النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قُلِ اللَّهُمَّ ( 26 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا تَأْوِيلُ : " قُلِ اللَّهُمَّ " فَإِنَّهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي): يَا اللَّهُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ " مِيمِ " " اللَّهُمَّ " وَهُوَ مُنَادًى ، وَحُكْمُ الْمُنَادَى الْمُفْرَدُ غَيْرُ الْمُضَافِ الرَّفْعُ وَفِي دُخُولِ " الْمِيمِ " فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ " اللَّهُ " بِغَيْرِ " مِيمٍ " . [6/296]فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ " الْمِيمَانِ " لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِ " يَا " كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا " أَلِفَ " فِيهَا وَلَا " لَامَ " . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي لَا " أَلِفَ " وَلَا " لَامَ " فِيهَا تُنَادَى بِ " يَا " كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " يَا زَيْدُ ، وَيَا عَمْرُو " . قَالَ : فَجُعِلَتِ " الْمِيمُ " فِيهِ خَلَفًا مِنْ " يَا " كَمَا قَالُوا : " فَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ ، وَزُرْقُمْ ، وَسُتْهُمْ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالنُّعُوتِ الَّتِي يُحْذَفُ مِنْهَا الْحَرْفُ ، ثُمَّ يُبْدَلُ مَكَانَهُ " مِيمٌ " . قَالَ : فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنِ " اللَّهُمَّ " " يَا " الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَجُعِلَتِ " الْمِيمُ " خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِرِ الِاسْمِ . [6/297]
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَبَ تُنَادِي : " اللَّهُمَّ " بِ " يَا " كَمَا تُنَادِيهِ وَلَا " مِيمَ " فِيهِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ ، لَمْ تُدْخِلِ الْعَرَبُ " يَا " وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلْفِ مِنْهَا . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ :
وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا صَلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ يَا أَللَّهُمَا ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا
وَيُرْوَى : " سَبَّحَتْ أَوْ كَبَّرَتْ " . قَالُوا : وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ زَادَتْ مِثْلَ هَذِهِ " الْمِيمِ " إِلَّا مُخَفَّفَةً فِي نَوَاقِصِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ : " الْفَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ " قَالُوا : وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ ضُمَّ إِلَيْهَا " أَمَّ " بِمَعْنَى : " يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ " فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَاخْتَلَطَتْ بِهِ . قَالُوا : فَالضَّمَّةُ الَّتِي فِي " الْهَاءِ " مِنْ هَمْزَةِ " أَمَّ " لَمَّا تُرِكَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلَهَا . قَالُوا : وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ : " هَلُمَّ إِلَيْنَا " مِثْلُهَا . إِنَّمَا كَانَ " هَلُمَّ " " هَلْ " ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبِهَا . قَالُوا : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ إِذَا طَرَحَ " الْمِيمَ " : " يَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي " وَ " يَا أَللَّهُ اغْفِرْ لِي " بِهَمْزِ " الْأَلِفِ " مِنَ " اللَّهِ " مَرَّةً ، وَوَصْلِهَا أُخْرَى ، فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا ، لِأَنَّهَا " أَلِفٌ وَلَامٌ " مِثْلُ " الْأَلِفِ وَاللَّامِ " اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ زَائِدَتَيْنِ . وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنَ الْحَرْفِ ، [6/298]إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُطُ مِنْهُ ، وَأَنْشَدُوا فِي هَمْزِ الْأَلِفِ مِنْهَا :
مُبَارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ عَلَى اسْمِكَ اللُّهُمَّ يَا أَللَّهُ
قَالُوا : وَقَدْ كَثُرَتِ " اللَّهُمَّ " فِي الْكَلَامِ ، حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمُهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ ، وَأَنْشَدُوا :
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ يَسْمَعُهَا اللَّهُمُ الْكُبَارُ
وَالرُّوَاةُ تُنْشِدُ ذَلِكَ :
يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكُبَارُ [6/299]
وَقَدْ أَنْشُدُهُ بَعْضُهُمْ : يَسْمَعُهَا اللَّهُ وَاللَّهُ كُبَارُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَالِكَ الْمُلْكِ ، يَا مِنْ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَالِصًا دُونَ وَغَيْرِهِ ، كَمَا : -
6789 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ " أَيْ رَبَّ الْعِبَادِ الْمَلِكَ ، لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : تُعْطَى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فَتَمْلِكُهُ وَتُسَلِّطُهُ عَلَى مَنْ تَشَاءُ .
وَقَوْلُهُ : " وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " يَعْنِي : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ ، [6/300]فَتُرِكَ ذِكْرُ " أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ " اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " عَلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : " خُذْ مَا شِئْتَ وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ " يُرَادُ : خُذْ مَا شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ; وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [ سُورَةُ الِانْفِطَارِ : 8 ] يَعْنِي : فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَكَ فِيهَا رَكَّبَكَ .
وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6790 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَذَكَرَ لَنَا : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " إِلَى " إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " .
6791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَعْنَى " الْمُلْكِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : النُّبُوَّةُ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ :
6792 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " قَالَ : النُّبُوَّةَ . [6/301]
6793 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ " بِإِعْطَائِهِ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ ، وَبَسْطِ الْقُدْرَةِ لَهُ " وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ " بِسَلْبِكَ مُلْكَهُ ، وَتَسْلِيطِ عَدُوِّهُ عَلَيْهِ " بِيَدِكَ الْخَيْرُ " أَيْ : كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِكَ وَإِلَيْكَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ ، لِأَنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، دُونَ سَائِرِ خَلْقِكَ ، وَدُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِكَ ، كَالْمَسِيحِ (نبي)وَالْأَنْدَادِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْأُمِّيُّونَ رَبًّا ، كَمَا : -
6794 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " الْآيَةَ ، أَيْ : إِنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لَا إِلَى غَيْرِكَ " إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " أَيْ : لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ بِسُلْطَانِكَ وُقدْرَتِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا تَأْوِيلُ : " قُلِ اللَّهُمَّ " فَإِنَّهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي): يَا اللَّهُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ " مِيمِ " " اللَّهُمَّ " وَهُوَ مُنَادًى ، وَحُكْمُ الْمُنَادَى الْمُفْرَدُ غَيْرُ الْمُضَافِ الرَّفْعُ وَفِي دُخُولِ " الْمِيمِ " فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ " اللَّهُ " بِغَيْرِ " مِيمٍ " . [6/296]فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ " الْمِيمَانِ " لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِ " يَا " كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا " أَلِفَ " فِيهَا وَلَا " لَامَ " . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي لَا " أَلِفَ " وَلَا " لَامَ " فِيهَا تُنَادَى بِ " يَا " كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " يَا زَيْدُ ، وَيَا عَمْرُو " . قَالَ : فَجُعِلَتِ " الْمِيمُ " فِيهِ خَلَفًا مِنْ " يَا " كَمَا قَالُوا : " فَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ ، وَزُرْقُمْ ، وَسُتْهُمْ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالنُّعُوتِ الَّتِي يُحْذَفُ مِنْهَا الْحَرْفُ ، ثُمَّ يُبْدَلُ مَكَانَهُ " مِيمٌ " . قَالَ : فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنِ " اللَّهُمَّ " " يَا " الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَجُعِلَتِ " الْمِيمُ " خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِرِ الِاسْمِ . [6/297]
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَبَ تُنَادِي : " اللَّهُمَّ " بِ " يَا " كَمَا تُنَادِيهِ وَلَا " مِيمَ " فِيهِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ ، لَمْ تُدْخِلِ الْعَرَبُ " يَا " وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلْفِ مِنْهَا . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ :
وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا صَلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ يَا أَللَّهُمَا ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا
وَيُرْوَى : " سَبَّحَتْ أَوْ كَبَّرَتْ " . قَالُوا : وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ زَادَتْ مِثْلَ هَذِهِ " الْمِيمِ " إِلَّا مُخَفَّفَةً فِي نَوَاقِصِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ : " الْفَمْ ، وَابْنُمْ ، وَهُمْ " قَالُوا : وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ ضُمَّ إِلَيْهَا " أَمَّ " بِمَعْنَى : " يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ " فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَاخْتَلَطَتْ بِهِ . قَالُوا : فَالضَّمَّةُ الَّتِي فِي " الْهَاءِ " مِنْ هَمْزَةِ " أَمَّ " لَمَّا تُرِكَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلَهَا . قَالُوا : وَنَرَى أَنَّ قَوْلَ الْعَرَبِ : " هَلُمَّ إِلَيْنَا " مِثْلُهَا . إِنَّمَا كَانَ " هَلُمَّ " " هَلْ " ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبِهَا . قَالُوا : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ إِذَا طَرَحَ " الْمِيمَ " : " يَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي " وَ " يَا أَللَّهُ اغْفِرْ لِي " بِهَمْزِ " الْأَلِفِ " مِنَ " اللَّهِ " مَرَّةً ، وَوَصْلِهَا أُخْرَى ، فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا ، لِأَنَّهَا " أَلِفٌ وَلَامٌ " مِثْلُ " الْأَلِفِ وَاللَّامِ " اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ زَائِدَتَيْنِ . وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنَ الْحَرْفِ ، [6/298]إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُطُ مِنْهُ ، وَأَنْشَدُوا فِي هَمْزِ الْأَلِفِ مِنْهَا :
مُبَارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ عَلَى اسْمِكَ اللُّهُمَّ يَا أَللَّهُ
قَالُوا : وَقَدْ كَثُرَتِ " اللَّهُمَّ " فِي الْكَلَامِ ، حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمُهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ ، وَأَنْشَدُوا :
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ يَسْمَعُهَا اللَّهُمُ الْكُبَارُ
وَالرُّوَاةُ تُنْشِدُ ذَلِكَ :
يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكُبَارُ [6/299]
وَقَدْ أَنْشُدُهُ بَعْضُهُمْ : يَسْمَعُهَا اللَّهُ وَاللَّهُ كُبَارُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَالِكَ الْمُلْكِ ، يَا مِنْ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَالِصًا دُونَ وَغَيْرِهِ ، كَمَا : -
6789 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ " أَيْ رَبَّ الْعِبَادِ الْمَلِكَ ، لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : تُعْطَى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فَتَمْلِكُهُ وَتُسَلِّطُهُ عَلَى مَنْ تَشَاءُ .
وَقَوْلُهُ : " وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " يَعْنِي : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ ، [6/300]فَتُرِكَ ذِكْرُ " أَنْ تَنْزِعَهُ مِنْهُ " اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " عَلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : " خُذْ مَا شِئْتَ وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ " يُرَادُ : خُذْ مَا شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَكُنْ فِيمَا شِئْتَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ; وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [ سُورَةُ الِانْفِطَارِ : 8 ] يَعْنِي : فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَكَ فِيهَا رَكَّبَكَ .
وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6790 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَذَكَرَ لَنَا : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " إِلَى " إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " .
6791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ رَبَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَعْنَى " الْمُلْكِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : النُّبُوَّةُ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ :
6792 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ " قَالَ : النُّبُوَّةَ . [6/301]
6793 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ " بِإِعْطَائِهِ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ ، وَبَسْطِ الْقُدْرَةِ لَهُ " وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ " بِسَلْبِكَ مُلْكَهُ ، وَتَسْلِيطِ عَدُوِّهُ عَلَيْهِ " بِيَدِكَ الْخَيْرُ " أَيْ : كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِكَ وَإِلَيْكَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ ، لِأَنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، دُونَ سَائِرِ خَلْقِكَ ، وَدُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِكَ ، كَالْمَسِيحِ (نبي)وَالْأَنْدَادِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْأُمِّيُّونَ رَبًّا ، كَمَا : -
6794 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ : " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ " الْآيَةَ ، أَيْ : إِنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لَا إِلَى غَيْرِكَ " إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " أَيْ : لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ بِسُلْطَانِكَ وُقدْرَتِكَ .