تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ "

ج 6
ص 223

الآية المفسَّرة

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 223

النص

[6/223]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 11 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا عِنْدَ حُلُولِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ ، كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَعَادَتِهِمْ " وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حِينَ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ، كَالَّذِينِ عُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رَبَّهُمْ مِنْ قِبَلِ آلِ فِرْعَوْنَ : مِنْ قَوْمِ نُوحٍ (نبي)وَقَوْمِ هُودٍ (نبي)وَقَوْمِ لُوطٍ (نبي)وَأَمْثَالِهِمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : كَسُنَّتِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6659 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " يَقُولُ : كَسُنَّتِهِمْ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : كَعَمَلِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6660 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمِّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ [6/224]وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " قَالَ : كَعَمَلِ آلِ فِرْعَوْنَ .
6661 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " قَالَ : كَعَمَلِ آلِ فِرْعَوْنَ .
6662 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " قَالَ : كَفِعْلِهِمْ ، كَتَكْذِيبِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ [ سُورَةُ غَافِرٍ : 31 ] ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . قَالَ : الدَّأْبُ الْعَمَلُ .
6663 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تَمِيلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " قَالَ : كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ ، كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ .
6664 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ " قَالَ : كَصُنْعِ آلِ فِرْعَوْنَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَتَكْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6665 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ " ذَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَفْعَالَ تَكْذِيبِهِمْ ، كَمَثَلِ تَكْذِيبِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْجُحُودِ وَالتَّكْذِيبِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " الدَّأْبِ " مِنْ : " دَأَبْتُ فِي الْأَمْرِ دَأْبًا " إِذَا أَدْمَنْتُ [6/225]الْعَمَلَ وَالتَّعَبَ فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ نَقَلَتْ مَعْنَاهُ إِلَى الشَّأْنِ ، وَالْأَمْرِ ، وَالْعَادَةِ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ :
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " كَدَأْبِكَ " كَشَأْنِكَ وَأَمْرِكَ وَفِعْلِكَ . يُقَالُ مِنْهُ : " هَذَا دَأْبِي وَدَأْبُكَ أَبَدًا " . يَعْنِي بِهِ فِعْلِي وَفِعْلَكَ ، وَأَمْرِي وَأَمْرَكَ ، وَشَأْنِي وَشَأْنَكَ ، يُقَالُ مِنْهُ : " دَأَبْتُ دُؤُوبًا وَدَأْبًا " . وَحُكِي عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا : " دَأَبْتُ دَأَبًا " مُثَقَّلَةٌ مُحَرِّكَةُ الْهَمْزَةِ ، كَمَا قِيلَ : " هَذَا شَعَرٌ ، وَنَهَرٌ " فَتَحَرَّكَ ثَانِيهِ لِأَنَّهُ حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ السِّتَّةِ ، فَأَلْحَقُ " الدَّأْبُ " إِذْ كَانَ ثَانِيَهِ مِنَ الْحُرُوفِ السِّتَّةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَهُ نَعَلٌ لَا تَطَّبِي الْكَلْبَ رِيحُهَا وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْنَ الْمَجَالِسِ شُمَّتِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَاللَّهُ شَدِيدٌ عِقَابُهُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ .