تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا "

ج 5
ص 576

الآية المفسَّرة

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 5 · ص 576

النص

[5/576]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ( 269 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : يُؤْتِي اللَّهُ الْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَنْ يُؤْتَ الْإِصَابَةَ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ ، " الْحِكْمَةُ " الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هِيَ : الْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ بِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6177 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ بِالْقُرْآنِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ ، وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَأَمْثَالِهِ .
6178 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " قَالَ : الْحِكْمَةُ : الْقُرْآنُ ، وَالْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ .
6179 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " وَالْحِكْمَةُ : الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ .
6180 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهِلَالِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : [5/577]" وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " قَالَ : الْكِتَابُ وَالْفَهْمُ بِهِ .
6181 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " الْآيَةَ ، قَالَ : لَيْسَتْ بِالنُّبُوَّةِ ، وَلَكِنَّهُ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ .
6182 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِيَ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " الْحِكْمَةِ " الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6183 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ : " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ " قَالَ : الْإِصَابَةُ .
6184 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " قَالَ : يُؤْتِي الْإِصَابَةَ مَنْ يَشَاءُ .
6185 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " قَالَ : الْكِتَابُ ، يُؤْتِي إِصَابَتَهُ مَنْ يَشَاءُ . [5/578]
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْعِلْمُ بِالدِّينِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6186 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " : الْعَقْلُ فِي الدِّينِ ، وَقَرَأَ : " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " .
6187 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْحِكْمَةُ : الْعَقْلُ .
6188 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْحِكْمَةُ ؟ قَالَ : الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ ، وَالْفِقْهُ فِيهِ ، وَالِاتِّبَاعُ لَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْحِكْمَةُ " الْفَهْمُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6190 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْحِكْمَةُ : هِيَ الْفَهْمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الْخَشْيَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6191 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ " الْآيَةَ ، قَالَ : " الْحِكْمَةُ " الْخَشْيَةُ ؛ لِأَنَّ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللَّهِ . وَقَرَأَ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 28 ] . [5/579]
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ النُّبُوَّةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
6192 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ " الْآيَةَ ، قَالَ : الْحِكْمَةُ : هِيَ النُّبُوَّةُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى " الْحِكْمَةِ " - وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ " الْحُكْمِ " وَفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَأَنَّهَا الْإِصَابَةُ - بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا الْقَائِلُونَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ دَاخِلًا فِيمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فَهْمٍ بِهَا وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ الْمُصِيبُ عَنْ فَهْمٍ مِنْهُ بِمَوَاضِعِ الصَّوَابِ فِي أُمُورِهِ مُفَهَّمًا خَاشِيًا لِلَّهِ فَقِيهًا عَالِمًا وَكَانَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ أَقْسَامِهِ . لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسَدَّدُونَ مُفَهَّمُونَ ، وَمُوَفَّقُونَ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، " وَالنُّبُوَّةُ " بَعْضُ مَعَانِي " الْحِكْمَةِ " .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : يُؤْتِي اللَّهُ إِصَابَةَ الصَّوَابِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ ذَلِكَ فَقَدْ آتَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا .
[5/580]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ( 269 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا يَتَّعِظُ بِمَا وَعَظَ بِهِ رَبُّهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَعَظَ فِيهَا الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَغَيْرَهُمْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ آيِ كِتَابِهِ - فَيَذْكُرُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ فِيهَا ، فَيَنْزَجِرُ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ رَبُّهُ ، وَيُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ - " إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " يَعْنِي : إِلَّا أُولُو الْعُقُولِ ، الَّذِينَ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ .
فَأَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ الْمَوَاعِظَ غَيْرُ نَافِعَةٍ إِلَّا أُولِي الْحِجَا وَالْحُلُومِ ، وَأَنَّ الذِّكْرَى غَيْرُ نَاهِيَةٍ إِلَّا أَهْلَ النُّهَى وَالْعُقُولِ .