النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ - خَبَرًا عَنْ قِيلِ مَلَائِكَتِهِ لِمَرْيَمَ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " أَخْلِصِي الطَّاعَةَ لِرَبِّكِ وَحْدَهُ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى " الْقُنُوتِ " ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هُنَالِكَ . وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى " اقْنُتِي " أَطِيلِي الرُّكُودَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/402]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ ، يَعْنِي الْقُنُوتَ .
7039 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7040 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ قَالَ مُجَاهِدٌ : أَطِيلِي الرُّكُودَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي الْقُنُوتَ .
7041 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَامَتْ حَتَّى وَرِمَ كَعْبَاهَا .
7042 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا .
7043 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ .
7044 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : الْقُنُوتُ : الرُّكُودُ . يَقُولُ : قُومِي لِرَبِّكِ فِي الصَّلَاةِ . يَقُولُ : ارْكُدِي لِرَبِّكِ : أَيِ انْتَصِبِي لَهُ فِي الصَّلَاةِ " وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " .
7045 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : كَانَتْ تُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهَا . [6/403]
7046 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : كَانَتْ تَقُومُ حَتَّى يَسِيلَ الْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7047 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَطِيعِي رَبَّكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7048 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيعِي رَبَّكِ .
7049 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " أَطِيعِي رَبَّكِ .
7050 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ حَرْفٍ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ .
7051 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ يَقُولُ : اعْبُدِي رَبَّكِ . [6/404]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا مَعْنَى " الرُّكُوعِ " " وَالسُّجُودِ " بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْخُشُوعِ لِلَّهِ ، وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودَةِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ ، إذًا : يَا مَرْيَمُ أَخْلَصِي عِبَادَةَ رَبِّكِ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَاخْشَعِي لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ مَعَ مَنْ خَشَعَ لَهُ مَنْ خَلْقِهِ ، شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَمَكِ بِهِ مِنْ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ الْأَدْنَاسِ ، وَالتَّفْضِيلِ عَلَى نِسَاءِ عَالَمِ دَهْرِكِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : الْأَخْبَارَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَادَهُ عَنِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ وَابْنَتِهَا مَرْيَمَ ، وَزَكَرِيَّا (نبي)وَابْنِهِ يَحْيَى ، (نبي)وَسَائِرِ مَا قَصَّ فِي الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا " ثُمَّ جَمَعَ جَمِيعَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " ذَلِكَ " فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبَاءُ مِنْ " أَنْبَاءِ الْغَيْبِ " أَيْ : مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ .
وَيَعْنِي بِ " الْغَيْبِ " أَنَّهَا مِنْ خَفِيِّ أَخْبَارِ الْقَوْمِ الَّتِي لَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عَلَيْهَا وَلَا قَوْمُكَ ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانِهِمْ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ ، حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ ، وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ ، وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْرَ مُنْكِرِي رِسَالَتِهِ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِ هَذِهِ الْأَنْبَاءِ مَعَ خَفَائِهَا ، وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْرِفَتَهَا مَعَ خُمُولِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ ذَلِكَ إِيَّاهُ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ فَيَقْرَأُ الْكُتُبَ ، فَيَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ [6/405]قِبَلِ الْكُتُبِ ، وَلَا صَاحَبَ أَهْلَ الْكُتُبِ فَيَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ قِبَلِهِمْ .
وَأَمَّا " الْغَيْبُ " فَمَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " غَابَ فُلَانٌ عَنْ كَذَا فَهُوَ يَغِيبُ عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَةً " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " نُوحِيهِ إِلَيْكَ " فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ : نُنَزِّلُهُ إِلَيْكَ .
وَأَصْلُ " الْإِيحَاءِ " إِلْقَاءُ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ .
وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكِتَابٍ وَإِشَارَةٍ وَإِيمَاءٍ ، وَبِإِلْهَامٍ ، وَبِرِسَالَةٍ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 68 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا ، وَكَمَا قَالَ : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 111 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَيْتُ إِلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ إِلْهَامًا ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ
بِمَعْنَى أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا ، وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 11 ] ، بِمَعْنَى : فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً . وَالْأَصْلُ [6/406]فِيهِ مَا وَصَفْتُ ، مِنْ إِلْقَاءِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً ، وَيَكُونُ بِكِتَابٍ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 121 ] ، يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَةً ، وَقَوْلُهُ : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 19 ] ، أَلْقَى إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَأَمَّا " الْوَحْيُ " فَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَ " وَحْيًا " لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِيمَا كُتِبَ ثَابِتٌ فِيهِ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ :
أَتَى الْعَجَمَ وَالْآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقَيْنَ بَقَاءَ الْوَحْيِ فِي الْحَجَرِ الْأَصَمِّ
يَعْنِي بِهِ : الْكِتَابَ الثَّابِتَ فِي الْحَجَرِ . وَقَدْ يُقَالُ فِي الْكِتَابِ خَاصَّةً ، إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِبُ : " وَحَى " بِغَيْرِ أَلْفٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ :
كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحٍ تَدْهَمُهْ وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إِنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ - خَبَرًا عَنْ قِيلِ مَلَائِكَتِهِ لِمَرْيَمَ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " أَخْلِصِي الطَّاعَةَ لِرَبِّكِ وَحْدَهُ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى " الْقُنُوتِ " ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هُنَالِكَ . وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى " اقْنُتِي " أَطِيلِي الرُّكُودَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/402]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ ، يَعْنِي الْقُنُوتَ .
7039 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
7040 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ قَالَ مُجَاهِدٌ : أَطِيلِي الرُّكُودَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي الْقُنُوتَ .
7041 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَامَتْ حَتَّى وَرِمَ كَعْبَاهَا .
7042 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لَهَا : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا .
7043 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيلِي الرُّكُودَ .
7044 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : الْقُنُوتُ : الرُّكُودُ . يَقُولُ : قُومِي لِرَبِّكِ فِي الصَّلَاةِ . يَقُولُ : ارْكُدِي لِرَبِّكِ : أَيِ انْتَصِبِي لَهُ فِي الصَّلَاةِ " وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " .
7045 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : كَانَتْ تُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهَا . [6/403]
7046 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : كَانَتْ تَقُومُ حَتَّى يَسِيلَ الْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7047 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَخْلِصِي لِرَبِّكِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَطِيعِي رَبَّكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7048 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ : أَطِيعِي رَبَّكِ .
7049 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " اقْنُتِي لِرَبِّكِ " أَطِيعِي رَبَّكِ .
7050 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ حَرْفٍ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ .
7051 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ " قَالَ يَقُولُ : اعْبُدِي رَبَّكِ . [6/404]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا مَعْنَى " الرُّكُوعِ " " وَالسُّجُودِ " بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْخُشُوعِ لِلَّهِ ، وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودَةِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ ، إذًا : يَا مَرْيَمُ أَخْلَصِي عِبَادَةَ رَبِّكِ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَاخْشَعِي لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ مَعَ مَنْ خَشَعَ لَهُ مَنْ خَلْقِهِ ، شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَمَكِ بِهِ مِنْ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ الْأَدْنَاسِ ، وَالتَّفْضِيلِ عَلَى نِسَاءِ عَالَمِ دَهْرِكِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : الْأَخْبَارَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَادَهُ عَنِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ وَابْنَتِهَا مَرْيَمَ ، وَزَكَرِيَّا (نبي)وَابْنِهِ يَحْيَى ، (نبي)وَسَائِرِ مَا قَصَّ فِي الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا " ثُمَّ جَمَعَ جَمِيعَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " ذَلِكَ " فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبَاءُ مِنْ " أَنْبَاءِ الْغَيْبِ " أَيْ : مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ .
وَيَعْنِي بِ " الْغَيْبِ " أَنَّهَا مِنْ خَفِيِّ أَخْبَارِ الْقَوْمِ الَّتِي لَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)عَلَيْهَا وَلَا قَوْمُكَ ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانِهِمْ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ ، حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ ، وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ ، وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْرَ مُنْكِرِي رِسَالَتِهِ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِ هَذِهِ الْأَنْبَاءِ مَعَ خَفَائِهَا ، وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْرِفَتَهَا مَعَ خُمُولِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ ذَلِكَ إِيَّاهُ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ فَيَقْرَأُ الْكُتُبَ ، فَيَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ [6/405]قِبَلِ الْكُتُبِ ، وَلَا صَاحَبَ أَهْلَ الْكُتُبِ فَيَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ قِبَلِهِمْ .
وَأَمَّا " الْغَيْبُ " فَمَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " غَابَ فُلَانٌ عَنْ كَذَا فَهُوَ يَغِيبُ عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَةً " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " نُوحِيهِ إِلَيْكَ " فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ : نُنَزِّلُهُ إِلَيْكَ .
وَأَصْلُ " الْإِيحَاءِ " إِلْقَاءُ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ .
وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكِتَابٍ وَإِشَارَةٍ وَإِيمَاءٍ ، وَبِإِلْهَامٍ ، وَبِرِسَالَةٍ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 68 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا ، وَكَمَا قَالَ : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 111 ] ، بِمَعْنَى : أَلْقَيْتُ إِلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ إِلْهَامًا ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ
بِمَعْنَى أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا ، وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 11 ] ، بِمَعْنَى : فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً . وَالْأَصْلُ [6/406]فِيهِ مَا وَصَفْتُ ، مِنْ إِلْقَاءِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً ، وَيَكُونُ بِكِتَابٍ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 121 ] ، يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَةً ، وَقَوْلُهُ : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 19 ] ، أَلْقَى إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَأَمَّا " الْوَحْيُ " فَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَ " وَحْيًا " لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِيمَا كُتِبَ ثَابِتٌ فِيهِ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ :
أَتَى الْعَجَمَ وَالْآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقَيْنَ بَقَاءَ الْوَحْيِ فِي الْحَجَرِ الْأَصَمِّ
يَعْنِي بِهِ : الْكِتَابَ الثَّابِتَ فِي الْحَجَرِ . وَقَدْ يُقَالُ فِي الْكِتَابِ خَاصَّةً ، إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِبُ : " وَحَى " بِغَيْرِ أَلْفٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ :
كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحٍ تَدْهَمُهْ وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إِنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ