النص
[6/344]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ( 37 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا حَنَّةَ ، وَتَحْرِيرَهَا إِيَّاهَا لِلْكَنِيسَةِ وَخِدْمَتَهَا وَخِدْمَةَ رَبِّهَا " بِقَبُولٍ حَسَنٍ " .
" وَالْقَبُولُ " مَصْدَرٌ مِنْ : " قَبِلَهَا رَبُّهَا " فَأَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ . وَلَوْ كَانَ عَلَى لَفْظِهِ لَكَانَ : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا تَقَبُّلًا حَسَنًا " . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ كَثِيرًا : أَنْ يَأْتُوا بِالْمَصَادِرِ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا فِي الْأَفْعَالِ بِالزِّيَادَةِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : " تَكَلَّمَ فُلَانٌ كَلَامًا " وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْفِعْلِ لَقِيلَ : " تَكَلَّمَ فُلَانٌ تَكَلُّمًا " . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : " وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " وَلَمْ يُقُلْ : إِنْبَاتًا حَسَنًا .
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ نَسْمَعِ الْعَرَبَ تَضُمُّ الْقَافَ فِي " قَبُولِ " وَكَانَ الْقِيَاسُ الضَّمُّ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ : " الدُّخُولِ ، وَالْخُرُوجِ " . قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعْ بِحَرْفٍ آخَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُشْبِهُهُ .
6900 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْيَزِيدِيُّ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَأَنْبَتَهَا رَبُّهَا فِي غِذَائِهِ وَرِزْقِهِ نَبَاتًا حَسَنًا ، حَتَّى تَمَّتْ فَكَمُلَتِ امْرَأَةً بَالِغَةً تَامَّةً ، كَمَا : - [6/345]
6901 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ " قَالَ : تَقَبَّلَ مِنْ أُمِّهَا مَا أَرَادَتْ بِهَا لِلْكَنِيسَةِ ، وَأَجَرَهَا فِيهَا " وَأَنْبَتَهَا " قَالَ : نَبَتَتْ فِي غِذَاءِ اللَّهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَكَفَّلَهَا "
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان): " وَكَفَلَهَا " مُخَفَّفَةَ " الْفَاءِ " ، بِمَعْنَى : ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَيْهِ ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 44 ] .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ . وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ، بِمَعْنَى : وَكَفَلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا . (نبي)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَكَفَّلَهَا ) مُشَدَّدَةَ " الْفَاءِ " بِمَعْنَى : وَكَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا ، (نبي)بِمَعْنَى : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)أَيْضًا ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ لَهُ ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُ ، وَالْآيَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِخُصُومِهِ فِيهَا ، فَجَعَلَهُ بِهَا أُولَى مِنْهُمْ ، إِذْ قَرَعَ فِيهَا مَنْ شَاحَّهُ فِيهَا . [6/346]وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)وَخُصُومَهُ فِي مَرْيَمَ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهَا أَيُّهُمْ تَكُونُ عِنْدَهُ ، تَسَاهَمُوا بِقِدَاحِهِمْ ، فَرَمَوْا بِهَا فِي نَهْرِ الْأُرْدُنِّ . فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : ارْتَزَّ قَدَحُ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَقَامَ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْمَاءُ ، وَجَرَى بِقِدَاحِ الْآخَرِينَ الْمَاءُ . فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِزَكَرِيَّا (نبي)عَلَمًا أَنَّهُ أَحَقُّ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا بِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اصَّاعَدَ قَدْحُ زَكَرِيَّا (نبي)فِي النَّهْرِ ، وَانْحَدَرَتْ قِدَاحُ الْآخَرِينَ مَعَ جَرْيَةِ الْمَاءِ وَذَهَبَتْ ، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَمًا مِنَ اللَّهِ فِي أَنَّهُ أَوْلَى الْقَوْمِ بِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَضَاءً مِنَ اللَّهِ بِهَا لِزَكَرِيَّا (نبي)عَلَى خُصُومِهِ بِأَنَّهُ أَوْلَاهُمْ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا ضَمَّهَا زَكَرِيَّا (نبي)إِلَى نَفْسِهِ بِضَمِّ اللَّهِ إِيَّاهَا إِلَيْهِ بِقَضَائِهِ لَهُ بِهَا عَلَى خُصُومِهِ عِنْدَ تَشَاحِّهِمْ فِيهَا ، وَاخْتِصَامِهِمْ فِي أَوْلَاهُمْ بِهَا . [6/347]
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; كَانَ بَيِّنًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا اخْتَرْنَا مِنْ تَشْدِيدِ " كَفَّلَهَا " .
وَأَمَّا مَا اعْتَلَّ بِهِ الْقَارِئُونَ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ " الْفَاءِ " مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ صِحَّةَ اخْتِيَارِهِمُ التَّخْفِيفَ فِي قَوْلِهِ : " وَكَفَلَهَا " فَحُجَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى ضَعْفِ احْتِيَالِ الْمُحْتَجِّ بِهَا .
ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ذُو عَقْلٍ مِنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : " كَفَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا فَكَفَلَهُ فُلَانٌ " . فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ : أَلْقَى الْقَوْمُ أَقْلَامَهُمْ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، بِتَكْفِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِقَضَائِهِ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيهَا عِنْدَ إِلْقَائِهِمُ الْأَقْلَامَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ " زَكَرِيَّا " . (نبي)
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان)بِالْمَدِّ .
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ (مكان)بِالْقَصْرِ .
وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ .
غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَنَا - إِذَا مُدَّ " زَكَرِيَّا (نبي)" أَنْ يُنْصَبَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَجَمِ لَا يُجْرَى ، وَلِأَنَّ قِرَاءَتَنَا فِي " كَفَّلَهَا " بِالتَّشْدِيدِ ، وَتَثْقِيلِ " الْفَاءِ " . فَ " زَكَرِيَّاءُ " مَنْصُوبٌ بِالْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ . [6/348]
وَفِي " زَكَرِيَّا (نبي)" لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا ؛ لِخِلَافِهَا مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ " زَكَرِيٌّ " بِحَذْفِ الْمَدَّةِ وَ " الْيَاءِ " السَّاكِنَةِ ، تُشَبِّهُهُ الْعَرَبُ بِالْمَنْسُوبِ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، فَتُنَوِّنُهُ وَتُجْرِيهِ فِي أَنْوَاعِ الْإِعْرَابِ مَجَارِيَ " يَاءِ " النِّسْبَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَى زَكَرِيَّا ، (نبي)مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ :
فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَامِ كَافِلٌ
يُرَادُ بِهِ : لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتَفَرِّقِ النَّعَمِ وَمُنْتَشِرِهِ ضَامٌّ إِلَى نَفْسِهِ وَجَامِعٌ . وَقَدْ رُوِيَ :
فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَافِي كَافِلُ
بِمَعْنَى أَنَّهُ لِمَا نَدَّ فَهَرَبَ مِنَ النَّعَمِ ضَامٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ : " هَفَا الظَّلِيمُ " إِذَا أَسْرَعَ الطَّيَرَانَ .
يُقَالُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ : " مَا لَكَ تَكْفُلُ كُلَّ ضَالَّةٍ " ؟ يَعْنِي بِهِ : تَضُمُّهَا إِلَيْكَ وَتَأْخُذُهَا .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6902 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [6/349]قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَجَرَتْ بِهَا الْجِرْيَةُ ، إِلَّا قَلَمُ زَكَرِيَّا (نبي)اصَّاعَدَ ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي).
6903 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ . قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ - يَقُولُ : عِصِيَّهُمْ - قَالَ : فَأَلْقَوْهَا تِلْقَاءَ جِرْيَةِ الْمَاءِ ، فَاسْتَقْبَلَتْ عَصَا زَكَرِيَّا (نبي)جِرْيَةَ الْمَاءِ ، فَقَرَعَهُمْ .
6904 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " فَانْطَلَقَتْ بِهَا أُمُّهَا فِي خِرَقِهَا - يَعْنِي أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ - حِينَ وَلَدَتْهَا إِلَى الْمِحْرَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : انْطَلَقَتْ حِينَ بَلَغَتْ إِلَى الْمِحْرَابِ وَكَانَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ التَّوْرَاةَ إِذَا جَاءُوا إِلَيْهِمْ بِإِنْسَانٍ يُجَرِّبُونَهُ ، اقْتَرَعُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَأْخُذُهُ فَيُعَلِّمَهُ . وَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)أَفْضَلَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ ، وَكَانَتْ خَالَةُ مَرْيَمَ تَحْتَهُ . فَلَمَّا أَتَوْا بِهَا اقْتَرَعُوا [6/350]عَلَيْهَا ، وَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا (نبي): أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا ، تَحْتِي أُخْتُهَا . فَأَبَوْا ، فَخَرَجُوا إِلَى نَهْرِ الْأُرْدُنِّ ، (مكان)فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا : أَيَهُمُّ يَقُومُ قَلَمُهُ فَيَكْفُلُهَا . فَجَرَتِ الْأَقْلَامُ ، وَقَامَ قَلَمُ زَكَرِيَّا (نبي)عَلَى قُرْنَتِهِ كَأَنَّهُ فِي طِينٍ ، فَأَخَذَ الْجَارِيَةَ . وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " فَجَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ .
6905 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " يَقُولُ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ .
6906 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : سَهَمَهُمْ بِقَلَمِهِ .
6907 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
6908 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وَإِمَامِهِمْ . قَالَ : فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا أَحْبَارُهُمْ ، فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)زَوْجُ أُخْتِهَا ، فَكَفَلَهَا ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ وَحَضَنَهَا . [6/351]
6909 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا يَعْنِي : أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ فِي خِرَقِهَا تَحْمِلُهَا إِلَى بَنِي الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ ، أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي). قَالَ : وَهُمْ يَوْمئِذٍ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ ، (مكان)فَقَالَتْ لَهُمْ : دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ ، فَإِنِّي حَرَّرْتُهَا ، وَهِيَ ابْنَتِي ، وَلَا يَدْخُلُ الْكَنِيسَةَ حَائِضٌ ، وَأَنَا لَا أَرُدُّهَا إِلَى بَيْتِي . فَقَالُوا : هَذِهِ ابْنَةُ إِمَامِنَا - وَكَانَ عِمْرَانُ يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ - وَصَاحِبُ قُرْبَانِنَا . فَقَالَ زَكَرِيَّا (نبي): ادْفَعُوهَا إِلَيَّ ، فَإِنَّ خَالَتَهَا عِنْدِي . قَالُوا : لَا تَطِيبُ أَنْفُسَنَا ، هِيَ ابْنَةُ إِمَامِنَا . فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَيْهَا - بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ - فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَكَفَلَهَا .
6910 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ حَجَّاجٌ قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ : " الْكَاهِنُ " فِي كَلَامِهِمْ : الْعَالِمُ .
6911 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " بَعْدَ أَبِيهَا وَأُمِّهَا ، يُذَكِّرُهَا بِالْيُتْمِ ، ثُمَّ قَصَّ خَبَرَهَا وَخَبَرَ زَكَرِيَّا (نبي).
6912 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ [6/352]عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : كَانَتْ عِنْدَهُ .
6913 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ .
6914 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " وَتَقَارَعَهَا الْقَوْمُ ، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي).
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)بَعْدَ وِلَادَةِ حَنَّةَ ابْنَتَهَا مَرْيَمَ ، كَفَلَهَا بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ وَلَا اسْتِهَامٍ عَلَيْهَا ، وَلَا مُنَازَعَةِ أَحَدٍ إِيَّاهُ فِيهَا . وَإِنَّمَا كَفَلَهَا ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ ، وَعِنْدَ زَكَرِيَّا (نبي)خَالَتُهَا أَلَاشِبَاعُ ابْنَةُ فَاقُوذَ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى خَالَةِ عِيسَى (نبي): إِشْبَعُ .
6915 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَأِيِّ : أَنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى أَشْبَعُ . [6/353]
فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، فَكَانَتْ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُمْ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّتِي نَذَرَتْ فِيهَا .
قَالُوا : وَالِاقْتِرَاعُ فِيهَا بِالْأَقْلَامِ ، إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لِشِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ، ضَعُفَ زَكَرِيَّا (نبي)عَنْ حَمْلِ مَئُونَتِهَا ، فَتَدَافَعُوا حَمْلَ مَئُونَتِهَا ، لَا رَغْبَةً مِنْهُمْ ، وَلَا تَنَافُسًا عَلَيْهَا وَعَلَى احْتِمَالِ مَئُونَتِهَا . وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، إِذَا بَلَغْنَا إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
6916 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَصِحُّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا " بِتَخْفِيفِ " الْفَاءِ " لَوْ صَحَّ التَّأْوِيلُ . غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ مُتَظَاهِرٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ اسْتِهَامَ الْقَوْمِ فِيهَا كَانَ قَبْلَ كَفَالَةِ زَكَرِيَّا (نبي)إِيَّاهَا ، وَأَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)إِنَّمَا كَفَلَهَا بِإِخْرَاجِ سَهْمِهِ مِنْهَا فَالِجًا عَلَى سِهَامِ خُصُومِهِ فِيهَا . فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ بِالتَّشْدِيدِ عِنْدَنَا أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالتَّخْفِيفِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ ، بَعْدَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهَا الْمِحْرَابَ ، وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ اللَّهِ لِغِذَائِهَا .
فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ زَكَرِيَّا (نبي)عِنْدَهَا ، فَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . [6/354]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6917 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6918 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : الْعِنَبُ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6919 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : فَاكِهَةً فِي غَيْرِ حِينِهَا .
6920 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " .
6921 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6922 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6924 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا الْعِنَبَ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6925 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/355]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : عِنَبًا وَجَدَهُ زَكَرِيَّا (نبي)عِنْدَ مَرْيَمَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ .
6926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
6927 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ .
6928 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا (نبي)الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6929 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا ثَمَرَةً فِي غَيْرِ زَمَانِهَا .
6930 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : جَعَلَ زَكَرِيَّا (نبي)دُونَهَا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6931 - حَدَّثَنِي مُوسَى [ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ] قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي بَيْتٍ - وَهُوَ الْمِحْرَابُ - فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فِي الشِّتَاءِ فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ ، وَيَدْخُلُ فِي الصَّيْفِ فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ . [6/356]
6932 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6933 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا ثِمَارَ الْجَنَّةِ ، فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ .
6934 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا ثَمَرَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَثَمَرَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6935 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا - يَعْنِي عَلَى مَرْيَمَ الْمِحْرَابَ - وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ السَّمَاءِ ، مِنَ اللَّهِ ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ . وَقَالُوا : لَوْ أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِهِ ، لَمْ يَسْأَلْهَا عَنْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا مِنَ الرِّزْقِ فَضْلًا عَمَّا كَانَ يَأْتِيهَا بِهِ ، الَّذِي كَانَ يَمُونُهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6936 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : كَفَلَهَا بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهَا فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّذِي نَذَرَتْ فِيهَا ، فَجَعَلَتْ تَنْبُتُ وَتَزِيدُ . قَالَ : ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا ، حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا (نبي)عَنْ حَمْلِهَا ، فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَتَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ ضَعُفْتُ عَنْ [6/357]حَمْلِ ابْنَةَ عِمْرَانَ . فَقَالُوا : وَنَحْنُ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَا أَصَابَكُمْ . فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا ، حَتَّى تَقَارَعَوْا بِالْأَقْلَامِ ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِحَمْلِهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَجَّارٍ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ ، قَالَ : فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ : يَا جُرَيْجُ ، أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا . فَجَعَلَ جُرَيْجٌ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا ، فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْكَنِيسَةِ ، أَنْمَاهُ اللَّهُ وَكَثَّرَهُ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا (نبي)فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ ، وَلَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ جُرَيْجٌ ، فَيَقُولُ : " يَا مَرْيَمُ ، أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟ فَتَقُولُ : " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا " الْمِحْرَابُ " فَهُوَ مُقَدَّمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَمُصَلًّى ، وَهُوَ سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَأَكْرَمُهَا ، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ :
كَدُمَى الْعَاجِ فِي الْمَحَارِيبِ أَوْ كَالْبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ [6/358]
وَ " الْمَحَارِيبُ " جَمْعُ " مِحْرَابٍ " وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى مَحَارِبَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 37 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " قَالَ " زَكَرِيَّا (نبي): " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَكِ هَذَا الَّذِي أَرَى عِنْدَكِ مِنَ الرِّزْقَ ؟ قَالَتْ مَرْيَمُ مُجِيبَةً لَهُ : " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعْنِي : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا ذَلِكَ فَسَاقَهُ إِلَيْهَا وَأَعْطَاهَا .
وَإِنَّمَا كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)يَقُولُ ذَلِكَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، وَيَخْرُجُ . ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . فَكَانَ يَعْجَبُ مِمَّا يَرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ لَهَا تَعَجُّبًا مِمَّا يَرَى : " أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟ فَتَقُولُ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
6937 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ .
6938 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
6939 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " قَالَ : فَإِنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهَا الْفَاكِهَةَ الْغَضَّةَ حِينَ لَا تُوجَدُ الْفَاكِهَةُ [6/359]عِنْدَ أَحَدٍ ، فَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)يَقُولُ : " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَخَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَسُوقُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ رِزْقَهُ ، بِغَيْرِ إِحْصَاءٍ وَلَا عَدَدٍ يُحَاسِبُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ . لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَا يَنْقُصُ سَوْقُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ كَذَلِكَ خَزَائِنَهُ ، وَلَا يَزِيدُ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ ، وَمُحَاسَبَتُهُ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ ، وَفِيمَا لَدَيْهِ شَيْئًا ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَلَمُ مَا يَرْزُقُهُ ، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ مَنْ يُعْطِي مَا يُعْطِيهِ ، مَنْ يَخْشَى النُّقْصَانَ مِنْ مُلْكِهِ ، وَدُخُولَ النَّفَادِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَعْرُوفٍ ، وَمَنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا يُعْطَى عَلَى غَيْرِ حِسَابٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا حَنَّةَ ، وَتَحْرِيرَهَا إِيَّاهَا لِلْكَنِيسَةِ وَخِدْمَتَهَا وَخِدْمَةَ رَبِّهَا " بِقَبُولٍ حَسَنٍ " .
" وَالْقَبُولُ " مَصْدَرٌ مِنْ : " قَبِلَهَا رَبُّهَا " فَأَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ . وَلَوْ كَانَ عَلَى لَفْظِهِ لَكَانَ : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا تَقَبُّلًا حَسَنًا " . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ كَثِيرًا : أَنْ يَأْتُوا بِالْمَصَادِرِ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا فِي الْأَفْعَالِ بِالزِّيَادَةِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : " تَكَلَّمَ فُلَانٌ كَلَامًا " وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْفِعْلِ لَقِيلَ : " تَكَلَّمَ فُلَانٌ تَكَلُّمًا " . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : " وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " وَلَمْ يُقُلْ : إِنْبَاتًا حَسَنًا .
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ نَسْمَعِ الْعَرَبَ تَضُمُّ الْقَافَ فِي " قَبُولِ " وَكَانَ الْقِيَاسُ الضَّمُّ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ : " الدُّخُولِ ، وَالْخُرُوجِ " . قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعْ بِحَرْفٍ آخَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُشْبِهُهُ .
6900 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْيَزِيدِيُّ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَأَنْبَتَهَا رَبُّهَا فِي غِذَائِهِ وَرِزْقِهِ نَبَاتًا حَسَنًا ، حَتَّى تَمَّتْ فَكَمُلَتِ امْرَأَةً بَالِغَةً تَامَّةً ، كَمَا : - [6/345]
6901 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ " قَالَ : تَقَبَّلَ مِنْ أُمِّهَا مَا أَرَادَتْ بِهَا لِلْكَنِيسَةِ ، وَأَجَرَهَا فِيهَا " وَأَنْبَتَهَا " قَالَ : نَبَتَتْ فِي غِذَاءِ اللَّهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَكَفَّلَهَا "
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان): " وَكَفَلَهَا " مُخَفَّفَةَ " الْفَاءِ " ، بِمَعْنَى : ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَيْهِ ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 44 ] .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ . وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ، بِمَعْنَى : وَكَفَلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا . (نبي)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَكَفَّلَهَا ) مُشَدَّدَةَ " الْفَاءِ " بِمَعْنَى : وَكَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا ، (نبي)بِمَعْنَى : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)أَيْضًا ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ لَهُ ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُ ، وَالْآيَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِخُصُومِهِ فِيهَا ، فَجَعَلَهُ بِهَا أُولَى مِنْهُمْ ، إِذْ قَرَعَ فِيهَا مَنْ شَاحَّهُ فِيهَا . [6/346]وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)وَخُصُومَهُ فِي مَرْيَمَ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهَا أَيُّهُمْ تَكُونُ عِنْدَهُ ، تَسَاهَمُوا بِقِدَاحِهِمْ ، فَرَمَوْا بِهَا فِي نَهْرِ الْأُرْدُنِّ . فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : ارْتَزَّ قَدَحُ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَقَامَ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْمَاءُ ، وَجَرَى بِقِدَاحِ الْآخَرِينَ الْمَاءُ . فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِزَكَرِيَّا (نبي)عَلَمًا أَنَّهُ أَحَقُّ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا بِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اصَّاعَدَ قَدْحُ زَكَرِيَّا (نبي)فِي النَّهْرِ ، وَانْحَدَرَتْ قِدَاحُ الْآخَرِينَ مَعَ جَرْيَةِ الْمَاءِ وَذَهَبَتْ ، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَمًا مِنَ اللَّهِ فِي أَنَّهُ أَوْلَى الْقَوْمِ بِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَضَاءً مِنَ اللَّهِ بِهَا لِزَكَرِيَّا (نبي)عَلَى خُصُومِهِ بِأَنَّهُ أَوْلَاهُمْ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا ضَمَّهَا زَكَرِيَّا (نبي)إِلَى نَفْسِهِ بِضَمِّ اللَّهِ إِيَّاهَا إِلَيْهِ بِقَضَائِهِ لَهُ بِهَا عَلَى خُصُومِهِ عِنْدَ تَشَاحِّهِمْ فِيهَا ، وَاخْتِصَامِهِمْ فِي أَوْلَاهُمْ بِهَا . [6/347]
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; كَانَ بَيِّنًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا اخْتَرْنَا مِنْ تَشْدِيدِ " كَفَّلَهَا " .
وَأَمَّا مَا اعْتَلَّ بِهِ الْقَارِئُونَ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ " الْفَاءِ " مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ صِحَّةَ اخْتِيَارِهِمُ التَّخْفِيفَ فِي قَوْلِهِ : " وَكَفَلَهَا " فَحُجَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى ضَعْفِ احْتِيَالِ الْمُحْتَجِّ بِهَا .
ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ذُو عَقْلٍ مِنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : " كَفَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا فَكَفَلَهُ فُلَانٌ " . فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ : أَلْقَى الْقَوْمُ أَقْلَامَهُمْ : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، بِتَكْفِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِقَضَائِهِ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيهَا عِنْدَ إِلْقَائِهِمُ الْأَقْلَامَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ " زَكَرِيَّا " . (نبي)
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان)بِالْمَدِّ .
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ (مكان)بِالْقَصْرِ .
وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ .
غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَنَا - إِذَا مُدَّ " زَكَرِيَّا (نبي)" أَنْ يُنْصَبَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَجَمِ لَا يُجْرَى ، وَلِأَنَّ قِرَاءَتَنَا فِي " كَفَّلَهَا " بِالتَّشْدِيدِ ، وَتَثْقِيلِ " الْفَاءِ " . فَ " زَكَرِيَّاءُ " مَنْصُوبٌ بِالْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ . [6/348]
وَفِي " زَكَرِيَّا (نبي)" لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا ؛ لِخِلَافِهَا مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ " زَكَرِيٌّ " بِحَذْفِ الْمَدَّةِ وَ " الْيَاءِ " السَّاكِنَةِ ، تُشَبِّهُهُ الْعَرَبُ بِالْمَنْسُوبِ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، فَتُنَوِّنُهُ وَتُجْرِيهِ فِي أَنْوَاعِ الْإِعْرَابِ مَجَارِيَ " يَاءِ " النِّسْبَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَى زَكَرِيَّا ، (نبي)مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ :
فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَامِ كَافِلٌ
يُرَادُ بِهِ : لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتَفَرِّقِ النَّعَمِ وَمُنْتَشِرِهِ ضَامٌّ إِلَى نَفْسِهِ وَجَامِعٌ . وَقَدْ رُوِيَ :
فَهُوَ لِضُلَّالِ الْهَوَافِي كَافِلُ
بِمَعْنَى أَنَّهُ لِمَا نَدَّ فَهَرَبَ مِنَ النَّعَمِ ضَامٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ : " هَفَا الظَّلِيمُ " إِذَا أَسْرَعَ الطَّيَرَانَ .
يُقَالُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ : " مَا لَكَ تَكْفُلُ كُلَّ ضَالَّةٍ " ؟ يَعْنِي بِهِ : تَضُمُّهَا إِلَيْكَ وَتَأْخُذُهَا .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6902 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [6/349]قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَجَرَتْ بِهَا الْجِرْيَةُ ، إِلَّا قَلَمُ زَكَرِيَّا (نبي)اصَّاعَدَ ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي).
6903 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ . قَالَ : أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ - يَقُولُ : عِصِيَّهُمْ - قَالَ : فَأَلْقَوْهَا تِلْقَاءَ جِرْيَةِ الْمَاءِ ، فَاسْتَقْبَلَتْ عَصَا زَكَرِيَّا (نبي)جِرْيَةَ الْمَاءِ ، فَقَرَعَهُمْ .
6904 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " فَانْطَلَقَتْ بِهَا أُمُّهَا فِي خِرَقِهَا - يَعْنِي أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ - حِينَ وَلَدَتْهَا إِلَى الْمِحْرَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : انْطَلَقَتْ حِينَ بَلَغَتْ إِلَى الْمِحْرَابِ وَكَانَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ التَّوْرَاةَ إِذَا جَاءُوا إِلَيْهِمْ بِإِنْسَانٍ يُجَرِّبُونَهُ ، اقْتَرَعُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَأْخُذُهُ فَيُعَلِّمَهُ . وَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)أَفْضَلَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ ، وَكَانَتْ خَالَةُ مَرْيَمَ تَحْتَهُ . فَلَمَّا أَتَوْا بِهَا اقْتَرَعُوا [6/350]عَلَيْهَا ، وَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا (نبي): أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا ، تَحْتِي أُخْتُهَا . فَأَبَوْا ، فَخَرَجُوا إِلَى نَهْرِ الْأُرْدُنِّ ، (مكان)فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا : أَيَهُمُّ يَقُومُ قَلَمُهُ فَيَكْفُلُهَا . فَجَرَتِ الْأَقْلَامُ ، وَقَامَ قَلَمُ زَكَرِيَّا (نبي)عَلَى قُرْنَتِهِ كَأَنَّهُ فِي طِينٍ ، فَأَخَذَ الْجَارِيَةَ . وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " فَجَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ .
6905 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " يَقُولُ : ضَمَّهَا إِلَيْهِ .
6906 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : سَهَمَهُمْ بِقَلَمِهِ .
6907 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
6908 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وَإِمَامِهِمْ . قَالَ : فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا أَحْبَارُهُمْ ، فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)زَوْجُ أُخْتِهَا ، فَكَفَلَهَا ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ وَحَضَنَهَا . [6/351]
6909 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا يَعْنِي : أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ فِي خِرَقِهَا تَحْمِلُهَا إِلَى بَنِي الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ ، أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي). قَالَ : وَهُمْ يَوْمئِذٍ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ ، (مكان)فَقَالَتْ لَهُمْ : دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ ، فَإِنِّي حَرَّرْتُهَا ، وَهِيَ ابْنَتِي ، وَلَا يَدْخُلُ الْكَنِيسَةَ حَائِضٌ ، وَأَنَا لَا أَرُدُّهَا إِلَى بَيْتِي . فَقَالُوا : هَذِهِ ابْنَةُ إِمَامِنَا - وَكَانَ عِمْرَانُ يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ - وَصَاحِبُ قُرْبَانِنَا . فَقَالَ زَكَرِيَّا (نبي): ادْفَعُوهَا إِلَيَّ ، فَإِنَّ خَالَتَهَا عِنْدِي . قَالُوا : لَا تَطِيبُ أَنْفُسَنَا ، هِيَ ابْنَةُ إِمَامِنَا . فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَيْهَا - بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ - فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَكَفَلَهَا .
6910 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ حَجَّاجٌ قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ : " الْكَاهِنُ " فِي كَلَامِهِمْ : الْعَالِمُ .
6911 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " بَعْدَ أَبِيهَا وَأُمِّهَا ، يُذَكِّرُهَا بِالْيُتْمِ ، ثُمَّ قَصَّ خَبَرَهَا وَخَبَرَ زَكَرِيَّا (نبي).
6912 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ [6/352]عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : كَانَتْ عِنْدَهُ .
6913 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ .
6914 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " وَتَقَارَعَهَا الْقَوْمُ ، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا ، (نبي)فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي).
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)بَعْدَ وِلَادَةِ حَنَّةَ ابْنَتَهَا مَرْيَمَ ، كَفَلَهَا بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ وَلَا اسْتِهَامٍ عَلَيْهَا ، وَلَا مُنَازَعَةِ أَحَدٍ إِيَّاهُ فِيهَا . وَإِنَّمَا كَفَلَهَا ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ ، وَعِنْدَ زَكَرِيَّا (نبي)خَالَتُهَا أَلَاشِبَاعُ ابْنَةُ فَاقُوذَ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى خَالَةِ عِيسَى (نبي): إِشْبَعُ .
6915 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَأِيِّ : أَنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى أَشْبَعُ . [6/353]
فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، فَكَانَتْ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُمْ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّتِي نَذَرَتْ فِيهَا .
قَالُوا : وَالِاقْتِرَاعُ فِيهَا بِالْأَقْلَامِ ، إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لِشِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ، ضَعُفَ زَكَرِيَّا (نبي)عَنْ حَمْلِ مَئُونَتِهَا ، فَتَدَافَعُوا حَمْلَ مَئُونَتِهَا ، لَا رَغْبَةً مِنْهُمْ ، وَلَا تَنَافُسًا عَلَيْهَا وَعَلَى احْتِمَالِ مَئُونَتِهَا . وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، إِذَا بَلَغْنَا إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
6916 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَصِحُّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا " بِتَخْفِيفِ " الْفَاءِ " لَوْ صَحَّ التَّأْوِيلُ . غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ مُتَظَاهِرٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ اسْتِهَامَ الْقَوْمِ فِيهَا كَانَ قَبْلَ كَفَالَةِ زَكَرِيَّا (نبي)إِيَّاهَا ، وَأَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)إِنَّمَا كَفَلَهَا بِإِخْرَاجِ سَهْمِهِ مِنْهَا فَالِجًا عَلَى سِهَامِ خُصُومِهِ فِيهَا . فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ بِالتَّشْدِيدِ عِنْدَنَا أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالتَّخْفِيفِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ ، بَعْدَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهَا الْمِحْرَابَ ، وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ اللَّهِ لِغِذَائِهَا .
فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ زَكَرِيَّا (نبي)عِنْدَهَا ، فَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . [6/354]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6917 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6918 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : الْعِنَبُ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6919 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : فَاكِهَةً فِي غَيْرِ حِينِهَا .
6920 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " .
6921 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6922 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
6924 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا الْعِنَبَ فِي غَيْرِ حِينِهِ .
6925 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/355]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : عِنَبًا وَجَدَهُ زَكَرِيَّا (نبي)عِنْدَ مَرْيَمَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ .
6926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
6927 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ .
6928 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا (نبي)الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6929 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا ثَمَرَةً فِي غَيْرِ زَمَانِهَا .
6930 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : جَعَلَ زَكَرِيَّا (نبي)دُونَهَا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6931 - حَدَّثَنِي مُوسَى [ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ] قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قَالَ : جَعَلَهَا زَكَرِيَّا (نبي)مَعَهُ فِي بَيْتٍ - وَهُوَ الْمِحْرَابُ - فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فِي الشِّتَاءِ فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ ، وَيَدْخُلُ فِي الصَّيْفِ فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ . [6/356]
6932 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6933 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا " قَالَ : وَجَدَ عِنْدَهَا ثِمَارَ الْجَنَّةِ ، فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ .
6934 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا ثَمَرَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَثَمَرَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ .
6935 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا - يَعْنِي عَلَى مَرْيَمَ الْمِحْرَابَ - وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ السَّمَاءِ ، مِنَ اللَّهِ ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ . وَقَالُوا : لَوْ أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِهِ ، لَمْ يَسْأَلْهَا عَنْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ زَكَرِيَّا (نبي)كَانَ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا مِنَ الرِّزْقِ فَضْلًا عَمَّا كَانَ يَأْتِيهَا بِهِ ، الَّذِي كَانَ يَمُونُهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6936 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : كَفَلَهَا بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهَا فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّذِي نَذَرَتْ فِيهَا ، فَجَعَلَتْ تَنْبُتُ وَتَزِيدُ . قَالَ : ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا ، حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا (نبي)عَنْ حَمْلِهَا ، فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَتَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ ضَعُفْتُ عَنْ [6/357]حَمْلِ ابْنَةَ عِمْرَانَ . فَقَالُوا : وَنَحْنُ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَا أَصَابَكُمْ . فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا ، حَتَّى تَقَارَعَوْا بِالْأَقْلَامِ ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِحَمْلِهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَجَّارٍ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ ، قَالَ : فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ : يَا جُرَيْجُ ، أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا . فَجَعَلَ جُرَيْجٌ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا ، فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْكَنِيسَةِ ، أَنْمَاهُ اللَّهُ وَكَثَّرَهُ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا (نبي)فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ ، وَلَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ جُرَيْجٌ ، فَيَقُولُ : " يَا مَرْيَمُ ، أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟ فَتَقُولُ : " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا " الْمِحْرَابُ " فَهُوَ مُقَدَّمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَمُصَلًّى ، وَهُوَ سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَأَكْرَمُهَا ، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ :
كَدُمَى الْعَاجِ فِي الْمَحَارِيبِ أَوْ كَالْبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ [6/358]
وَ " الْمَحَارِيبُ " جَمْعُ " مِحْرَابٍ " وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى مَحَارِبَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 37 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " قَالَ " زَكَرِيَّا (نبي): " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَكِ هَذَا الَّذِي أَرَى عِنْدَكِ مِنَ الرِّزْقَ ؟ قَالَتْ مَرْيَمُ مُجِيبَةً لَهُ : " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعْنِي : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا ذَلِكَ فَسَاقَهُ إِلَيْهَا وَأَعْطَاهَا .
وَإِنَّمَا كَانَ زَكَرِيَّا (نبي)يَقُولُ ذَلِكَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، وَيَخْرُجُ . ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ . فَكَانَ يَعْجَبُ مِمَّا يَرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ لَهَا تَعَجُّبًا مِمَّا يَرَى : " أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟ فَتَقُولُ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
6937 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ .
6938 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
6939 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " قَالَ : فَإِنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهَا الْفَاكِهَةَ الْغَضَّةَ حِينَ لَا تُوجَدُ الْفَاكِهَةُ [6/359]عِنْدَ أَحَدٍ ، فَكَانَ زَكَرِيَّا (نبي)يَقُولُ : " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا " ؟
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَخَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَسُوقُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ رِزْقَهُ ، بِغَيْرِ إِحْصَاءٍ وَلَا عَدَدٍ يُحَاسِبُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ . لِأَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَا يَنْقُصُ سَوْقُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ كَذَلِكَ خَزَائِنَهُ ، وَلَا يَزِيدُ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ ، وَمُحَاسَبَتُهُ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ ، وَفِيمَا لَدَيْهِ شَيْئًا ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَلَمُ مَا يَرْزُقُهُ ، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ مَنْ يُعْطِي مَا يُعْطِيهِ ، مَنْ يَخْشَى النُّقْصَانَ مِنْ مُلْكِهِ ، وَدُخُولَ النَّفَادِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَعْرُوفٍ ، وَمَنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا يُعْطَى عَلَى غَيْرِ حِسَابٍ .