍ مِنَ الْكُتَّابِ ، فَأَخَذَ طِينًا ، ثُمَّ قَالَ : أَجْعَلُ لَكُمْ مِنْ هَذَا الطِّينِ طَائِرًا ؟ قَالُوا : وَتَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ! قَالَ : نَعَمْ ! بِإِذْنِ رَبِّي . ثُمَّ هَيَّأَهُ ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي هَيْئَةِ الطَّائِرِ نَفَخَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : " كُنْ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ " فَخَرَجَ يَطِيرُ بَيْنَ كَفَّيْهِ . فَخَرَجَ الْغِلْمَانُ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ ، [6/426]فَأَفْشَوْهُ فِي النَّاسِ . وَتَرَعْرَعَ ، فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا خَافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ عَلَى حُمَيْرٍ لَهَا ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ هَارِبَةً .
وَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ سَأَلَهُمْ : أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا ؟ فَقِيلَ لَهُ : الْخُفَّاشُ ، كَمَا : -
7087 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَوْلُهُ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ " قَالَ : أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا ؟ قَالُوا : الْخُفَّاشُ ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ . قَالَ فَفَعَلَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : " فَأَنْفُخُ فِيهِ " وَقَدْ قِيلَ : " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ " ؟
قِيلَ : لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَأَنْفُخُ فِي الطَّيْرِ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ : " فَأَنْفُخُ فِيهَا " . كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا ، كَمَا قَالَ فِي الْمَائِدَةِ ، فَتَنْفُخُ فِيهَا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 110 ] : يُرِيدُ : فَتَنْفُخُ فِي الْهَيْئَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ : " فَأَنْفُخُهَا " بِغَيْرِ " فِي " . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَقُولُ : " رُبَّ لَيْلَةٍ قَدْ بِتُّهَا ، وَبِتُّ فِيهَا " قَالَ الشَّاعِرُ : [6/427]
مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قَامَتْكَ نَائِحَةٌ وَلَا بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أَسْلَابِ
بِمَعْنَى : وَلَا قَامَتْ عَلَيْكَ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
إحْدَى بَنِي عَيِّذِ اللَّهَ اسْتَمَرَّ بِهَا حُلْوُ الْعُصَارَةِ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ
[6/428]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ " وَأَشْفِي . يُقَالُ مِنْهُ : " أَبْرَأَ اللَّهُ الْمَرِيضَ " إِذَا شَفَاهُ مِنْهُ ، " فَهُوَ يُبْرِئُهُ إِبْرَاءً " وَ " بَرَأَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ بُرْءًا " وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا : " بَرِئَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ " لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْأَكْمَهِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، وَيُبْصِرُ بِالنَّهَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، فَهُوَ يَتَكَمَّهُ .
7089 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ كَذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7090 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنْ " الْأَكْمَهَ " الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَغْمُومُ الْعَيْنَيْنِ .
7091 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ " قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ أَعْمَى ، مَضْمُومُ الْعَيْنَيْنِ . [6/429]
7092 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَكْمَهُ ، الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ أَعْمَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْأَعْمَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7093 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " هُوَ الْأَعْمَى .
7094 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَعْمَى .
7095 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَكْمَهُ الْأَعْمَى .
7096 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَعْمَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَشُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7097 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ " قَالَ : الْأَعْمَشُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ مَعْنَى " الْكَمَهِ " الْعَمَى ، يُقَالُ مِنْهُ : " كَمِهَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ تَكْمَهُ كَمْهًا ، وَأَكْمَهْتُهَا أَنَا " إِذَا أَعْمَيْتُهَا ، كَمَا قَالَ سُوِيدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ : [6/430]
كَمَهْتُ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضَّتَا فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نَزَعْ
وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ :
هَرَجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الْأَكْمَهِ فِي غَائِلَاتِ الْحَائِرِ الْمُتَهْتِهِ
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، احْتِجَاجًا مِنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَرِ وَالْآيَاتِ عَلَيْهِمْ فِي نُبُوَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ : الْكَمَهَ وَالْبَرَصَ لَا عِلَاجَ لَهُمَا ، فَيَقْدِرَ عَلَى إِبْرَائِهِ ذُو طِبٍّ بِعِلَاجٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّتِهِ عَلَى صِدْقِ قِيلِهِ : إِنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا دَلَالَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ .
فَأَمَّا مَا قَالَ عِكْرِمَةُ مِنْ أَنَّ " الْكَمَهَ " الْعَمَشُ ، وَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ : مِنْ أَنَّهُ [6/431]سُوءُ الْبَصَرِ بِاللَّيْلِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُمَا . لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَجُّ عَلَى خَلْقِهِ بِحُجَّةٍ تَكَوُنُ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيهَا ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ عِيسَى (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي نُبُوَّتِهِ ، أَنَّهُ يُبْرِئُ الْأَعْمَشَ ، أَوِ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، لَقَدَرُوا عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِأَنْ يَقُولُوا : " وَمَا فِي هَذَا لَكَ مِنَ الْحُجَّةِ ، وَفِينَا خَلْقٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ ذَلِكَ ، وَلَيْسُوا لِلَّهِ أَنْبِيَاءَ وَلَا رُسُلًا "
فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ " الْأَكْمَهَ " هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . وَهُوَ بِمَا قَالَ قَتَادَةُ : - مِنْ أَنَّهُ الْمَوْلُودُ كَذَلِكَ - أَشْبَهُ ، لِأَنَّ عِلَاجَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ الَّذِي أَعْطَى عِيسَى ، (نبي)وَكَذَلِكَ عِلَاجُ الْأَبْرَصِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ إِحْيَاءُ عِيسَى (نبي)الْمَوْتَى بِدُعَاءِ اللَّهِ ، يَدْعُو لَهُمْ ، فَيَسْتَجِيبُ لَهُ ، كَمَا : -
7098 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُغَفَّلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : لَمَّا صَارَ عِيسَى (نبي)ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ بِأَرْضِ مِصْرَ ، (مكان)وَكَانَتْ هَرَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا حِينَ وَلَدَتْهُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ (مكان): أَنِ اطْلَعِي بِهِ إِلَى الشَّامِ (مكان). فَفَعَلَتِ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ . فَلَمْ تَزَلْ بِالشَّامِ (مكان)حَتَّى كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَالَ : وَزَعَمَ وَهْبٌ أَنَّهُ رُبَّمَا اجْتَمَعَ عَلَى عِيسَى (نبي)مِنَ الْمَرْضَى [6/432]فِي الْجَمَاعَةِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ أَلْفًا ، مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ مِنْهُمْ ذَلِكَ أَتَاهُ عِيسَى (نبي)يَمْشِي إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأُخْبِرُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ ، مِمَّا لَمْ أُعَايِنُهُ وَأُشَاهِدُهُ مَعَكُمْ فِي وَقْتِ أَكْلِكُمُوهُ " وَمَا تَدَّخِرُونَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمَا تَرْفَعُونَهُ فَتَخْبَأُونَهُ وَلَا تَأْكُلُونَهُ .
يُعْلِمُهُمْ أَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا عَلَى نُبُوَّتِهِ مَعَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ : مِنْ خَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، الَّتِي لَا يُطِيقُهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ ، وَآيَةً لَهُ عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ ، مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ إِنْبَاءَهُ الْغَيْبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ الَّذِينَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلُهُ ، عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ : " وَأُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " مِنَ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى صِدْقِهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْمُتَنَجِّمَةَ وَالْمُتَكَهِّنَةَ تُخْبِرُ بِذَلِكَ كَثِيرًا فَتُصِيبُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْمُتَنَجِّمَ وَالْمُتَكَهِّنَ مَعْلُومٌ مِنْهُمَا عِنْدَ مَنْ يُخْبِرَانِهِ بِذَلِكَ ، أَنَّهُمَا يُنَبِّئَانِ بِهِ عَنِ اسْتِخْرَاجٍ لَهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى عِلْمِهِ . وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ عِيسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمِنْ سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عِيسَى (نبي)يُخْبِرُ بِهِ عَنْ غَيْرِ اسْتِخْرَاجٍ ، وَلَا طَلَبٍ لِمَعْرِفَتِهِ بِاحْتِيَالٍ ، وَلَكِنِ ابْتِدَاءً بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ ، [6/433]مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذَلِكَ احْتَذَاهُ ، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ ، أَوْ فَزِعَ إِلَيْهِ ، كَمَا يَفْزَعُ الْمُتَنَجِّمُ إِلَى حِسَابِهِ ، وَالْمُتَكَهِّنُ إِلَى رَئِيِّهِ . فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْغُيُوبِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهَا ، وَبَيْنَ عِلْمِ سَائِرِ الْمُتَكَذِّبَةِ عَلَى اللَّهِ ، أَوِ الْمُدَّعِيَةِ عِلْمَ ذَلِكَ ، كَمَا : -
7099 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ عِيسَى (نبي)تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَدْخَلَتْهُ أُمُّهُ الْكُتَّابَ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ . فَكَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْمَكْتَبِيِّينَ يُعَلِّمُهُ كَمَا يُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُهُ شَيْئًا مِمَّا يُعَلِّمُهُ الْغِلْمَانَ إِلَّا بَدَرَهُ إِلَى عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِيَّاهُ ، فَيَقُولُ : أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ هَذِهِ الْأَرْمَلَةِ ، مَا أَذْهَبْ أُعَلِّمْهُ شَيْئًا إِلَّا وَجَدْتُهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي ! !
7100 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا كَبُرَ عِيسَى (نبي)أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ ، فَكَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ غِلْمَانِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا ، فَيُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ .
7101 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)إِذْ كَانَ فِي الْكُتَّابِ ، يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَا يَدَّخِرُونَ .
7102 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ : إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)كَانَ يَقُولُ لِلْغُلَامِ فِي الْكُتَّابِ : [6/434]" يَا فُلَانُ ، إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ خَبَّأُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّعَامِ ، فَتُطْعِمُنِي مِنْهُ " ؟
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَكَذَا فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُجَجُهَا ، إِنَّمَا تَأْتِي بِمَا أَتَتْ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ بِمَا قَدْ يُوصَلُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْحِيَلِ ، عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَيْرُهَا ، بَلْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَلْقُ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِحِيلَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7103 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : بِمَا أَكَلْتُمُ الْبَارِحَةَ ، وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)يَقُولُهُ .
7104 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7105 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - يَعْنِي قَوْلَهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " - قَالَ : الطَّعَامُ وَالشَّيْءُ يَدَّخِرُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ ، غَيْبًا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ .
7106 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : " مَا تَأْكُلُونَ " مَا أَكَلْتُمُ الْبَارِحَةَ مِنْ طَعَامٍ ، وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ .
7107 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ - يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)- يُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْكُتَّابِ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ ، وَبِمَا يَرْفَعُونَ لَهُمْ ، وَبِمَا يَأْكُلُونَ . وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ : [6/435]" انْطَلِقْ ، فَقَدْ رَفَعَ لَكَ أَهْلُكَ كَذَا وَكَذَا ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ كَذَا وَكَذَا " فَيَنْطَلِقُ الصَّبِيُّ فَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يُعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ . فَيَقُولُونَ لَهُ : مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا ؟ فَيَقُولُ : عِيسَى (نبي)! فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَأُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " فَحَبَسُوا صِبْيَانَهُمْ عَنْهُ ، وَقَالُوا : لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِرِ ! فَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْتٍ ، فَجَاءَ عِيسَى (نبي)يَطْلُبُهُمْ ، فَقَالُوا : لَيْسَ هُمْ هَاهُنَا ، فَقَالَ : مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ؟ فَقَالُوا : خَنَازِيرُ . قَالَ عِيسَى (نبي): كَذَلِكَ يَكُونُونَ ! فَفَتَحُوا عَنْهُمْ ، فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 78 ] .
7108 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " قَالَ : مَا تَخْبَأُونَ مَخَافَةَ الَّذِي يُمْسِكُ أَنْ يُخَلِّفَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " مَا تَأْكُلُونَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْكُمْ ، وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7109 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " فَكَانَ الْقَوْمُ لِمَا سَأَلُوا الْمَائِدَةَ فَكَانَتْ خِوَانًا يَنْزِلُ عَلَيْهِ أَيْنَمَا كَانُوا ثَمَرًا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ، فَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ [6/436]لَا يَخُونُوا فِيهِ وَلَا يَخْبَأُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ ، بَلَاءٌ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ . فَكَانُوا إِذَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَنْبَأَهُمْ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، (نبي)فَقَالَ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ " .
7110 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ " قَالَ : أُنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ مِنَ الْمَائِدَةِ وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا . قَالَ : فَكَانَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَةِ حِيَنَ نَزَلَتْ : أَنْ يَأْكُلُوا وَلَا يَدَّخِرُوا ، فَادَّخَرُوا وَخَانُوا ، فَجُعِلُوا خَنَازِيرَ حِينَ ادَّخَرُوا وَخَانُوا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 115 ] .
قَالَ ابْنُ يَحْيَى قَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، ذَلِكَ .
وَأَصْلُ " يَدَّخِرُونَ " مِنَ " الْفِعْلِ " " يَفْتَعِلُونَ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " ذَخَرْتُ الشَّيْءَ " بِالذَّالِ ، " فَأَنَا أَذْخَرُهُ " . ثُمَّ قِيلَ : " يَدَّخِرُ " كَمَا قِيلَ : " يدَّكِرُ " مِنْ : " ذَكَرْتُ الشَّيْءَ " يُرَادُ بِهِ " يَذْتَخِرُ " . فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ " الذَّالُ " وَ " التَّاءُ " وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَخْرَجِ ، ثَقُلَ إِظْهَارُهُمَا عَلَى اللِّسَانِ ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، وَصُيِّرَتَا " دَالًا " مُشَدَّدَةً ، صَيَّرُوهَا عَدْلًا بَيْنَ " الذَّالِ " وَ " التَّاءِ " . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُغَلِّبُ " الذَّالَ " عَلَى " التَّاءِ " فَيُدْغِمُ " التَّاءَ " فِي " الذَّالِ " فَيَقُولُ : وَمَا تَذَّخِرُونَ " " وَهُوَ مُذَّخَرٌ لَكَ " " وَهُوَ مُذَّكِّرٌ " .
وَاللُّغَةُ الَّتِي بِهَا الْقِرَاءَةُ ، الْأَوْلَى ، وَذَلِكَ إِدْغَامُ " الذَّالِ " فِي " التَّاءِ " وَإِبْدَالُهُمَا [6/437]" دَالًا " مُشَدَّدَةً . لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا ، لِتُظَاهُرِ النَّقْلِ مِنَ الْقَرَأَةِ بِهَا ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْجُودَى ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ :
إِنَّ الْكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائِلَهُ عَفْوًا ، وَيَظْلِمُ أَحْيَانًا فَيُظَّلَمُ
يُرْوَى " بِالظَّاءِ " يُرِيدُ : " فَيُفْتَعَلُ " مِنَ " الظُّلْمِ " وَيُرْوَى " بِالطَّاءِ " أَيْضًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ فِي خَلْقِي مِنَ الطِّينِ الطَّيْرَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَفِي إِبْرَائِي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَإِحْيَائِي الْمَوْتَى ، وَإِنْبَائِي إِيَّاكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ، ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَتَنْجِيمٍ ، وَلَا كِهَانَةٍ وَعِرَافَةٍ لَعِبْرَةً لَكُمْ وَمُتَفَكَّرًا ، تَتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ فَتَعْتَبِرُونَ بِهِ أَنِّي مُحِقٌّ فِي قَوْلِي لَكُمْ : " إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ " وَتَعْلَمُونَ بِهِ أَنِّي فِيمَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ صَادِقٌ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ ، مُقِرِّينَ بِتَوْحِيدِهِ ، وَبِنَبِيِّهِ مُوسَى (نبي)وَالتَّوْرَاةِ الَّتِي جَاءَكُمْ بِهَا .