تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا "

ج 6
ص 259

الآية المفسَّرة

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 259

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 15 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِلنَّاسِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمْ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرَ رَبُّنَا - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " أَؤُنَبِّئُكُمْ " أَأُخْبِرُكُمْ وَأُعْلِمُكُمْ " بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ " يَعْنِي : بِخَيْرٍ وَأَفْضَلَ لَكُمْ " مِنْ [6/260]ذَلِكُمْ " يَعْنِي : مِمَّا زُيِّنَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا حُبُّ شَهْوَتِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَتَاعُ الدُّنْيَا .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنَاهَى إِلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ : " مِنْ ذَلِكُمْ " ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّا لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ ، فَقِيلَ : " لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا " فَلِذَلِكَ رَفَعَ " الْجَنَّاتِ " .
وَمِنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِ : " جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " إِلَّا الرَّفْعُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَى قَوْلِهِ : " بِخَيْرٍ " فَيَكُونُ الْخَفْضُ فِيهِ جَائِزًا . وَهُوَ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مُبْتَدَأٌ عِنْدَهُمْ ، فَفِيهِ إِبَانَةٌ عَنْ مَعْنَى " الْخَيْرِ " الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : لِلنَّاسِ : أَؤُنَبِّئُكُمْ بِهِ ؟ " وَالْجَنَّاتُ " عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَرْفُوعَةٌ بِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ " .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ جُعِلَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لِلَّذِينِ " مِنْ صِلَةِ " الْإِنْبَاءِ " جَازَ فِي " الْجَنَّاتِ " الْخَفْضُ وَالرَّفْعُ : الْخَفْضُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى " الْخَيْرِ " وَالرَّفْعُ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " لِلَّذِينِ اتَّقَوْا " خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ قَبْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مُنْتَهَى الِاسْتِفْهَامِ قَوْلُهُ : " عِنْدَ رَبِّهِمْ " ثُمَّ ابْتَدَأَ : " جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " . وَقَالُوا : تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : " قُلْ أَؤُنَبِئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ " ثُمَّ كَأَنَّهُ قِيلَ : " مَاذَا لَهُمْ " . أَوْ : " مَا ذَاكَ " ؟ فَقَالَ : هُوَ " جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " الْآيَةَ . [6/261]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مِنْ جَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ : " بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ " وَالْخَبَرَ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ عَمَّنْ لَهُ الْجَنَّاتُ بِقَوْلِهِ : " لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ " فَيَكُونُ مَخْرَجُ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، وَهُوَ إِبَانَةٌ عَنْ مَعْنَى " الْخَيْرِ " الَّذِي قَالَ : أَؤُنَبِّئُكُمْ بِهِ ؟ فَلَا يَكُونُ بِالْكَلَامِ حِينَئِذٍ حَاجَةً إِلَى ضَمِيرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " خَالِدِينَ فِيهَا " فَمَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لِلَّذِينِ اتَّقَوْا " لِلَّذِينِ خَافُوا اللَّهَ فَأَطَاعُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ . " عِنْدَ رَبِّهِمْ " يَعْنِي بِذَلِكَ : لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . " وَالْجَنَّاتُ " الْبَسَاتِينُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ فِيمَا مَضَى وَأَنَّ قَوْلَهُ : " تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " يَعْنِي بِهِ : مِنْ تَحْتِ الْأَشْجَارِ ، وَأَنَّ " الْخُلُودَ " فِيهَا دَوَامُ الْبَقَاءِ فِيهَا ، وَأَنَّ " الْأَزْوَاجَ الْمُطَهَّرَةَ " هُنَّ نِسَاءُ الْجَنَّةِ اللَّوَاتِي طُهِّرْنَ مِنْ كُلِّ [6/262]أَذًى يَكُونُ بِنِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مِنَ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالنِّفَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُهُ : " وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ " يَعْنِي : وَرِضَى اللَّهِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " رَضِيَ اللَّهُ عَنْ فُلَانٍ فَهُوَ يَرْضَى عَنْهُ رِضًى " مَنْقُوصٌ " وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاةً " . فَأَمَّا " الرُّضْوَانُ " بِضَمِّ الرَّاءِ ، فَهُوَ لُغَةُ قَيْسٍ ، وَبِهِ كَانَ عَاصِمُ يَقْرَأُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِيمَا ذَكَرَ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ رِضْوَانِهِ ، لِأَنَّ رِضْوَانَهُ أَعْلَى مَنَازِلَ كَرَامَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، كَمَا : -
6751 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا ! فَيَقُولُونَ : أَيْ رَبَّنَا ، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : رِضْوَانِي .
وَقَوْلُهُ : " وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاللَّهُ ذُو بَصَرٍ بِالَّذِي يَتَّقِيهِ مِنْ عِبَادِهِ فَيَخَافُهُ ، فَيُطِيعُهُ ، وَيُؤْثِرُ مَا عِنْدَهُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِلَّذِينِ اتَّقَوْهُ عَلَى حُبِّ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ وَسَائِرِ مَا عَدَّدَ مِنْهَا تَعَالَى [6/263]ذِكْرُهُ وَبِالَّذِي لَا يَتَّقِيهِ فَيَخَافُهُ ، وَلَكِنَّهُ يَعْصِيهِ وَيُطِيعُ الشَّيْطَانَ وَيُؤْثِرُ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُبِّ شَهْوَةِ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ وَالْأَمْوَالِ ، عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ عَالِمٌ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلَّهُمْ عِنْدَ مَعَادِهِمْ إِلَيْهِ جَزَاءَهُمْ ، الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ .
تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ