النص
[6/7]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ( 275 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : الَّذِينَ يُرْبُونَ .
وَ " الْإِرْبَاءُ " الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّيْءِ ، يُقَالُ مِنْهُ : " أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ " إِذَا زَادَ عَلَيْهِ " يُرَبِي إِرْبَاءً " وَالزِّيَادَةُ هِيَ " الرِّبَا " " وَرَبَا الشَّيْءُ " إِذَا زَادَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَظُمَ " فَهُوَ يَرْبُو رَبْوًا " . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلرَّابِيَةِ [ رَابِيَةٌ ] ؛ لِزِيَادَتِهَا فِي الْعِظَمِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ مِمَّا حَوْلَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ : " رَبَا يَرْبُو " . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : " فُلَانٌ فِي رَبَاوَةِ قَوْمِهِ " يُرَادُ أَنَّهُ فِي رِفْعَةٍ وَشَرَفٍ مِنْهُمْ . فَأَصِلُ " الرِّبَا " الْإِنَافَةُ وَالزِّيَادَةُ ، ثُمَّ يُقَالُ : " أَرْبَى فَلَانٌ " أَيْ أَنَافَ [ مَالَهُ حِينَ ] صَيَّرَهُ زَائِدًا . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْبِي : " مُرْبٍ " ؛ لِتَضْعِيفِهِ الْمَالَ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ حَالًّا أَوْ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ لِسَبَبِ الْأَجَلِ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ إِلَيْهِ فَيَزِيدُهُ إِلَى أَجَلِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ حَلِّ دَيْنِهِ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً . [ آلِ عِمْرَانَ : 131 ] . [6/8]
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ :
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ : لَكَ كَذَا وَكَذَا وَتُؤَخِّرُ عَنِّي ؟ فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ .
6236 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6237 - حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ رِبَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ : يَبِيعُ الرَّجُلُ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِهِ قَضَاءٌ ، زَادَهُ وَأَخَّرَ عَنْهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : الَّذِينَ يُرْبُونَ الرِّبَا الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ فِي الدُّنْيَا " لَا يَقُومُونَ " فِي الْآخِرَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ " إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي بِذَلِكَ : يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ الَّذِي يَخْنُقُهُ فَيَصْرَعُهُ " مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي : مِنَ الْجُنُونِ .
وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/9]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَكْلِ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا .
6239 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6240 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ .
6241 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآكِلِ الرِّبَا : " خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ " وَقَرَأَ : " لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ .
6242 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " الْآيَةَ . قَالَ : يُبْعَثُ آكِلُ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ .
6243 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : [6/10]" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ " الْآيَةَ ، وَتِلْكَ عَلَامَةُ أَهْلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بُعِثُوا وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ .
6244 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : هُوَ التَّخَبُّلُ الَّذِي يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْجُنُونِ .
6245 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ : ( " لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ) .
6246 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَأْكُلُ الرِّبَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَخَبِّطًا ، كَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ .
6247 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي : مِنَ الْجُنُونِ .
6248 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " . قَالَ : هَذَا مَثَلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّاسِ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يُخْنَقُ مِنَ النَّاسِ ، كَأَنَّهُ خُنِقَ ، كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ . [6/11]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَتَخَبَّلُهُ مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ . يُقَالُ مِنْهُ : " قَدْ مُسَّ الرَّجُلُ وَأُلِقَ ، فَهُوَ مَمْسُوسٌ وَمَأْلُوقٌ " كُلُّ ذَلِكَ إِذَا أَلَمَّ بِهِ اللَّمَمُ فَجُنَّ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [ الْأَعْرَافِ : 201 ] وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى :
وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وَكَأَنَّمَا أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَقُ
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَفَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الرِّبَا فِي تِجَارَتِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ ، أَيَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ ؟
قِيلَ : نَعَمْ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الرِّبَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلُ ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتُ يَوْمَ نَزَلَتْ كَانَتْ طُعْمَتُهُمْ وَمَأْكَلُهُمْ مِنَ الرِّبَا ، فَذَكَرَهُمْ بِصِفَتِهِمْ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الرِّبَا ، وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمُ الْحَالَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا فِي مَطَاعِمِهِمْ ، وَفِي قَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : [6/12] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 278 - 279 ] الْآيَةَ ، مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كَانَ لِكُلِّ مَعَانِي الرِّبَا ، وَأَنَّ سَوَاءً الْعَمَلُ بِهِ وَأَكْلُهُ وَأَخْذُهُ وَإِعْطَاؤُهُ ، كَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ :
6249 - " لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ إِذَا عَلِمُوا بِهِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِ " ذَلِكَ " - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ كَقِيَامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ مِنَ الْجُنُونِ فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبْحِ حَالِهِمْ وَوَحْشَةِ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، وَسُوءِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَفْتَرُونَ وَيَقُولُونَ : " إِنَّمَا الْبَيْعُ " الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ " مِثْلُ الرِّبَا " ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنَ الرِّبَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ إِذَا حَلَّ مَالُ أَحَدِهِمْ [6/13]عَلَى غَرِيمِهِ ، يَقُولُ الْغَرِيمُ لِغَرِيمِ الْحَقِّ : " زِدْنِي فِي الْأَجَلِ وَأَزِيدُكَ فِي مَالِكَ " . فَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ : " هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ " . فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ قَالَا " سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحِلِّ الْمَالِ " . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي قَيْلِهِمْ فَقَالَ : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 275 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ " وَحَرَّمَ الرِّبَا " يَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يُزَادُ رَبُّ الْمَالِ بِسَبَبِ زِيَادَتِهِ غَرِيمَهُ فِي الْأَجَلِ ، وَتَأْخِيرِهِ دَيْنَهُ عَلَيْهِ . يَقُولُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَلَيْسَتِ الزِّيَادَتَانِ - اللَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ وَالْأُخْرَى مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ - سَوَاءً . وَذَلِكَ أَنِّي حَرَّمْتُ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَأَحْلَلْتُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَبِيعُهَا ، فَيَسْتَفْضِلُ فَضْلَهَا . فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ نَظِيرَ الزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهِ الرِّبَا ؛ لِأَنِّي أَحْلَلْتُ الْبَيْعَ ، وَحَرَّمْتُ الرِّبَا ، وَالْأَمْرُ أَمْرِي وَالْخَلْقُ خَلْقِي ، أَقْضِي فِيهِمْ مَا أَشَاءُ ، وَأَسْتَعْبِدُهُمْ بِمَا أُرِيدُ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَرِضَ فِي حُكْمِي ، وَلَا أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ طَاعَتِي وَالتَّسْلِيمُ لِحُكْمِي . [6/14]
ثُمَّ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى " يَعْنِي ب " الْمَوْعِظَةِ " التَّذْكِيرَ وَالتَّخْوِيفَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِهِ فِي آيِ الْقُرْآنِ ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَى أَكْلِهِمُ الرِّبَا مِنَ الْعِقَابِ . يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَمَنْ جَاءَهُ ذَلِكَ " فَانْتَهَى " عَنْ أَكْلِ الرِّبَا وَارْتَدَعَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ وَانْزَجَرَ عَنْهُ " فَلَهُ مَا سَلَفَ " يَعْنِي : مَا أَكَلَ ، وَأَخَذَ فَمَضَى قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّحْرِيمِ مِنْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ " وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ " يَعْنِي : وَأَمْرُ آكِلِهِ - بَعْدَ مَجِيئِهِ الْمَوْعِظَةُ مِنْ رَبِّهِ وَالتَّحْرِيمُ وَبَعْدَ انْتِهَاءِ آكِلِهِ عَنْ أَكْلِهِ - إِلَى اللَّهِ فِي عِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ عَنْ أَكْلِهِ وَثَبَّتَهُ فِي انْتِهَائِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ عَنْ ذَلِكَ " وَمَنْ عَادَ " يَقُولُ : وَمَنْ عَادَ لِأَكْلِ الرِّبَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ، وَقَالَ مَا كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ مِنَ اللَّهِ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ قَوْلِهِ : " إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا " فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَعْنِي : فَفَاعِلُو ذَلِكَ وَقَائِلُوهُ هُمْ أَهْلُ النَّارِ ، يَعْنِي نَارَ جَهَنَّمَ ، فِيهَا خَالِدُونَ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6250 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ " أَمَّا " الْمَوْعِظَةُ " فَالْقُرْآنُ ، وَأَمَّا " مَا سَلَفَ " فَلَهُ مَا أَكَلَ مِنَ الرِّبَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : الَّذِينَ يُرْبُونَ .
وَ " الْإِرْبَاءُ " الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّيْءِ ، يُقَالُ مِنْهُ : " أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ " إِذَا زَادَ عَلَيْهِ " يُرَبِي إِرْبَاءً " وَالزِّيَادَةُ هِيَ " الرِّبَا " " وَرَبَا الشَّيْءُ " إِذَا زَادَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَظُمَ " فَهُوَ يَرْبُو رَبْوًا " . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلرَّابِيَةِ [ رَابِيَةٌ ] ؛ لِزِيَادَتِهَا فِي الْعِظَمِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ مِمَّا حَوْلَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ : " رَبَا يَرْبُو " . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : " فُلَانٌ فِي رَبَاوَةِ قَوْمِهِ " يُرَادُ أَنَّهُ فِي رِفْعَةٍ وَشَرَفٍ مِنْهُمْ . فَأَصِلُ " الرِّبَا " الْإِنَافَةُ وَالزِّيَادَةُ ، ثُمَّ يُقَالُ : " أَرْبَى فَلَانٌ " أَيْ أَنَافَ [ مَالَهُ حِينَ ] صَيَّرَهُ زَائِدًا . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْبِي : " مُرْبٍ " ؛ لِتَضْعِيفِهِ الْمَالَ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ حَالًّا أَوْ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ لِسَبَبِ الْأَجَلِ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ إِلَيْهِ فَيَزِيدُهُ إِلَى أَجَلِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ حَلِّ دَيْنِهِ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً . [ آلِ عِمْرَانَ : 131 ] . [6/8]
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ :
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ : لَكَ كَذَا وَكَذَا وَتُؤَخِّرُ عَنِّي ؟ فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ .
6236 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6237 - حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ رِبَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ : يَبِيعُ الرَّجُلُ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِهِ قَضَاءٌ ، زَادَهُ وَأَخَّرَ عَنْهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : الَّذِينَ يُرْبُونَ الرِّبَا الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ فِي الدُّنْيَا " لَا يَقُومُونَ " فِي الْآخِرَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ " إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي بِذَلِكَ : يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ الَّذِي يَخْنُقُهُ فَيَصْرَعُهُ " مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي : مِنَ الْجُنُونِ .
وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، [6/9]عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَكْلِ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا .
6239 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6240 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ .
6241 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآكِلِ الرِّبَا : " خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ " وَقَرَأَ : " لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ .
6242 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " الْآيَةَ . قَالَ : يُبْعَثُ آكِلُ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ .
6243 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : [6/10]" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ " الْآيَةَ ، وَتِلْكَ عَلَامَةُ أَهْلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بُعِثُوا وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ .
6244 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : هُوَ التَّخَبُّلُ الَّذِي يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْجُنُونِ .
6245 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ : ( " لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ) .
6246 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " قَالَ : مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَأْكُلُ الرِّبَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَخَبِّطًا ، كَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ .
6247 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَعْنِي : مِنَ الْجُنُونِ .
6248 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " . قَالَ : هَذَا مَثَلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّاسِ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يُخْنَقُ مِنَ النَّاسِ ، كَأَنَّهُ خُنِقَ ، كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ . [6/11]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " يَتَخَبَّلُهُ مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ . يُقَالُ مِنْهُ : " قَدْ مُسَّ الرَّجُلُ وَأُلِقَ ، فَهُوَ مَمْسُوسٌ وَمَأْلُوقٌ " كُلُّ ذَلِكَ إِذَا أَلَمَّ بِهِ اللَّمَمُ فَجُنَّ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [ الْأَعْرَافِ : 201 ] وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى :
وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وَكَأَنَّمَا أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَقُ
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَفَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الرِّبَا فِي تِجَارَتِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ ، أَيَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ ؟
قِيلَ : نَعَمْ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الرِّبَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلُ ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتُ يَوْمَ نَزَلَتْ كَانَتْ طُعْمَتُهُمْ وَمَأْكَلُهُمْ مِنَ الرِّبَا ، فَذَكَرَهُمْ بِصِفَتِهِمْ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الرِّبَا ، وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمُ الْحَالَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا فِي مَطَاعِمِهِمْ ، وَفِي قَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : [6/12] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 278 - 279 ] الْآيَةَ ، مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كَانَ لِكُلِّ مَعَانِي الرِّبَا ، وَأَنَّ سَوَاءً الْعَمَلُ بِهِ وَأَكْلُهُ وَأَخْذُهُ وَإِعْطَاؤُهُ ، كَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ :
6249 - " لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ إِذَا عَلِمُوا بِهِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِ " ذَلِكَ " - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ كَقِيَامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ مِنَ الْجُنُونِ فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبْحِ حَالِهِمْ وَوَحْشَةِ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، وَسُوءِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَفْتَرُونَ وَيَقُولُونَ : " إِنَّمَا الْبَيْعُ " الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ " مِثْلُ الرِّبَا " ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنَ الرِّبَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ إِذَا حَلَّ مَالُ أَحَدِهِمْ [6/13]عَلَى غَرِيمِهِ ، يَقُولُ الْغَرِيمُ لِغَرِيمِ الْحَقِّ : " زِدْنِي فِي الْأَجَلِ وَأَزِيدُكَ فِي مَالِكَ " . فَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ : " هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ " . فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ قَالَا " سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحِلِّ الْمَالِ " . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي قَيْلِهِمْ فَقَالَ : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 275 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ " وَحَرَّمَ الرِّبَا " يَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يُزَادُ رَبُّ الْمَالِ بِسَبَبِ زِيَادَتِهِ غَرِيمَهُ فِي الْأَجَلِ ، وَتَأْخِيرِهِ دَيْنَهُ عَلَيْهِ . يَقُولُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَلَيْسَتِ الزِّيَادَتَانِ - اللَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ وَالْأُخْرَى مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ - سَوَاءً . وَذَلِكَ أَنِّي حَرَّمْتُ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَأَحْلَلْتُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَبِيعُهَا ، فَيَسْتَفْضِلُ فَضْلَهَا . فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ نَظِيرَ الزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهِ الرِّبَا ؛ لِأَنِّي أَحْلَلْتُ الْبَيْعَ ، وَحَرَّمْتُ الرِّبَا ، وَالْأَمْرُ أَمْرِي وَالْخَلْقُ خَلْقِي ، أَقْضِي فِيهِمْ مَا أَشَاءُ ، وَأَسْتَعْبِدُهُمْ بِمَا أُرِيدُ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَرِضَ فِي حُكْمِي ، وَلَا أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ طَاعَتِي وَالتَّسْلِيمُ لِحُكْمِي . [6/14]
ثُمَّ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى " يَعْنِي ب " الْمَوْعِظَةِ " التَّذْكِيرَ وَالتَّخْوِيفَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِهِ فِي آيِ الْقُرْآنِ ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَى أَكْلِهِمُ الرِّبَا مِنَ الْعِقَابِ . يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَمَنْ جَاءَهُ ذَلِكَ " فَانْتَهَى " عَنْ أَكْلِ الرِّبَا وَارْتَدَعَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ وَانْزَجَرَ عَنْهُ " فَلَهُ مَا سَلَفَ " يَعْنِي : مَا أَكَلَ ، وَأَخَذَ فَمَضَى قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّحْرِيمِ مِنْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ " وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ " يَعْنِي : وَأَمْرُ آكِلِهِ - بَعْدَ مَجِيئِهِ الْمَوْعِظَةُ مِنْ رَبِّهِ وَالتَّحْرِيمُ وَبَعْدَ انْتِهَاءِ آكِلِهِ عَنْ أَكْلِهِ - إِلَى اللَّهِ فِي عِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ عَنْ أَكْلِهِ وَثَبَّتَهُ فِي انْتِهَائِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ عَنْ ذَلِكَ " وَمَنْ عَادَ " يَقُولُ : وَمَنْ عَادَ لِأَكْلِ الرِّبَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ، وَقَالَ مَا كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ مِنَ اللَّهِ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ قَوْلِهِ : " إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا " فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَعْنِي : فَفَاعِلُو ذَلِكَ وَقَائِلُوهُ هُمْ أَهْلُ النَّارِ ، يَعْنِي نَارَ جَهَنَّمَ ، فِيهَا خَالِدُونَ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6250 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ " أَمَّا " الْمَوْعِظَةُ " فَالْقُرْآنُ ، وَأَمَّا " مَا سَلَفَ " فَلَهُ مَا أَكَلَ مِنَ الرِّبَا .