تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ "

ج 6
ص 407

الآية المفسَّرة

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 407

النص

[6/407]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ( 44 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ " وَمَا كُنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عِنْدَهُمْ فَتَعْلَمُ مَا نُعَلِّمُكَهُ مِنْ أَخْبَارِهِمُ الَّتِي لَمْ تَشْهَدْهَا ، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا تَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُدْرِكَ مَعْرِفَتَهُ ، بِتَعْرِيفِنَاكَهُ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لَدَيْهِمْ " عِنْدَهُمْ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " إِذْ يُلْقُونَ " ، حِينَ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ .
وَأَمَّا " أَقْلَامُهُمْ " فَسِهَامُهُمُ الَّتِي اسْتَهَمْ بِهَا الْمُسْتَهِمُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِي قَوْلِهِ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7052 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ " يَعْنِي مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
7053 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، [6/408]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ زَكَرِيَّا (نبي)وَأَصْحَابُهُ ، اسْتَهَمُّوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ .
7054 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7055 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ " كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ إِمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ ، فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، فقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا ، (نبي)وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا ، " فَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " يَقُولُ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ .
7056 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ " قَالَ : تَسَاهَمُوا عَلَى مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا (نبي).
7057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ " وَإِنَّ مَرْيَمَ لَمَّا وُضِعَتْ فِي الْمَسْجِدِ ، اقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْمُصَلَّى وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ " .
7058 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٍ [6/409]قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ " اقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا (نبي).
7059 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ " قَالَ : حَيْثُ اقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَمَ ، وَكَانَ غَيْبًا عَنْ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ اللَّهُ .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ " لِأَنَّ إِلْقَاءَ الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامَهُمْ عَلَى مَرْيَمَ ، إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقُّ . فَفِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ " دَلَالَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مِنَ الْكَلَامِ ، وَهُوَ : " لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ ، وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ " .
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي " أَيِّهِمْ " النَّصْبُ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً . وَذَلِكَ أَنَّ " النَّظَرَ " وَ " التَّبَيُّنَ " وَ " الْعِلْمَ " مَعَ " أَيِّ " يَقْتَضِي اسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا ، وَحَظُّ " أَيٍّ " فِي الِاسْتِخْبَارِ ، الِابْتِدَاءُ وَبُطُولُ عَمَلِ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِخْبَارِ عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : " لَأَنْظُرَنَّ أَيُّهُمْ قَامَ " لْأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاسَ : أَيُّهُمْ قَامَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : " لَأَعْلَمَنَّ " .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى " يَكْفُلُ " يَضُمُّ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
[6/410]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا كُنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عِنْدَ قَوْمِ مَرْيَمَ ، إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَأَوْلَى .
وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَتَوْبِيخٌ مِنْهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ . يَقُولُ : كَيْفَ يَشُكُّ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ مِنْهُمْ وَأَنْتَ تُنَبِّئُهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاءَ وَلَمْ تَشْهَدْهَا ، وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْمَ فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُورَ ، وَلَسْتَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ فَعَلِمَ نَبَأَهُمْ ، وَلَا جَالَسَ أَهْلَهَا فَسَمِعَ خبَرَهُمْ ؟
كَمَا : -
7060 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ " أَيْ مَا كُنْتَ مَعَهُمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا . يُخْبِرُهُ بِخَفِيِّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنَ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ ، لِتَحْقِيقِ نَبُّوَتِهِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمَّا أَخْفَوْا مِنْهُ .