النص
[6/124]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ( 285 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : صَدَّقَ الرَّسُولُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّ " بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ " يَعْنِي : بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ ، وَوَعْدٍ وَعِيدٍ ، وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي حَوَاهَا .
وَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِ قَالَ : يَحِقُّ لَهُ .
6499 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ : وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ : " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ مَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مُحَاسَبَتِهِمْ عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نُفُوسُهُمْ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ : " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ! فَقَالُوا : [6/125]بَلْ نَقُولُ : " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ لِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " يَقُولُ : وَصَدَّقَ الْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا مَعَ نَبِيِّهِمْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، الْآيَتَيْنِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَائِلِي ذَلِكَ قَبْلُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَكُتُبِهِ " .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَبَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ( وَكُتُبِهِ ) عَلَى وَجْهِ جَمْعِ " الْكِتَابِ " عَلَى مَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( وَكِتَابِهِ ) ، بِمَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : " وَكِتَابِهِ " وَيَقُولُ : الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ . وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِهِ : وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ سُورَةُ الْعَصْرِ : 1 - 2 ] ، بِمَعْنَى جِنْسِ " النَّاسِ " وَجِنْسِ " الْكِتَابِ " كَمَا يُقَالُ : " مَا أَكْثَرَ دِرْهَمَ فُلَانٍ وَدِينَارَهُ " وَيُرَادُ بِهِ جِنْسُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ مَعْرُوفًا ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرَأَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ جَمْعٌ ، وَالَّذِي بَعْدَهُ كَذَلِكَ - أَعْنِي بِذَلِكَ : " وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " - فَإِلْحَاقُ " الْكُتُبِ " فِي الْجَمْعِ لَفْظًا بِهِ ، أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَإِخْرَاجِهِ فِي اللَّفْظِ بِهِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ ، لِيَكُونَ لَاحِقًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِلَفْظِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ ، وَبِمَعْنَاهُ .
[6/126]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " فَإِنَّهُ أَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذَلِكَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . فَفِي الْكَلَامِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " بِالنُّونِ ، مَتْرُوكٌ ، قَدِ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ . وَذَلِكَ الْمَتْرُوكُ هُوَ " يَقُولُونَ " . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، يَقُولُونَ : لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . وَتَرَكَ ذِكْرَ " يَقُولُونَ " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 23 - 24 ] ، بِمَعْنَى : يَقُولُونَ : سَلَامٌ .
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ بِ " الْيَاءِ " بِمَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، لَا يُفَرِّقُ الْكُلُّ مِنْهُمْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، فَيُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، وَلَكِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِهِمْ ، وَيُقِرُّونَ أَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى طَاعَتِهِ ، وَيُخَالِفُونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِمُوسَى (نبي)وَكَذَّبُوا عِيسَى ، (نبي)وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِمُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ رُسُلِ اللَّهِ ، وَأَقَرُّوا بِبَعْضِهِ ، كَمَا : -
6500 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " كَمَا صَنَعَ الْقَوْمُ - يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَالُوا : فُلَانٌ نَبِيٌّ ، وَفُلَانٌ لَيْسَ نَبِيًّا ، وَفُلَانٌ نُؤْمِنُ بِهِ ، وَفُلَانٌ لَا نُؤْمِنُ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالنُّونِ : [6/127]" لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَامَتْ حُجَّتُهَا بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مَعَهُ التَّشَاعُرُ وَالتَّوَاطُؤُ وَالسَّهْوُ وَالْغَلَطُ بِمَعْنَى مَا وَصَفْنَا مِنْ : يَقُولُونَ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَلَا يُعْتَرَضُ بِشَاذٍّ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ نَقْلًا وَوِرَاثَةً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقَالَ الْكُلُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : " سَمِعْنَا " قَوْلَ رَبِّنَا وَأَمْرَهُ إِيَّانَا بِمَا أَمَرَنَا بِهِ ، وَنَهْيَهُ عَمَّا نَهَانَا عَنْهُ " وَأَطَعْنَا " يَعْنِي : أَطَعْنَا رَبَّنَا فِيمَا أَلْزَمَنَا مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَاسْتَعْبَدَنَا بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ ، وَسَلَّمْنَا لَهُ وَقَوْلُهُ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " يَعْنِي : وَقَالُوا : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " بِمَعْنَى : اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا غُفْرَانَكَ ، كَمَا يُقَالُ : " سُبْحَانَكَ " بِمَعْنَى : نُسَبِّحُكَ سُبْحَانَكَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ " الْغُفْرَانَ " وَ " الْمَغْفِرَةَ " السِّتْرُ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِ مَنْ [6/128]غَفَرَ لَهُ ، وَصَفْحُهُ لَهُ عَنْ هَتْكِ سِتْرِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَعَفْوُهُ عَنِ الْعُقُوبَةِ - عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِلَيْكَ " الْمَصِيرُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُمْ قَالُوا : وَإِلَيْكَ يَا رَبَّنَا مَرْجِعُنَا وَمَعَادُنَا ، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَمَا الَّذِي نَصَبَ قَوْلَهُ : " غُفْرَانَكَ " ؟
قِيلَ لَهُ : وُقُوعُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَوْقِعَ الْأَمْرِ . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْمَصَادِرِ وَالْأَسْمَاءِ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْأَمْرِ ، وَأَدَّتْ عَنْ مَعْنَى الْأَمْرِ نَصَبَتْهَا ، فَيَقُولُونَ : " شُكْرًا لِلَّهِ يَا فُلَانُ " وَ " حَمْدًا لَهُ " بِمَعْنَى : اشْكُرِ اللَّهَ وَاحْمَدْهُ . " وَالصَّلَاةَ ، الصَّلَاةَ " بِمَعْنَى صَلُّوا . وَيَقُولُونَ فِي الْأَسْمَاءِ : " اللَّهَ اللَّهَ يَا قَوْمُ " وَلَوْ رُفِعَ بِمَعْنَى هُوَ اللَّهُ ، أَوْ هَذَا اللَّهُ - وَوُجِّهَ إِلَى الْخَبَرِ وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ كَانَ جَائِزًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٍ وَأَشْبَا هُ عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا لَ أَخُو النَّجْدَةِ : السِّلَاحُ السِّلَاحُ ! !
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " جَاءَ رَفْعًا فِي الْقِرَاءَةِ ، لَمْ يَكُنْ خَطَأً ، بَلْ كَانَ صَوَابًا عَلَى مَا وَصَفْنَا .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَنَاءً مِنْ [6/129]اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ الثَّنَاءَ ، فَسَلْ رَبَّكَ .
6501 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " قَالَ جِبْرِيلُ : إِنِ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ ، وَعَلَى أُمَّتِكَ ، فَسَلْ تُعْطَهُ ! فَسَأَلَ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : صَدَّقَ الرَّسُولُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّ " بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ " يَعْنِي : بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ ، وَوَعْدٍ وَعِيدٍ ، وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي حَوَاهَا .
وَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِ قَالَ : يَحِقُّ لَهُ .
6499 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ : وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ : " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ مَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مُحَاسَبَتِهِمْ عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نُفُوسُهُمْ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ : " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ! فَقَالُوا : [6/125]بَلْ نَقُولُ : " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ لِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " يَقُولُ : وَصَدَّقَ الْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا مَعَ نَبِيِّهِمْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، الْآيَتَيْنِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَائِلِي ذَلِكَ قَبْلُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَكُتُبِهِ " .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَبَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ( وَكُتُبِهِ ) عَلَى وَجْهِ جَمْعِ " الْكِتَابِ " عَلَى مَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( وَكِتَابِهِ ) ، بِمَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : " وَكِتَابِهِ " وَيَقُولُ : الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ . وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِهِ : وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ سُورَةُ الْعَصْرِ : 1 - 2 ] ، بِمَعْنَى جِنْسِ " النَّاسِ " وَجِنْسِ " الْكِتَابِ " كَمَا يُقَالُ : " مَا أَكْثَرَ دِرْهَمَ فُلَانٍ وَدِينَارَهُ " وَيُرَادُ بِهِ جِنْسُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ مَعْرُوفًا ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرَأَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ جَمْعٌ ، وَالَّذِي بَعْدَهُ كَذَلِكَ - أَعْنِي بِذَلِكَ : " وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " - فَإِلْحَاقُ " الْكُتُبِ " فِي الْجَمْعِ لَفْظًا بِهِ ، أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَإِخْرَاجِهِ فِي اللَّفْظِ بِهِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ ، لِيَكُونَ لَاحِقًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِلَفْظِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ ، وَبِمَعْنَاهُ .
[6/126]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " فَإِنَّهُ أَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذَلِكَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . فَفِي الْكَلَامِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " بِالنُّونِ ، مَتْرُوكٌ ، قَدِ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ . وَذَلِكَ الْمَتْرُوكُ هُوَ " يَقُولُونَ " . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، يَقُولُونَ : لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . وَتَرَكَ ذِكْرَ " يَقُولُونَ " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 23 - 24 ] ، بِمَعْنَى : يَقُولُونَ : سَلَامٌ .
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ بِ " الْيَاءِ " بِمَعْنَى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، لَا يُفَرِّقُ الْكُلُّ مِنْهُمْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، فَيُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، وَلَكِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِهِمْ ، وَيُقِرُّونَ أَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى طَاعَتِهِ ، وَيُخَالِفُونَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِمُوسَى (نبي)وَكَذَّبُوا عِيسَى ، (نبي)وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِمُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ رُسُلِ اللَّهِ ، وَأَقَرُّوا بِبَعْضِهِ ، كَمَا : -
6500 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " كَمَا صَنَعَ الْقَوْمُ - يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَالُوا : فُلَانٌ نَبِيٌّ ، وَفُلَانٌ لَيْسَ نَبِيًّا ، وَفُلَانٌ نُؤْمِنُ بِهِ ، وَفُلَانٌ لَا نُؤْمِنُ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالنُّونِ : [6/127]" لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ " لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَامَتْ حُجَّتُهَا بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مَعَهُ التَّشَاعُرُ وَالتَّوَاطُؤُ وَالسَّهْوُ وَالْغَلَطُ بِمَعْنَى مَا وَصَفْنَا مِنْ : يَقُولُونَ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَلَا يُعْتَرَضُ بِشَاذٍّ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ نَقْلًا وَوِرَاثَةً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقَالَ الْكُلُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : " سَمِعْنَا " قَوْلَ رَبِّنَا وَأَمْرَهُ إِيَّانَا بِمَا أَمَرَنَا بِهِ ، وَنَهْيَهُ عَمَّا نَهَانَا عَنْهُ " وَأَطَعْنَا " يَعْنِي : أَطَعْنَا رَبَّنَا فِيمَا أَلْزَمَنَا مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَاسْتَعْبَدَنَا بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ ، وَسَلَّمْنَا لَهُ وَقَوْلُهُ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " يَعْنِي : وَقَالُوا : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " بِمَعْنَى : اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا غُفْرَانَكَ ، كَمَا يُقَالُ : " سُبْحَانَكَ " بِمَعْنَى : نُسَبِّحُكَ سُبْحَانَكَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ " الْغُفْرَانَ " وَ " الْمَغْفِرَةَ " السِّتْرُ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِ مَنْ [6/128]غَفَرَ لَهُ ، وَصَفْحُهُ لَهُ عَنْ هَتْكِ سِتْرِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَعَفْوُهُ عَنِ الْعُقُوبَةِ - عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِلَيْكَ " الْمَصِيرُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُمْ قَالُوا : وَإِلَيْكَ يَا رَبَّنَا مَرْجِعُنَا وَمَعَادُنَا ، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَمَا الَّذِي نَصَبَ قَوْلَهُ : " غُفْرَانَكَ " ؟
قِيلَ لَهُ : وُقُوعُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَوْقِعَ الْأَمْرِ . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْمَصَادِرِ وَالْأَسْمَاءِ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْأَمْرِ ، وَأَدَّتْ عَنْ مَعْنَى الْأَمْرِ نَصَبَتْهَا ، فَيَقُولُونَ : " شُكْرًا لِلَّهِ يَا فُلَانُ " وَ " حَمْدًا لَهُ " بِمَعْنَى : اشْكُرِ اللَّهَ وَاحْمَدْهُ . " وَالصَّلَاةَ ، الصَّلَاةَ " بِمَعْنَى صَلُّوا . وَيَقُولُونَ فِي الْأَسْمَاءِ : " اللَّهَ اللَّهَ يَا قَوْمُ " وَلَوْ رُفِعَ بِمَعْنَى هُوَ اللَّهُ ، أَوْ هَذَا اللَّهُ - وَوُجِّهَ إِلَى الْخَبَرِ وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ كَانَ جَائِزًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٍ وَأَشْبَا هُ عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا لَ أَخُو النَّجْدَةِ : السِّلَاحُ السِّلَاحُ ! !
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : " غُفْرَانَكَ رَبَّنَا " جَاءَ رَفْعًا فِي الْقِرَاءَةِ ، لَمْ يَكُنْ خَطَأً ، بَلْ كَانَ صَوَابًا عَلَى مَا وَصَفْنَا .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَنَاءً مِنْ [6/129]اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ الثَّنَاءَ ، فَسَلْ رَبَّكَ .
6501 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " قَالَ جِبْرِيلُ : إِنِ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ ، وَعَلَى أُمَّتِكَ ، فَسَلْ تُعْطَهُ ! فَسَأَلَ : " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .