تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ "

ج 6
ص 162

الآية المفسَّرة

مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْـزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 162

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَنْـزَلَ الْفُرْقَانَ ( 4 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذَلِكَ : وَأَنْزَلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَحْزَابُ وَأَهْلُ الْمِلَلِ فِي أَمْرِ عِيسَى (نبي)وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ " الْفُرْقَانَ " إِنَّمَا هُوَ " الْفُعْلَانُ " مِنْ قَوْلِهِمْ : " فَرَقَ اللَّهُ [6/163]بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ " فَصَلَ بَيْنِهِمَا بِنَصْرِهِ الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ ، إِمَّا بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ ، وَإِمَّا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِالْأَيْدِ وَالْقُوَّةِ .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى (نبي)وَبَعْضَهُمْ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : " الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى (نبي)وَالْأَحْزَابِ " :
6561 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ " أَيِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى (نبي)وَغَيْرِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : " الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي الْأَحْكَامِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ " :
6562 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ " هُوَ الْقُرْآنُ ، أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، (نبي)وَفَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَأَحَلَّ فِيهِ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامَهُ ، وَشَرَعَ فِيهِ شَرَائِعَهُ ، وَحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ ، وَفَرَضَ فِيهِ فَرَائِضَهُ ، وَبَيَّنَ فِيهِ بَيَانَهُ ، وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ .
6563 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ " قَالَ : الْفُرْقَانُ ، الْقُرْآنُ ، فَرَقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . [6/164]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ ، أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَأَنَّ يَكُونَ مَعْنَى " الْفُرْقَانِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَصْلَ اللَّهِ بَيْنَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي أَمْرِ عِيسَى ، (نبي)وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ ، بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ وَعُذْرَ نُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ الْقُرْآنَ - قَبْلَ إِخْبَارِهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - قَدْ مَضَى بِقَوْلِهِ : " نَـزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ " . وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ " الْكِتَابَ " هُوَ الْقُرْآنُ لَا غَيْرُهُ ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَكْرِيرِهِ ، لَيْسَتْ فِي ذِكْرِهِ إِيَّاهُ وَخَبَرِهِ عَنْهُ ابْتِدَاءً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 4 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا أَعْلَامَ اللَّهِ وَأَدِلَّتَهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ ، وَأَنَّ عِيسَى (نبي)عَبْدٌ لَهُ ، وَاتَّخَذُوا الْمَسِيحَ إِلَهًا وَرَبًّا أَوِ ادَّعَوْهُ لِلَّهِ وَلَدًا لَهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَ " الَّذِينَ كَفَرُوا " هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا آيَاتِ اللَّهِ وَ " آيَاتُ اللَّهِ " أَعْلَامُ اللَّهِ وَأَدِلَّتُهُ وَحُجَجُهُ . [6/165]
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ " أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ الْفَصْلُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ " يَعْنِي : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا ذَلِكَ الْفَصْلَ وَالْفُرْقَانَ الَّذِي أَنْزَلَهُ فَرْقًا بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ " لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ " وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ عَانَدَ الْحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ ، وَخَالَفَ سَبِيلَ الْهُدَى بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ " عَزِيزٌ " فِي سُلْطَانِهِ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِمَّنْ أَرَادَ عَذَابَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَانِدَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَأَنَّهُ " ذُو انْتِقَامٍ " مِمَنْ جَحَدَ حُجَجَهُ وَأَدِلَّتَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا عَلَيْهِ ، وَبَعْدَ وُضُوحِهَا لَهُ وَمَعْرِفَتِهِ بِهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6564 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ " أَيْ إِنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا .
6565 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .