تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ "

ج 6
ص 166

الآية المفسَّرة

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 166

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ( 6 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : اللَّهُ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فَيَجْعَلُكُمْ صُوَرًا أَشْبَاحًا فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ ، فَيَجْعَلُ هَذَا ذَكَرًا وَهَذَا أُنْثَى ، وَهَذَا أَسْوَدَ وَهَذَا أَحْمَرَ . يُعَرِّفُ عِبَادَهُ بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ النِّسَاءِ مِمَّنْ صَوَّرَهُ وَخَلَقَهُ كَيْفَ شَاءَ وَأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)مِمَّنْ صَوَّرَهُ فِي [6/167]رَحِمِ أُمِّهِ وَخَلَقَهُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ رَحِمُ أُمِّهِ ، لَأَنَّ خَلَّاقَ مَا فِي الْأَرْحَامِ لَا تَكُونُ الْأَرْحَامُ عَلَيْهِ مُشْتَمِلَةٌ ، وَإِنَّمَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ ، كَمَا : -
6567 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " أَيْ : قَدْ كَانَ عِيسَى (نبي)مِمَّنْ صُوِّرَ فِي الْأَرْحَامِ ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ ، كَمَا صُوِّرَ غَيْرُهُ مِنْ بَنِي آدَمَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ ؟
6568 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ : " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " أَيْ : أَنَّهُ صَوَّرَ عِيسَى (نبي)فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ .
قَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : -
6569 - حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ : " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الْأَرْحَامِ طَارَتْ فِي الْجَسَدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يُخْلَقَ ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُهَا . فَيَأْتِي الْمَلَكُ بِتُرَابٍ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ، فَيَخْلِطُهُ فِي الْمُضْغَةِ ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِهَا ، ثُمَّ يُصَوِّرُهَا كَمَا يُؤْمَرُ ، فَيَقُولُ : أَذَكُرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌ أَوْ سَعِيدٌ ، وَمَا رَزَقُهُ ؟ وَمَا عُمْرُهُ ؟ وَمَا أَثَرُهُ ؟ [6/168]وَمَا مَصَائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ . فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الْجَسَدُ ، دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرَابُ .
6570 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا أَنْ يُصَوِّرَ عِبَادَهُ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ ، تَامٌّ خَلْقُهُ وَغَيْرُ تَامٍّ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ تَنْزِيهٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَفْسَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ نِدٌّ أَوْ مِثْلٌ ، أَوْ أَنْ تَجُوزَ الْأُلُوهَةُ لِغَيْرِهِ وَتَكْذِيبٌ مِنْهُ لِلَّذِينِ قَالُوا فِي عِيسَى (نبي)مَا قَالُوا مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ (مكان)الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَائِرِ مَنْ كَانَ عَلَى مَثَلِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي عِيسَى ، (نبي)وَلِجَمِيعِ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا ، أَوْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ غَيْرِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - خَلْقَهُ بِصِفَتِهِ ، وَعِيدًا مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ أَوْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدًا سِوَاهُ ، فَقَالَ : " هُوَ الْعَزِيزُ " الَّذِي لَا يَنْصُرُ مَنْ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْهُ وَأْلٌ وَلَا لَجَأٌ ، وَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ الَّتِي يَذِلُّ لَهَا كُلُّ مَخْلُوقٍ ، وَيَخْضَعُ لَهَا كُلُّ مَوْجُودٍ . ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ " الْحَكِيمُ " [6/169]فِي تَدْبِيرِهِ وَإِعْذَارِهِ إِلَى خَلْقِهِ ، وَمُتَابَعَةِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ ، لِيَهْلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، كَمَا : -
6571 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي الرَّبَّ - عَزَّ وَجَلَّ - - إِنْزَاهًا لِنَفْسِهِ وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ : " لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " قَالَ : الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إِذَا شَاءَ ، وَالْحَكِيمُ فِي عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ إِلَى عِبَادِهِ .
6572 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " يَقُولُ : عَزِيزٌ فِي نِقْمَتِهِ ، حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ .