النص
[6/94]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ( 283 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ الْقَرَأَةُ فِي الْأَمْصَارِ جَمِيعًا ( كَاتِبًا ) ، بِمَعْنَى : وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابَ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ، بِمَعْنَى : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ سَبِيلٌ ، إِمَّا بِتَعَذُّرِ الدَّوَاةِ وَالصَّحِيفَةِ ، وَإِمَّا بِتَعَذُّرِ الْكَاتِبِ وَإِنْ وَجَدْتُمُ الدَّوَاةَ وَالصَّحِيفَةَ .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا هِيَ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ : " وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " بِمَعْنَى : مَنْ يَكْتُبُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ .
[ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ] : وَإِنْ كُنْتُمْ ، أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي سَفَرٍ بِحَيْثُ لَا تَجِدُونَ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى بَيْنَكُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِاكْتِتَابِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، فَارْتَهِنُوا بِدُيُونِكُمُ الَّتِي تَدَايَنْتُمُوهَا إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى رُهُونًا تَقْبِضُونَهَا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ كَذَلِكَ ، لِيَكُونَ ثِقَةً لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ :
6435 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " فَمَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَبَايَعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا ، فَرُخِّصَ لَهُ [6/95]فِي الرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِنْ وَجَدَ كَاتِبًا أَنْ يَرْتَهِنَ .
6436 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " يَقُولُ : كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
6437 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُكْتَبَ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ فِي الْمُقَامِ . فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ تَبَايَعُوا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدُوا [ كَاتِبًا ] ، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا :
6438 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْكَاتِبَ وَالصَّحِيفَةَ وَالدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ .
6439 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " قَالَ : رُبَّمَا وَجَدَ الرَّجُلُ الصَّحِيفَةَ وَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا .
6440 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، كَانَ يَقْرَؤُهَا : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " وَيَقُولُ : رُبَّمَا وُجِدَ الْكَاتِبُ وَلَمْ تُوجَدِ الصَّحِيفَةُ أَوِ الْمِدَادُ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ .
6441 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " يَقُولُ : مِدَادًا ، - يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ - يَقُولُ : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِدَادًا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الرُّهُونُ الْمَقْبُوضَةُ " فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ " قَالَ : لَا يَكُونُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ . [6/96]
6442 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ قَالَ : إِنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ كَانَ يَقْرَؤُهَا " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : تُوجَدُ الدَّوَاةُ وَلَا تُوجَدُ الصَّحِيفَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْعِرَاقِ (مكان): فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ، بِمَعْنَى جِمَاعِ " رَهْنٍ " كَمَا " الْكِبَاشُ " جِمَاعُ " كَبْشٍ " وَ " الْبِغَالُ " جِمَاعُ " بَغْلٍ " وَ " النِّعَالُ " جِمَاعُ " نَعْلٍ " .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ : ( فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ ) عَلَى مَعْنَى جَمْعِ " رِهَانٍ " " وَرُهُنٌ " جَمْعُ الْجَمْعِ ، وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ " رَهْنٍ " : ، مِثْلَ " سَقْفٍ وَسُقُفٍ " .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : ( فَرُهْنٌ ) مُخَفِّفَةَ الْهَاءِ عَلَى مَعْنَى جِمَاعِ " رَهْنٍ " كَمَا تَجْمَعُ " السَّقْفُ سُقْفًا " . قَالُوا : وَلَا نَعْلَمُ اسْمًا عَلَى " فَعْلٍ " يَجْمَعُ عَلَى " فُعُلٍ وَفُعْلٍ " إِلَّا " الرُّهُنُ وَالرُّهْنُ " . وَ " السُّقُفُ وَالسُّقْفُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ : " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " . لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعُ الْمَعْرُوفُ لَمَّا كَانَ مِنَ اسْمٍ عَلَى " فَعْلٍ " كَمَا يُقَالُ : " حَبْلٌ وَحِبَالٌ " وَ " كَعْبٌ وَكِعَابٌ " وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ . فَأَمَّا جَمْعُ " الْفَعْلِ " عَلَى " الْفُعُلِ أَوِ الْفُعْلِ " فَشَاذٌّ قَلِيلٌ ، إِنَّمَا جَاءَ فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ وَقِيلَ : " سَقْفٌ وَسُقُفٌ وَسُقْفٌ " " وَقَلْبٌ وَقُلُبٌ وَقُلْبٌ " مِنْ : " قَلْبِ النَّخْلِ " . " وَجَدٌّ وَجُدٌّ " لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَظِّ . وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ " فَعْلٍ " عَلَى " فُعْلٍ " [6/97]فَ " ثَطٌّ ، وَثُطٌّ " وَ " وَرْدٌ وَوُرْدٌ " وَ " خَوْدٌ وَخُودٌ " .
وَإِنَّمَا دَعَا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ : " فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ " إِلَى قِرَاءَتِهِ فِيمَا أَظُنُّ كَذَلِكَ ، مَعَ شُذُوذِهِ فِي جَمْعِ " فَعْلٍ " أَنَّهُ وَجَدَ " الرِّهَانَ " مُسْتَعْمَلَةً فِي رِهَانِ الْخَيْلِ ، فَأَحَبَّ صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُلْتَبِسِ بِرِهَانِ الْخَيْلِ ، الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ مَعْنَى " الرِّهَانِ " الَّذِي هُوَ جَمْعُ " رَهْنٍ " وَوَجَدَ " الرُّهُنَ " مَقُولًا فِي جَمْعِ " رَهْنٍ " كَمَا قَالَ قَعْنَبُ :
بَانَتْ سُعادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ أَمِينًا عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ وَالدَّيْنِ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ فِي سَفَرِهِ رَهْنًا بِدَيْنِهِ لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ عَلَى مَالِهِ وَثِقَتِهِ " فَلْيَتَّقِ اللَّهَ " الْمَدِينُ " رَبَّهُ " يَقُولُ : فَلْيَخَفِ اللَّهَ رَبَّهُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ أَنْ يَجْحَدَهُ ، أَوْ يَلُطَّ دُونَهُ ، أَوْ يُحَاوِلَ الذَّهَابَ بِهِ ، فَيَتَعَرَّضُ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَا لَا قِبَلَ لَهُ ، بِهِ وَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ : " هَذَا الْحُكْمَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - نَاسِخٌ الْأَحْكَامَ الَّتِي [6/98]فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِالشُّهُودِ وَالْكِتَابِ " . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ : -
6443 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنَّ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ " إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فِي السَّفَرِ ، فَأَمَّا الْحَضَرُ فَلَا وَهُوَ وَاجِدٌ كَاتِبًا ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ وَلَا يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الضَّحَّاكُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الدَّيْنِ ائْتِمَانُ الْمَدِينِ وَهُوَ وَاجِدٌ إِلَى الْكَاتِبِ وَالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَإِنْ كَانَا فِي سَفَرٍ ، فَكَمَا قَالَ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الرَّهْنِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، مِثْلَ الِائْتِمَانِ : فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْحَقِّ الِارْتِهَانُ بِمَالِهِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ سَبِيلًا فِي حَضَرٍ أَوْ سِفْرٍ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : -
6444 - أَنَّهُ اشْتَرَى طَعَامًا نَسَاءً ، وَرَهَنَ بِهِ دِرْعًا لَهُ .
فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ بِمَا عَلَيْهِ ، وَيَرْتَهِنَ بِمَالِهِ مِنْ حَقٍّ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ - لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ - حِينَ رَهَنَ مَنْ ذَكَرْنَا - غَيْرَ وَاجِدٍ كَاتِبًا وَلَا شَهِيدًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَذِّرًا عَلَيْهِ بِمَدِينَتِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا بِرَهْنٍ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا إِذَا وَجَدَا سَبِيلًا إِلَى كَاتِبٍ وَشَهِيدٍ ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ [6/99]أَوِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَنْ يَكْتُبَا ذَلِكَ وَيُشْهِدَا عَلَى الْمَالِ وَالرَّهْنِ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ فِي ذَلِكَ ، حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خُطَّابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَمَرَ الْمُسْتَدِينَ وَرَبَّ الْمَالِ بِإِشْهَادِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : " وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا " - وَلَا تَكْتُمُوا أَيُّهَا الشُّهُودُ بَعْدَمَا شَهِدْتُمْ شَهَادَتَكُمْ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، كَمَا شَهِدْتُمْ عَلَى مَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ أَجِيبُوا مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ إِذَا دَعَاكُمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتِكُمْ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي يَأْخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَا عَلَيْهِ فِي كِتْمَانِ شَهَادَتِهِ ، وَإِبَائِهِ مِنْ أَدَائِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْتَشْهِدِ إِلَى قِيَامِهِ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ ذِي سُلْطَانٍ ، فَقَالَ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا " . يَعْنِي : وَمَنْ يَكْتُمْ شَهَادَتَهُ " فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ ، مُكْتَسِبٌ بِكِتْمَانِهِ إِيَّاهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، كَمَا : -
6445 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ شَهَادَةً هِيَ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ وَالْوَالِدَيْنِ ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَقَدْ رَكِبَ إِثْمًا عَظِيمًا .
6446 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ [6/100]قَوْلُهُ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ .
6447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 72 ] ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ حَيْثُمَا اسْتُشْهِدَ ، وَيُخْبِرَ بِهَا حَيْثُ اسْتُخْبِرَ " .
6448 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا كَانَتْ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَسَأَلَكَ عَنْهَا فَأَخْبِرْهُ بِهَا ، وَلَا تَقُلْ : " أَخْبِرْ بِهَا عِنْدَ الْأَمِيرِ " أَخْبِرْهُ بِهَا لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ أَوْ يَرْعَوِي .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : " بِمَا تَعْمَلُونَ " فِي شَهَادَتِكُمْ مِنْ إِقَامَتِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا ، أَوْ كِتْمَانِكُمْ إِيَّاهَا عِنْدَ حَاجَةِ مِنَ اسْتَشْهَدَكُمْ إِلَيْهَا ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَرَائِرِ أَعْمَالِكُمْ وَعَلَانِيَتِهَا " عَلِيمٌ " يُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ ، لِيَجْزِيَكُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمْ ، إِمَّا خَيْرًا وَإِمَّا شَرًّا عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ الْقَرَأَةُ فِي الْأَمْصَارِ جَمِيعًا ( كَاتِبًا ) ، بِمَعْنَى : وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابَ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ، بِمَعْنَى : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ سَبِيلٌ ، إِمَّا بِتَعَذُّرِ الدَّوَاةِ وَالصَّحِيفَةِ ، وَإِمَّا بِتَعَذُّرِ الْكَاتِبِ وَإِنْ وَجَدْتُمُ الدَّوَاةَ وَالصَّحِيفَةَ .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا هِيَ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ : " وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " بِمَعْنَى : مَنْ يَكْتُبُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ .
[ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ] : وَإِنْ كُنْتُمْ ، أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي سَفَرٍ بِحَيْثُ لَا تَجِدُونَ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى بَيْنَكُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِاكْتِتَابِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، فَارْتَهِنُوا بِدُيُونِكُمُ الَّتِي تَدَايَنْتُمُوهَا إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى رُهُونًا تَقْبِضُونَهَا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ كَذَلِكَ ، لِيَكُونَ ثِقَةً لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ :
6435 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " فَمَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَبَايَعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا ، فَرُخِّصَ لَهُ [6/95]فِي الرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِنْ وَجَدَ كَاتِبًا أَنْ يَرْتَهِنَ .
6436 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " يَقُولُ : كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
6437 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُكْتَبَ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ فِي الْمُقَامِ . فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ تَبَايَعُوا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدُوا [ كَاتِبًا ] ، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا :
6438 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْكَاتِبَ وَالصَّحِيفَةَ وَالدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ .
6439 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " قَالَ : رُبَّمَا وَجَدَ الرَّجُلُ الصَّحِيفَةَ وَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا .
6440 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، كَانَ يَقْرَؤُهَا : " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " وَيَقُولُ : رُبَّمَا وُجِدَ الْكَاتِبُ وَلَمْ تُوجَدِ الصَّحِيفَةُ أَوِ الْمِدَادُ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ .
6441 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا " يَقُولُ : مِدَادًا ، - يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ - يَقُولُ : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِدَادًا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الرُّهُونُ الْمَقْبُوضَةُ " فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ " قَالَ : لَا يَكُونُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ . [6/96]
6442 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ قَالَ : إِنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ كَانَ يَقْرَؤُهَا " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا " قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : تُوجَدُ الدَّوَاةُ وَلَا تُوجَدُ الصَّحِيفَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْعِرَاقِ (مكان): فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ، بِمَعْنَى جِمَاعِ " رَهْنٍ " كَمَا " الْكِبَاشُ " جِمَاعُ " كَبْشٍ " وَ " الْبِغَالُ " جِمَاعُ " بَغْلٍ " وَ " النِّعَالُ " جِمَاعُ " نَعْلٍ " .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ : ( فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ ) عَلَى مَعْنَى جَمْعِ " رِهَانٍ " " وَرُهُنٌ " جَمْعُ الْجَمْعِ ، وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ " رَهْنٍ " : ، مِثْلَ " سَقْفٍ وَسُقُفٍ " .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : ( فَرُهْنٌ ) مُخَفِّفَةَ الْهَاءِ عَلَى مَعْنَى جِمَاعِ " رَهْنٍ " كَمَا تَجْمَعُ " السَّقْفُ سُقْفًا " . قَالُوا : وَلَا نَعْلَمُ اسْمًا عَلَى " فَعْلٍ " يَجْمَعُ عَلَى " فُعُلٍ وَفُعْلٍ " إِلَّا " الرُّهُنُ وَالرُّهْنُ " . وَ " السُّقُفُ وَالسُّقْفُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ : " فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ " . لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعُ الْمَعْرُوفُ لَمَّا كَانَ مِنَ اسْمٍ عَلَى " فَعْلٍ " كَمَا يُقَالُ : " حَبْلٌ وَحِبَالٌ " وَ " كَعْبٌ وَكِعَابٌ " وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ . فَأَمَّا جَمْعُ " الْفَعْلِ " عَلَى " الْفُعُلِ أَوِ الْفُعْلِ " فَشَاذٌّ قَلِيلٌ ، إِنَّمَا جَاءَ فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ وَقِيلَ : " سَقْفٌ وَسُقُفٌ وَسُقْفٌ " " وَقَلْبٌ وَقُلُبٌ وَقُلْبٌ " مِنْ : " قَلْبِ النَّخْلِ " . " وَجَدٌّ وَجُدٌّ " لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَظِّ . وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ " فَعْلٍ " عَلَى " فُعْلٍ " [6/97]فَ " ثَطٌّ ، وَثُطٌّ " وَ " وَرْدٌ وَوُرْدٌ " وَ " خَوْدٌ وَخُودٌ " .
وَإِنَّمَا دَعَا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ : " فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ " إِلَى قِرَاءَتِهِ فِيمَا أَظُنُّ كَذَلِكَ ، مَعَ شُذُوذِهِ فِي جَمْعِ " فَعْلٍ " أَنَّهُ وَجَدَ " الرِّهَانَ " مُسْتَعْمَلَةً فِي رِهَانِ الْخَيْلِ ، فَأَحَبَّ صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُلْتَبِسِ بِرِهَانِ الْخَيْلِ ، الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ مَعْنَى " الرِّهَانِ " الَّذِي هُوَ جَمْعُ " رَهْنٍ " وَوَجَدَ " الرُّهُنَ " مَقُولًا فِي جَمْعِ " رَهْنٍ " كَمَا قَالَ قَعْنَبُ :
بَانَتْ سُعادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ أَمِينًا عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ وَالدَّيْنِ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ فِي سَفَرِهِ رَهْنًا بِدَيْنِهِ لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ عَلَى مَالِهِ وَثِقَتِهِ " فَلْيَتَّقِ اللَّهَ " الْمَدِينُ " رَبَّهُ " يَقُولُ : فَلْيَخَفِ اللَّهَ رَبَّهُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ أَنْ يَجْحَدَهُ ، أَوْ يَلُطَّ دُونَهُ ، أَوْ يُحَاوِلَ الذَّهَابَ بِهِ ، فَيَتَعَرَّضُ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَا لَا قِبَلَ لَهُ ، بِهِ وَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ : " هَذَا الْحُكْمَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - نَاسِخٌ الْأَحْكَامَ الَّتِي [6/98]فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِالشُّهُودِ وَالْكِتَابِ " . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ : -
6443 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنَّ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ " إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فِي السَّفَرِ ، فَأَمَّا الْحَضَرُ فَلَا وَهُوَ وَاجِدٌ كَاتِبًا ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ وَلَا يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الضَّحَّاكُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الدَّيْنِ ائْتِمَانُ الْمَدِينِ وَهُوَ وَاجِدٌ إِلَى الْكَاتِبِ وَالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَإِنْ كَانَا فِي سَفَرٍ ، فَكَمَا قَالَ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الرَّهْنِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، مِثْلَ الِائْتِمَانِ : فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْحَقِّ الِارْتِهَانُ بِمَالِهِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ سَبِيلًا فِي حَضَرٍ أَوْ سِفْرٍ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : -
6444 - أَنَّهُ اشْتَرَى طَعَامًا نَسَاءً ، وَرَهَنَ بِهِ دِرْعًا لَهُ .
فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ بِمَا عَلَيْهِ ، وَيَرْتَهِنَ بِمَالِهِ مِنْ حَقٍّ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ - لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ - حِينَ رَهَنَ مَنْ ذَكَرْنَا - غَيْرَ وَاجِدٍ كَاتِبًا وَلَا شَهِيدًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَذِّرًا عَلَيْهِ بِمَدِينَتِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا بِرَهْنٍ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا إِذَا وَجَدَا سَبِيلًا إِلَى كَاتِبٍ وَشَهِيدٍ ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ [6/99]أَوِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَنْ يَكْتُبَا ذَلِكَ وَيُشْهِدَا عَلَى الْمَالِ وَالرَّهْنِ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ فِي ذَلِكَ ، حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خُطَّابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَمَرَ الْمُسْتَدِينَ وَرَبَّ الْمَالِ بِإِشْهَادِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : " وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا " - وَلَا تَكْتُمُوا أَيُّهَا الشُّهُودُ بَعْدَمَا شَهِدْتُمْ شَهَادَتَكُمْ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، كَمَا شَهِدْتُمْ عَلَى مَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ أَجِيبُوا مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ إِذَا دَعَاكُمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتِكُمْ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي يَأْخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَا عَلَيْهِ فِي كِتْمَانِ شَهَادَتِهِ ، وَإِبَائِهِ مِنْ أَدَائِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْتَشْهِدِ إِلَى قِيَامِهِ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ ذِي سُلْطَانٍ ، فَقَالَ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا " . يَعْنِي : وَمَنْ يَكْتُمْ شَهَادَتَهُ " فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ ، مُكْتَسِبٌ بِكِتْمَانِهِ إِيَّاهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، كَمَا : -
6445 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ شَهَادَةً هِيَ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ وَالْوَالِدَيْنِ ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَقَدْ رَكِبَ إِثْمًا عَظِيمًا .
6446 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ [6/100]قَوْلُهُ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ .
6447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 72 ] ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : " وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ حَيْثُمَا اسْتُشْهِدَ ، وَيُخْبِرَ بِهَا حَيْثُ اسْتُخْبِرَ " .
6448 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا كَانَتْ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَسَأَلَكَ عَنْهَا فَأَخْبِرْهُ بِهَا ، وَلَا تَقُلْ : " أَخْبِرْ بِهَا عِنْدَ الْأَمِيرِ " أَخْبِرْهُ بِهَا لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ أَوْ يَرْعَوِي .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : " بِمَا تَعْمَلُونَ " فِي شَهَادَتِكُمْ مِنْ إِقَامَتِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا ، أَوْ كِتْمَانِكُمْ إِيَّاهَا عِنْدَ حَاجَةِ مِنَ اسْتَشْهَدَكُمْ إِلَيْهَا ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَرَائِرِ أَعْمَالِكُمْ وَعَلَانِيَتِهَا " عَلِيمٌ " يُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ ، لِيَجْزِيَكُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمْ ، إِمَّا خَيْرًا وَإِمَّا شَرًّا عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِكُمْ .