تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ "

ج 6
ص 147

الآية المفسَّرة

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 6 · ص 147

النص

[6/147][6/148][6/149]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ : الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ( 1 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : " الم " فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَذَلِكَ الْبَيَانُ عَنْ قَوْلِهِ : " اللَّهُ " .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ خَاصَّةٌ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ إِلَّا لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَتَوَحُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ فَمِلْكُهُ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَخَلْقُهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي سُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ احْتِجَاجًا مِنْهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَلَيْهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزَةٍ لَهُمْ عِبَادَةُ غَيْرِهِ ، وَلَا إِشْرَاكُ أَحَدٍ مَعَهُ فِي سُلْطَانِهِ ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَمِلْكُهُ ، وَكُلُّ مُعَظَّمٍ غَيْرُهُ فَخَلْقُهُ ، وَعَلَى الْمَمْلُوكِ إِفْرَادُ الطَّاعَةِ لِمَالِكِهِ ، وَصَرْفُ خِدْمَتِهِ إِلَى مَوْلَاهُ وَرَازِقِهِ [6/150]وَمُعَرِّفًا مَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ - يَوْمَ أَنْزَلَ ذَلِكَ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَنْزِيلِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَإِرْسَالِهِ بِهِ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - مُقِيمًا عَلَى عِبَادَةِ وَثَنٍ أَوْ صَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ إِنْسِيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَنُو آدَمَ مُقِيمَةً عَلَى عِبَادَتِهِ وَإِلَاهَتِهِ ، وَمُتَّخِذَهُ دُونَ مَالِكِهِ وَخَالِقِهِ إِلَهًا وَرَبًّا أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَمُنْعَدِلٌ عَنِ الْمَحَجَّةِ ، وَرَاكِبٌ غَيْرَ السَّبِيلِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، بِصَرْفِهِ الْعِبَادَةَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلَا أَحَدَ لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ غَيْرُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ ابْتَدَأَ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ فَاتِحَتَهَا بِالَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ : مِنْ نَفْيِ " الْأُلُوهِيَّةِ " أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ ، وَوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالَّذِي وَصَفَهَا بِهِ فِي ابْتِدَائِهَا ؛ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّصَارَى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَجْرَانَ فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى (نبي)- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَأَلْحَدُوا فِي اللَّهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ عِيسَى (نبي)مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِهَا ، احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مَثَلِ مَقَالَتِهِمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَوْا إِلَّا الْمُقَامَ عَلَى [6/151]ضَلَالَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ ، فَأَبَوْا ذَلِكَ ، وَسَأَلُوا قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ ، فَقَبِلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ ، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ .
غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ - وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِالْحِجَاجِ - فَإِنَّ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ مَعَنَاهُمْ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، وَاتِّخَاذِ مَا سِوَى اللَّهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَمَعْبُودًا مَعْمُومُونَ بِالْحُجَّةِ الَّتِي حَجَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا مَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهِ ، وَمَحْجُوجُونَ فِي الْفُرْقَانِ الَّذِي فَرَقَ بِهِ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي نُزُولِ افْتِتَاحِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهُ نَزَلَ فِي الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ مِنَ النَّصَارَى : -
6543 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدُ نَجْرَانَ (مكان): سِتُّونَ رَاكِبًا فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ ، فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ : " الْعَاقِبُ " أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ ، وَالَّذِي لَا يُصْدِرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ ، وَاسْمُهُ " عَبْدُ الْمَسِيحِ " وَ " السَّيِّدُ " ثِمَالُهُمْ وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ ، وَاسْمُهُ " الْأَيْهَمُ " وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَسْقُفُّهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ . وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ ؛ لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ . [6/152]قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ (مكان)فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ ، فِي [ جِمَالِ رِجَالِ ] بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمئِذٍ : مَا رَأَيْنَا بِعَدَهُمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ ! وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (مكان)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دَعُوهُمْ ، فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ .
قَالَ : وَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَئُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ : " الْعَاقِبُ " وَهُوَ " عَبْدُ الْمَسِيحِ " وَالسَّيِّدُ ، وَهُوَ " الْأَيْهَمُ " " وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ " أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَأَوْسٌ ، وَالْحَارِثُ ، وَزَيْدٌ ، وَقَيْسٌ ، وَيَزِيدُ ، وَنُبَيْهٌ ، وَخُوَيْلِدٌ ، وَعَمْرٌو ، وَخَالِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ . وَيُحَنَّسُ : فِي سِتِّينَ رَاكِبًا . فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ : " أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ " ، وَ " الْعَاقِبُ " عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَ " الْأَيْهَمُ " السَّيِّدُ ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافٍ مِنْ أَمْرِهِمْ . يَقُولُونَ : " هُوَ اللَّهُ " وَيَقُولُونَ : " هُوَ وَلَدُ اللَّهِ " وَيَقُولُونَ : " هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ .
فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : " هُوَ اللَّهُ " بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ ؛ لِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ . [6/153]
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : " إِنَّهُ وَلَدُ اللَّهِ " أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : " لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعَلِّمُ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ ، شَيْءٌ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ " .
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : " إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " فَعَلْنَا ، وَأَمَرْنَا ، وَخَلَقْنَا ، وَقَضَيْنَا " . فَيَقُولُونَ : " لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ : إِلَّا " فَعَلْتُ ، وَأَمَرْتُ وَقَضَيْتُ ، وَخَلَقْتُ " وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى (نبي)وَمَرْيَمُ " .
فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ قَوْلَهُمْ .
فَلَّمَا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَسْلِمَا . قَالَا : قَدْ أَسْلَمْنَا . قَالَ : إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا ، فَأَسْلِمَا . قَالَا : بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ . قَالَ : كَذَبْتُمَا ، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَدًا ، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ . قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ ؟ (نبي)فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلِّهُ صَدْرَ " سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ " إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا . فَقَالَ : " الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "
، فَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَبْرِئَتِهِ نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا قَالُوا ، وَتَوْحِيدِهِ إِيَّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ رَدًّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنَ الْكُفْرِ ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَاحْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ ؛ لِيُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ ، فَقَالَ : " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " أَيْ : لَيْسَ مَعَهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ . [6/154]
6544 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قَالَ : إِنَّ النَّصَارَى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَاصَمُوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (نبي)وَقَالُوا لَهُ : مَنْ أَبُوهُ ؟ وَقَالُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ - لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا - فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، وَأَنَّ عِيسَى (نبي)يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى (نبي)مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسَى (نبي)مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى (نبي)فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ وَلَا يُحْدِثُ الْحَدَثَ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى (نبي)حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا ، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيُّ ، ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ ، وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ وَيُحْدِثُ الْحَدَثَ ؟ قَالُوا بَلَى . قَالَ : فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ ؟ قَالَ : فَعَرَفُوا ، ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا جُحُودًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "
[6/155]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ ( الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمَا : الْحَيُّ الْقَيَّامُ .
وَذُكِرَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : الْحَيُّ الْقَيِّمُ .
6545 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقْرَأُ : " الْحَيُّ الْقَيِّمُ " .
قُلْتُ : أَنْتَ سَمِعْتُهُ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .
6546 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَا : -
6547 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَرَأَ : " الْحَيُّ الْقَيَّامُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، مَا جَاءَتْ بِهِ قَرَأَةُ الْمُسْلِمِينَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا - عَنْ غَيْرِ تَشَاعُرٍ وَلَا تَوَاطُؤٍ - وِرَاثَةً ، وَمَا كَانَ مُثْبَتًا فِي مَصَاحِفِهِمْ ، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " .
[6/156]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( الْحَيُّ ) "
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " الْحَيُّ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ ، وَنَفَى الْمَوْتَ - الَّذِي يَجُوزُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ - عَنْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6548 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " الْحَيُّ " الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى (نبي)وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ يَعْنِي فِي قَوْلِ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ (مكان).
6549 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " الْحَيُّ " قَالَ : يَقُولُ : حَيٌّ لَا يَمُوتُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " الْحَيُّ " الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ : أَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ لَهُ تَدْبِيرُ كُلِّ مَا أَرَادَ وَشَاءَ ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَنْ لَا تَدْبِيرَ لَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ الَّتِي لَمْ تَزَلْ لَهُ صِفَةً ، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ . وَقَالُوا : إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّ لَهُ حَيَاةً كَمَا وَصَفَهَا [6/157]بِالْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ لَهَا عِلْمًا ، وَبِالْقُدْرَةِ ؛ لِأَنَّ لَهَا قُدْرَةً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا فَنَاءَ لَهَا وَلَا انْقِطَاعَ ، وَنَفَى عَنْهَا مَا هُوَ حَالٌّ بِكُلِّ ذِي حَيَاةٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْفَنَاءِ وَانْقِطَاعِ الْحَيَاةِ عِنْدَ مَجِيءِ أَجَلِهِ . فَأَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ عَلَى خَلْقِهِ الْعِبَادَةَ وَالْأُلُوهَةَ ، وَالْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلَا يَبِيدُ ، كَمَا يَمُوتُ كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ رَبًّا ، وَيَبِيدُ كُلُّ مَنِ ادَّعَى مَنْ دُونِهِ إِلَهًا . وَاحْتَجَّ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنَّ مَنْ كَانَ يَبِيدُ فَيَزُولُ وَيَمُوتُ فَيَفْنَى ، فَلَا يَكُونُ إِلَهًا يَسْتَوْجِبُ أَنْ يُعْبَدَ دُونَ الْإِلَهِ الَّذِي لَا يَبِيدُ وَلَا يَمُوتُ ، وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلَا يَبِيدُ وَلَا يَفْنَى ، وَذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( الْقَيُّومُ )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْقَرَأَةِ فِي ذَلِكَ ، وَالَّذِي نَخْتَارُ مِنْهُ ، وَمَا الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ .
فَأَمَّا تَأْوِيلُ جَمِيعِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَرَأَةَ قَرَأَتْ بِهَا فَمُتَقَارِبٌ . وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ : الْقَيِّمُ بِحِفْظِ كُلِّ شَيْءٍ وَرِزْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ مِنْ تَغْيِيرٍ وَتَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ كَمَا : -
6550 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قَالَ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . [6/158]
6551 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6552 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " الْقَيُّومُ " قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : الْقِيَامُ عَلَى مَكَانِهِ " . وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْقِيَامِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا زَوَالَ مَعَهُ وَلَا انْتِقَالَ ، وَأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّرَ وَالتَّنَقُّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ، وَحُدُوثَ التَّبَدُّلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْآدَمِيِّينَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ غَيْرِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6553 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " الْقَيُّومُ " الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى (نبي)فِي قَوْلِهِمْ يَعْنِي فِي قَوْلِ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ حَاجُّوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ (مكان)فِي عِيسَى (نبي)عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ ، وَذَهَبَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ كُلِّ شَيْءٍ ، فِي رِزْقِهِ وَالدَّفْعِ عَنْهُ ، وَكِلَاءَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَصَرْفِهِ فِي قُدْرَتِهِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : " فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : الْمُتَوَلِّي تَدْبِيرَ أَمْرِهَا . [6/159]
فَ " الْقَيُّومُ " إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ " الْفَيْعُولُ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " اللَّهُ يَقُومُ بِأَمْرِ خَلْقِهِ " . وَأَصْلُهُ " الْقَيْوُومُ " غَيْرَ أَنَّ " الْوَاوَ " الْأُولَى مِنَ " الْقَيْوُومِ " لَمَّا سَبَقَتْهَا " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ قُلِبَتْ " يَاءً " فَجُعِلَتْ هِيَ وَ " الْيَاءُ " الَّتِي قَبْلَهَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ بِ " الْوَاوِ " الْمُتَحَرِّكَةِ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ .
وَأَمَّا " الْقَيَّامُ " فَإِنَّ أَصْلَهُ " الْقَيْوَامُ " وَهُوَ " الْفَيْعَالُ " مِنْ " قَامَ يَقُومُ " سَبَقَتِ " الْوَاوَ " الْمُتَحَرِّكَةَ مِنْ " قَيْوَامٍ " " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ ، فَجُعِلَتَا جَمِيعًا " يَاءً " مُشَدَّدَةً .
وَلَوْ أَنَّ " الْقَيُّومَ " " فَعُولٌ " كَانَ " الْقَوُّومَ " وَلَكِنَّهُ " الْفَيْعُولُ " . وَكَذَلِكَ " الْقَيَّامُ " لَوْ كَانَ " الْفَعَّالُ " لَكَانَ " الْقَوَّامُ " كَمَا قِيلَ : " الصَّوَّامُ وَالْقَوَّامُ " وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 8 ] ، وَلَكِنَّهُ " الْفَيْعَالُ " فَقِيلَ : " الْقَيَّامُ " .
وَأَمَّا " الْقَيِّمُ " فَهُوَ " الْفَيْعِلُ " مِنْ " قَامَ يَقُومُ " سَبَقَتِ " الْوَاوَ " الْمُتَحَرِّكَةَ " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ فَجُعِلَتَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً ، كَمَا قِيلَ : " فُلَانٌ سَيِّدُ قَوْمِهِ " مِنْ " سَادَ يَسُودُ " وَ " هَذَا طَعَامٌ جَيِّدٌ " مِنْ " جَادَ يَجُودُ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ ، فَكَانَ " الْقَيُّومُ " وَ " الْقَيَّامُ " وَ " الْقَيِّمُ " أَبْلَغَ فِي الْمَدْحِ مِنَ " الْقَائِمِ " وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْتَارُ قِرَاءَتَهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - " الْقَيَّامُ " ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَالِبُ عَلَى مَنْطِقِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي ذَوَاتِ الثَّلَاثَةِ مِنَ " الْيَاءِ " " الْوَاوِ " فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الصَّوَّاغِ : [6/160]" الصَّيَّاغُ " وَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الْكَثِيرِ الدَّوْرَانِ : " الدَّيَّارُ " . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [ سُورَةُ نُوحٍ : 26 ] إِنَّمَا هُوَ " دَوَّارٌ " " فَعَّالًا " مِنْ " دَارَ يَدُورُ " وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأُقِرَّتْ كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ .