النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ( 286 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا فَيَتَعَبَّدَهَا إِلَّا بِمَا يَسَعُهَا ، فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا وَلَا يَجْهَدُهَا . [6/130]
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ " الْوُسْعَ " اسْمٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْرُ " مِثْلَ " الْجُهْدِ " وَ " الْوَجْدِ " مِنْ : " جَهَدَنِي هَذَا الْأَمْرُ " وَ " وَجَدْتُ مِنْهُ " كَمَا : -
6502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ ، فَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 78 ] ، وَقَالَ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 185 ] ، وَقَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ سُورَةُ التَّغَابُنِ : 16 ] .
6503 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ، ضَجَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهَا ضَجَّةً وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا نَتُوبُ مِنْ عَمَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ ! كَيْفَ نَتُوبُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ ؟ كَيْفَ نَمْتَنِعُ مِنْهَا ؟ فَجَاءَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذِهِ الْآيَةِ " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَمْتَنِعُوا مِنَ الْوَسْوَسَةِ .
6504 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " وُسْعُهَا طَاقَتُهَا . وَكَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ مِمَّا لَمْ يُطِيقُوا .
[6/131]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " لَهَا " لِلنَّفْسِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهَا إِلَّا وُسْعُهَا . يَقُولُ : لِكُلِّ نَفْسٍ مَا اجْتَرَحَتْ وَعَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا " يَعْنِي : وَعَلَى كُلِّ نَفْسٍ " مَا اكْتَسَبَتْ " مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ ، كَمَا : -
6505 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ " أَيْ : مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " أَيْ : مِنْ شَرٍّ - أَوْ قَالَ : مِنْ سُوءٍ .
6506 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ . عَنِ السُّدِّيِّ . " لَهَا مَا كَسَبَتْ " يَقُولُ : مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " يَقُولُ : وَعَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ .
6507 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
6508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " عَمَلُ الْيَدِ وَالرِّجُلِ وَاللِّسَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا يَسَعُهَا فَلَا يُجْهِدُهَا ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا ، فَيُؤَاخِذُهَا بِهِمَّةٍ إِنْ هَمَّتْ ، وَلَا بِوَسْوَسَةٍ إِنْ عَرَضَتْ لَهَا ، وَلَا بِخَطِرَةٍ إِنْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهَا .
[6/132]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءَهُ كَيْفَ يَدْعُونَهُ ، وَمَا يَقُولُونَهُ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُ . وَمَعْنَاهُ : قُولُوا : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا " شَيْئًا فَرَضْتَ عَلَيْنَا عَمَلَهُ فَلَمْ نَعْمَلْهُ " أَوْ أَخْطَأَنَا " فِي فِعْلِ شَيْءٍ نَهَيْتَنَا عَنْ فِعْلِهِ فَفَعَلْنَاهُ ، عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنَّا إِلَى مَعْصِيَتِكَ ، وَلَكِنْ عَلَى جَهَالَةٍ مِنَّا بِهِ وَخَطَأٍ ، كَمَا : -
6509 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذُنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " إِنْ نَسِينَا شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضْتَهُ عَلَيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، [ فَأَصَبْنَا ] شَيْئًا مِمَّا حَرَّمْتَهُ عَلَيْنَا .
6510 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا .
6511 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقُلْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي). [6/133]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخِذَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، فَيَسْأَلُوهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ بِذَلِكَ ؟
قِيلَ : إِنَّ " النِّسْيَانَ " عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنَ الْعَبْدِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَالْآخِرُ عَلَى وَجْهِ عَجْزِ النَّاسِي عَنْ حِفْظِ مَا اسْتُحْفِظَ وَوُكِّلَ بِهِ ، وَضَعْفِ عَقْلِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ .
فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنْهُ وَالتَّفْرِيطِ ، فَهُوَ تَرْكٌ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَذَلِكَ الَّذِي يُرَغِّبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي تَرْكِهِ مُؤَاخَذَتَهُ بِهِ ، وَهُوَ " النِّسْيَانُ " الَّذِي عَاقَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ آدَمَ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [ سُورَةُ طه : 115 ] ، وَهُوَ " النِّسْيَانُ " الَّذِي قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 51 ] . فَرَغْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فِيمَا كَانَ مِنْ نِسْيَانٍ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفْنَا ، مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ فِيهِ وَتَضْيِيعًا كُفْرًا بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كُفْرًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي تَرْكِهِ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمُ الشِّرْكَ بِهِ ، فَمَسْأَلَتُهُ فِعْلَ مَا قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ خَطَأٌ . وَإِنَّمَا تَكُونُ مَسْأَلَتُهُ الْمَغْفِرَةَ فِيمَا كَانَ مِنْ مِثْلِ نِسْيَانِهِ الْقُرْآنَ بَعْدَ حِفْظِهِ بِتَشَاغُلِهِ عَنْهُ وَعَنْ قِرَاءَتِهِ ، وَمِثْلَ نِسْيَانِهِ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا حَتَّى ضَيَّعَهُمَا .
وَأَمَّا الَّذِي الْعَبْدُ بِهِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ مَا وُكِّلَ بِمُرَاعَاتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَهُوَ بِهِ غَيْرُ آثِمٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ لَهُ ، لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْهُ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِذَنْبٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَمْرِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ وَحِفْظِهِ ، كَالرَّجُلِ [6/134]يَحْرِصُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ بِجِدٍّ مِنْهُ فَيَقْرَأُهُ ، ثُمَّ يَنْسَاهُ بِغَيْرِ تَشَاغُلٍ مِنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنْ بِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ ذِكْرَ مَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنْهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ النِّسْيَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَجُوزُ مَسْأَلَةُ الرَّبِّ مَغْفِرَتَهُ ، لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَيَغْفِرُ لَهُ بِاكْتِسَابِهِ .
وَكَذَلِكَ " الْخَطَأُ " وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : مِنْ وَجْهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْدُ فَيَأْتِيهِ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَةٍ ، فَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْهُ ، وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذٌ . يُقَالُ مِنْهُ : " خُطِّئَ فُلَانٌ وَأَخْطَأَ " فِيمَا أَتَى مِنَ الْفِعْلِ ، وَ " أَثِمَ " إِذَا أَتَى مَا يَأْثَمُ فِيهِ وَرَكِبَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
النَّاسُ يَلْحَوْنَ الْأَمِيرِ إِذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ
يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَابَ ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي يُرْغَبُ الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ فِي صَفْحِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إِثْمٍ عَنْهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِهِ ، وَالظَّنِّ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ فِعْلَهُ كَالَّذِي يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ أَوْ يُؤَخِّرْ [6/135]صَلَاةً فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهَا دُخُولَ وَقْتِهَا ، فَيَخْرُجُ وَقْتَهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتَهَا لَمْ يَدْخُلْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ عِبَادِهِ الْإِثْمَ فِيهِ ، فَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِهِ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالْخُضُوعِ بِالْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَتِهِ الصَّفْحَ ، فَمَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُمْ
وَلِلْبَيَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ كِتَابٌ سَنَأْتِي فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُولُوا : " رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " يَعْنِي بِ " الْإِصْرِ " الْعَهْدَ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 81 ] . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا وَلَا تَحْمِلُ عَلَيْنَا عَهْدًا فَنَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ وَلَا نَسْتَطِيعُهُ " كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " يَعْنِي : عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كُلِّفُوا أَعْمَالًا وَأُخِذَتْ عُهُودُهُمْ وَمَوَاثِيقُهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهَا فَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ . فَعَلَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - الرَّغْبَةَ إِلَيْهِ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يُحَمِّلَهُمْ مِنْ عُهُودِهِ وَمَوَاثِيقِهِ عَلَى أَعْمَالٍ - إِنْ ضَيَّعُوهَا [6/136]أَوْ أَخْطَئُوا فِيهَا أَوْ نَسُوهَا - مِثْلَ الَّذِي حَمَّلَ مَنْ قَبْلَهُمْ ، فَيُحِلُّ بِهِمْ بِخَطَئِهِمْ فِيهِ وَتَضْيِيعِهِمْ إِيَّاهُ مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6512 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا عَهْدًا وَمِيثَاقًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا . يَقُولُ : كَمَا غُلِّظَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا .
6513 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا
6514 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا .
6515 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " إِصْرًا " يَقُولُ : عَهْدًا .
6516 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " وَالْإِصْرُ : الْعَهْدُ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْيَهُودِ .
6517 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا لَا نُطِيقُهُ وَلَا نَسْتَطِيعُ [6/137]الْقِيَامَ بِهِ " كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَأَهْلَكْتَهُمْ .
6518 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ : " إِصْرًا " قَالَ : الْمَوَاثِيقُ .
6519 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " الْإِصْرُ " الْعَهْدُ . وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 81 ] ، قَالَ : عَهْدِي .
6520 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ، قَالَ : عَهْدِي .
وَقَالَ آخَرُونَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذُنُوبًا وَإِثْمًا كَمَا حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ فَتَمْسَخُنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ كَمَا مَسَخْتَهُمْ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6521 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : لَا تَمْسَخْنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ .
6522 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذَنَبًا لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " مَعْنَى " الْإِصْرِ " بِكَسْرِ الْأَلِفِ : الثِّقْلِ " . [6/138]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6523 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " يَقُولُ : التَّشْدِيدُ الَّذِي شَدَّدَتَّهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
6524 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي مَالِكًا - عَنْ قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : الْإِصْرُ ، الْأَمْرُ الْغَلِيظُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا " الْأَصْرُ " بِفَتْحِ الْأَلِفِ : فَهُوَ مَا عَطَفَ الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رَحِمٍ أَوْ قُرَابَةٍ ، يُقَالُ : " أَصَرَتْنِي رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ عَلَيْهِ " بِمَعْنَى : عَطَفَتْنِي عَلَيْهِ . " وَمَا يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ " أَيْ : مَا يَعْطِفُنِي عَلَيْهِ . " وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ آصِرَةٌ رَحِمٌ تَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَصْرًا " يَعْنِي بِهِ : عَاطِفَةَ رَحِمٍ تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقُولُوا أَيْضًا : رَبَّنَا لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، لِثِقَلِ حَمْلِهِ عَلَيْنَا .
وَكَذَلِكَ كَانَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُونَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6525 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " تَشْدِيدٌ يُشَدِّدُ بِهِ ، كَمَا شَدَّدَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . [6/139]
6526 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : لَا تُحَمِّلْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ .
6527 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " لَا تَفْتَرَضْ عَلَيْنَا مِنَ الدِّينِ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فَنَعْجِزُ عَنْهُ .
6528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ .
6529 - حَدَّثَنِي سَلَامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُوخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَابُورَ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : الْغُلْمَةُ .
6530 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : وَلَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ إِنْ نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، وَأَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ إِصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، [6/140]فَكَانَ إِلْحَاقُ ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمُ التَّيْسِيرَ فِي الدِّينِ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - خَبَرًا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَيْسِيرَ فَرَائِضِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : " وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " لِأَنَّهُمْ عَقَّبُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : " وَاعْفُ عَنَّا " مَسْأَلَةً مِنْهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَعْفُوَ لَهُمْ عَنْ تَقْصِيرٍ إِنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنْهُ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ . وَإِنْ خَفَّ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ عَلَى أَبْدَانِهِمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6531 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَاعْفُ عَنَّا " قَالَ : اعْفُ عَنَّا إِنَّ قَصَّرْنَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ مِمَّا أَمَرْتَنَا بِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَاغْفِرْ لَنَا " يَعْنِي : وَاسْتُرْ عَلَيْنَا زَلَّةً إِنْ أَتَيْنَاهَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ، فَلَا تَكْشِفْهَا وَلَا تَفْضَحْنَا بِإِظْهَارِهَا .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى " الْمَغْفِرَةِ " فِيمَا مَضَى قَبْلُ . [6/141]
6532 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَاغْفِرْ لَنَا " إِنِ انْتَهَكْنَا شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتَنَا عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَارْحَمْنَا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تُنْجِينَا بِهَا مِنْ عِقَابِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ مِنْ عِقَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ إِيَّاهُ دُونَ عَمَلِهِ ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُنَا مُنْجِيَتَنَا إِنْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْنَا ، فَوَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا ، كَمَا : -
6533 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلَهُ : " وَارْحَمْنَا " قَالَ يَقُولُ : لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا أَمَرْتَنَا بِهِ ، وَلَا تَرْكَ مَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ . قَالَ : وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 286 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " أَنْتَ مَوْلَانَا " أَنْتَ وَلِيُّنَا بِنَصْرِكَ ، دُونَ مَنْ عَادَاكَ وَكَفَرَ بِكَ ، لِأَنَّا مُؤْمِنُونَ بِكَ ، وَمُطِيعُوكَ فِيمَا أَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا ، فَأَنْتَ وَلِيُّ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَعَدُوُّ مَنْ كَفَرَ بِكَ فَعَصَاكَ " فَانْصُرْنَا " لِأَنَّا حِزْبَكَ [6/142]" عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ ، وَعَبَدُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ دُونَكَ ، وَأَطَاعُوا فِي مَعْصِيَتِكَ الشَّيْطَانَ .
وَ " الْمَوْلَى " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ " الْمَفْعَلِ " مِنْ : " وَلِي فُلَانٌ أَمْرَ فُلَانٍ ، فَهُوَ يَلِيهِ وَلَايَةً ، وَهُوَ وَلِيُّهُ وَمَوْلَاهُ " . وَإِنَّمَا صَارَتِ " الْيَاءُ " مِنْ " وَلَّى " " أَلِفًا " لِانْفِتَاحِ " اللَّامِ " قَبْلَهَا ، الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ :
6534 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَا حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " قَالَ : قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَا أُحَمِّلُكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " وَاغْفِرْ لَنَا " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " وَارْحَمْنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قَدْ رَحِمْتُكُمْ " فَلَمَّا قَرَأَ : " وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قَدْ نَصَرْتُكُمْ عَلَيْهِمْ . [6/143]
6535 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)قُلْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : قُلْ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ : " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . [6/144]
6536 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)" رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي).
6537 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، مَوْلَى خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَرَأَ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ .
6538 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : نَعَمْ .
6539 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ [6/145]سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ . فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَوَاتِيمَ " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " وَلَمْ تُعْطَهَا الْأُمَمُ قَبْلَهَا .
6540 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " قَالَ : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِلَى قَوْلِهِ : " لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : لَا أُؤَاخِذُكُمْ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَغَفَرْتُ لَكُمْ ، وَرَحِمْتُكُمْ ، وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . [6/146]وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةٌ :
6541 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " : كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُ : سَلْهَا ! فَسَأَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاءَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً .
6542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : أَنَّ مُعَاذًا كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : " وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ : آمِينَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا فَيَتَعَبَّدَهَا إِلَّا بِمَا يَسَعُهَا ، فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا وَلَا يَجْهَدُهَا . [6/130]
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ " الْوُسْعَ " اسْمٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْرُ " مِثْلَ " الْجُهْدِ " وَ " الْوَجْدِ " مِنْ : " جَهَدَنِي هَذَا الْأَمْرُ " وَ " وَجَدْتُ مِنْهُ " كَمَا : -
6502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ ، فَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 78 ] ، وَقَالَ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 185 ] ، وَقَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ سُورَةُ التَّغَابُنِ : 16 ] .
6503 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ، ضَجَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهَا ضَجَّةً وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا نَتُوبُ مِنْ عَمَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ ! كَيْفَ نَتُوبُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ ؟ كَيْفَ نَمْتَنِعُ مِنْهَا ؟ فَجَاءَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذِهِ الْآيَةِ " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَمْتَنِعُوا مِنَ الْوَسْوَسَةِ .
6504 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " وُسْعُهَا طَاقَتُهَا . وَكَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ مِمَّا لَمْ يُطِيقُوا .
[6/131]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " لَهَا " لِلنَّفْسِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهَا إِلَّا وُسْعُهَا . يَقُولُ : لِكُلِّ نَفْسٍ مَا اجْتَرَحَتْ وَعَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا " يَعْنِي : وَعَلَى كُلِّ نَفْسٍ " مَا اكْتَسَبَتْ " مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ ، كَمَا : -
6505 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ " أَيْ : مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " أَيْ : مِنْ شَرٍّ - أَوْ قَالَ : مِنْ سُوءٍ .
6506 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ . عَنِ السُّدِّيِّ . " لَهَا مَا كَسَبَتْ " يَقُولُ : مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ " وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " يَقُولُ : وَعَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ .
6507 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
6508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " عَمَلُ الْيَدِ وَالرِّجُلِ وَاللِّسَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا يَسَعُهَا فَلَا يُجْهِدُهَا ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا ، فَيُؤَاخِذُهَا بِهِمَّةٍ إِنْ هَمَّتْ ، وَلَا بِوَسْوَسَةٍ إِنْ عَرَضَتْ لَهَا ، وَلَا بِخَطِرَةٍ إِنْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهَا .
[6/132]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءَهُ كَيْفَ يَدْعُونَهُ ، وَمَا يَقُولُونَهُ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُ . وَمَعْنَاهُ : قُولُوا : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا " شَيْئًا فَرَضْتَ عَلَيْنَا عَمَلَهُ فَلَمْ نَعْمَلْهُ " أَوْ أَخْطَأَنَا " فِي فِعْلِ شَيْءٍ نَهَيْتَنَا عَنْ فِعْلِهِ فَفَعَلْنَاهُ ، عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنَّا إِلَى مَعْصِيَتِكَ ، وَلَكِنْ عَلَى جَهَالَةٍ مِنَّا بِهِ وَخَطَأٍ ، كَمَا : -
6509 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذُنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " إِنْ نَسِينَا شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضْتَهُ عَلَيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، [ فَأَصَبْنَا ] شَيْئًا مِمَّا حَرَّمْتَهُ عَلَيْنَا .
6510 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا .
6511 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقُلْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي). [6/133]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخِذَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، فَيَسْأَلُوهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ بِذَلِكَ ؟
قِيلَ : إِنَّ " النِّسْيَانَ " عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنَ الْعَبْدِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَالْآخِرُ عَلَى وَجْهِ عَجْزِ النَّاسِي عَنْ حِفْظِ مَا اسْتُحْفِظَ وَوُكِّلَ بِهِ ، وَضَعْفِ عَقْلِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ .
فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنْهُ وَالتَّفْرِيطِ ، فَهُوَ تَرْكٌ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَذَلِكَ الَّذِي يُرَغِّبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي تَرْكِهِ مُؤَاخَذَتَهُ بِهِ ، وَهُوَ " النِّسْيَانُ " الَّذِي عَاقَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ آدَمَ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [ سُورَةُ طه : 115 ] ، وَهُوَ " النِّسْيَانُ " الَّذِي قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 51 ] . فَرَغْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فِيمَا كَانَ مِنْ نِسْيَانٍ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفْنَا ، مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ فِيهِ وَتَضْيِيعًا كُفْرًا بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كُفْرًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي تَرْكِهِ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمُ الشِّرْكَ بِهِ ، فَمَسْأَلَتُهُ فِعْلَ مَا قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ خَطَأٌ . وَإِنَّمَا تَكُونُ مَسْأَلَتُهُ الْمَغْفِرَةَ فِيمَا كَانَ مِنْ مِثْلِ نِسْيَانِهِ الْقُرْآنَ بَعْدَ حِفْظِهِ بِتَشَاغُلِهِ عَنْهُ وَعَنْ قِرَاءَتِهِ ، وَمِثْلَ نِسْيَانِهِ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا حَتَّى ضَيَّعَهُمَا .
وَأَمَّا الَّذِي الْعَبْدُ بِهِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ مَا وُكِّلَ بِمُرَاعَاتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَهُوَ بِهِ غَيْرُ آثِمٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ لَهُ ، لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْهُ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِذَنْبٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَمْرِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ وَحِفْظِهِ ، كَالرَّجُلِ [6/134]يَحْرِصُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ بِجِدٍّ مِنْهُ فَيَقْرَأُهُ ، ثُمَّ يَنْسَاهُ بِغَيْرِ تَشَاغُلٍ مِنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنْ بِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ ذِكْرَ مَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنْهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ النِّسْيَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَجُوزُ مَسْأَلَةُ الرَّبِّ مَغْفِرَتَهُ ، لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَيَغْفِرُ لَهُ بِاكْتِسَابِهِ .
وَكَذَلِكَ " الْخَطَأُ " وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : مِنْ وَجْهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْدُ فَيَأْتِيهِ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَةٍ ، فَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْهُ ، وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذٌ . يُقَالُ مِنْهُ : " خُطِّئَ فُلَانٌ وَأَخْطَأَ " فِيمَا أَتَى مِنَ الْفِعْلِ ، وَ " أَثِمَ " إِذَا أَتَى مَا يَأْثَمُ فِيهِ وَرَكِبَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
النَّاسُ يَلْحَوْنَ الْأَمِيرِ إِذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ
يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَابَ ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي يُرْغَبُ الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ فِي صَفْحِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إِثْمٍ عَنْهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِهِ ، وَالظَّنِّ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ فِعْلَهُ كَالَّذِي يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ أَوْ يُؤَخِّرْ [6/135]صَلَاةً فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهَا دُخُولَ وَقْتِهَا ، فَيَخْرُجُ وَقْتَهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتَهَا لَمْ يَدْخُلْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ عِبَادِهِ الْإِثْمَ فِيهِ ، فَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِهِ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالْخُضُوعِ بِالْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَتِهِ الصَّفْحَ ، فَمَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُمْ
وَلِلْبَيَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ كِتَابٌ سَنَأْتِي فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُولُوا : " رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " يَعْنِي بِ " الْإِصْرِ " الْعَهْدَ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 81 ] . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا وَلَا تَحْمِلُ عَلَيْنَا عَهْدًا فَنَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ وَلَا نَسْتَطِيعُهُ " كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " يَعْنِي : عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كُلِّفُوا أَعْمَالًا وَأُخِذَتْ عُهُودُهُمْ وَمَوَاثِيقُهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهَا فَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ . فَعَلَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - الرَّغْبَةَ إِلَيْهِ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يُحَمِّلَهُمْ مِنْ عُهُودِهِ وَمَوَاثِيقِهِ عَلَى أَعْمَالٍ - إِنْ ضَيَّعُوهَا [6/136]أَوْ أَخْطَئُوا فِيهَا أَوْ نَسُوهَا - مِثْلَ الَّذِي حَمَّلَ مَنْ قَبْلَهُمْ ، فَيُحِلُّ بِهِمْ بِخَطَئِهِمْ فِيهِ وَتَضْيِيعِهِمْ إِيَّاهُ مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6512 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا عَهْدًا وَمِيثَاقًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا . يَقُولُ : كَمَا غُلِّظَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا .
6513 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا
6514 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا .
6515 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " إِصْرًا " يَقُولُ : عَهْدًا .
6516 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " وَالْإِصْرُ : الْعَهْدُ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْيَهُودِ .
6517 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : عَهْدًا لَا نُطِيقُهُ وَلَا نَسْتَطِيعُ [6/137]الْقِيَامَ بِهِ " كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَأَهْلَكْتَهُمْ .
6518 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ : " إِصْرًا " قَالَ : الْمَوَاثِيقُ .
6519 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " الْإِصْرُ " الْعَهْدُ . وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 81 ] ، قَالَ : عَهْدِي .
6520 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ، قَالَ : عَهْدِي .
وَقَالَ آخَرُونَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذُنُوبًا وَإِثْمًا كَمَا حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ فَتَمْسَخُنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ كَمَا مَسَخْتَهُمْ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6521 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : لَا تَمْسَخْنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ .
6522 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذَنَبًا لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " مَعْنَى " الْإِصْرِ " بِكَسْرِ الْأَلِفِ : الثِّقْلِ " . [6/138]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6523 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " يَقُولُ : التَّشْدِيدُ الَّذِي شَدَّدَتَّهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
6524 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي مَالِكًا - عَنْ قَوْلِهِ : " وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا " قَالَ : الْإِصْرُ ، الْأَمْرُ الْغَلِيظُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا " الْأَصْرُ " بِفَتْحِ الْأَلِفِ : فَهُوَ مَا عَطَفَ الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رَحِمٍ أَوْ قُرَابَةٍ ، يُقَالُ : " أَصَرَتْنِي رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ عَلَيْهِ " بِمَعْنَى : عَطَفَتْنِي عَلَيْهِ . " وَمَا يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ " أَيْ : مَا يَعْطِفُنِي عَلَيْهِ . " وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ آصِرَةٌ رَحِمٌ تَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَصْرًا " يَعْنِي بِهِ : عَاطِفَةَ رَحِمٍ تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقُولُوا أَيْضًا : رَبَّنَا لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، لِثِقَلِ حَمْلِهِ عَلَيْنَا .
وَكَذَلِكَ كَانَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُونَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6525 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " تَشْدِيدٌ يُشَدِّدُ بِهِ ، كَمَا شَدَّدَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . [6/139]
6526 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : لَا تُحَمِّلْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ .
6527 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " لَا تَفْتَرَضْ عَلَيْنَا مِنَ الدِّينِ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فَنَعْجِزُ عَنْهُ .
6528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ .
6529 - حَدَّثَنِي سَلَامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُوخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَابُورَ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : الْغُلْمَةُ .
6530 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : وَلَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ إِنْ نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، وَأَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ إِصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، [6/140]فَكَانَ إِلْحَاقُ ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمُ التَّيْسِيرَ فِي الدِّينِ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - خَبَرًا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَيْسِيرَ فَرَائِضِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : " وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " لِأَنَّهُمْ عَقَّبُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : " وَاعْفُ عَنَّا " مَسْأَلَةً مِنْهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَعْفُوَ لَهُمْ عَنْ تَقْصِيرٍ إِنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنْهُ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ . وَإِنْ خَفَّ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ عَلَى أَبْدَانِهِمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6531 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَاعْفُ عَنَّا " قَالَ : اعْفُ عَنَّا إِنَّ قَصَّرْنَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ مِمَّا أَمَرْتَنَا بِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَاغْفِرْ لَنَا " يَعْنِي : وَاسْتُرْ عَلَيْنَا زَلَّةً إِنْ أَتَيْنَاهَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ، فَلَا تَكْشِفْهَا وَلَا تَفْضَحْنَا بِإِظْهَارِهَا .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى " الْمَغْفِرَةِ " فِيمَا مَضَى قَبْلُ . [6/141]
6532 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَاغْفِرْ لَنَا " إِنِ انْتَهَكْنَا شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتَنَا عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَارْحَمْنَا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تُنْجِينَا بِهَا مِنْ عِقَابِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ مِنْ عِقَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ إِيَّاهُ دُونَ عَمَلِهِ ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُنَا مُنْجِيَتَنَا إِنْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْنَا ، فَوَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا ، كَمَا : -
6533 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلَهُ : " وَارْحَمْنَا " قَالَ يَقُولُ : لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا أَمَرْتَنَا بِهِ ، وَلَا تَرْكَ مَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ . قَالَ : وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 286 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " أَنْتَ مَوْلَانَا " أَنْتَ وَلِيُّنَا بِنَصْرِكَ ، دُونَ مَنْ عَادَاكَ وَكَفَرَ بِكَ ، لِأَنَّا مُؤْمِنُونَ بِكَ ، وَمُطِيعُوكَ فِيمَا أَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا ، فَأَنْتَ وَلِيُّ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَعَدُوُّ مَنْ كَفَرَ بِكَ فَعَصَاكَ " فَانْصُرْنَا " لِأَنَّا حِزْبَكَ [6/142]" عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ ، وَعَبَدُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ دُونَكَ ، وَأَطَاعُوا فِي مَعْصِيَتِكَ الشَّيْطَانَ .
وَ " الْمَوْلَى " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ " الْمَفْعَلِ " مِنْ : " وَلِي فُلَانٌ أَمْرَ فُلَانٍ ، فَهُوَ يَلِيهِ وَلَايَةً ، وَهُوَ وَلِيُّهُ وَمَوْلَاهُ " . وَإِنَّمَا صَارَتِ " الْيَاءُ " مِنْ " وَلَّى " " أَلِفًا " لِانْفِتَاحِ " اللَّامِ " قَبْلَهَا ، الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ :
6534 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَا حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " قَالَ : قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَا أُحَمِّلُكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " وَاغْفِرْ لَنَا " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : " وَارْحَمْنَا " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " قَدْ رَحِمْتُكُمْ " فَلَمَّا قَرَأَ : " وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قَدْ نَصَرْتُكُمْ عَلَيْهِمْ . [6/143]
6535 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)قُلْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : قُلْ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ : " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . [6/144]
6536 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)" رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ : فَعَلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي).
6537 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، مَوْلَى خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فَقَرَأَ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ .
6538 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : نَعَمْ .
6539 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ [6/145]سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ . فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَوَاتِيمَ " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " وَلَمْ تُعْطَهَا الْأُمَمُ قَبْلَهَا .
6540 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " إِلَى قَوْلِهِ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " قَالَ : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِلَى قَوْلِهِ : " لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : لَا أُؤَاخِذُكُمْ " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : " وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَغَفَرْتُ لَكُمْ ، وَرَحِمْتُكُمْ ، وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . [6/146]وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةٌ :
6541 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " : كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُ : سَلْهَا ! فَسَأَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاءَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً .
6542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : أَنَّ مُعَاذًا كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : " وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " قَالَ : آمِينَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ