النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ( 256 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ - أَوْ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ - كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ قَدْ هَوَّدُوهُمْ أَوْ نَصَّرُوهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَرَادُوا إِكْرَاهَهُمْ عَلَيْهِ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونُوا هُمْ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5812 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، [5/408]عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا ، فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ . فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالُوا : لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5813 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلًى وَلَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - قَالَ شُعْبَةُ : وَإِنَّمَا هُوَ مِقْلَاتٌ - فَتَجْعَلُ عَلَيْهَا إِنْ بَقِيَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ . قَالَ : فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَبْنَائِنَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " . قَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ .
5814 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَكُونُ مِقْلَاتًا لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ ، فَتَنْذُرُ إِنْ عَاشَ وَلَدُهَا أَنْ تَجْعَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَطَوَائِفُ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ دِينَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِينِنَا ! وَإِذْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنُكْرِهَنَّهُمْ ! فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " فَكَانَ [5/409]فَصْلُ مَا بَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ، فَمَنْ لَحِقَ بِهِمُ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ ، وَمَنْ أَقَامَ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِحُمَيْدٍ .
5815 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَكَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَهُمْ إِجْلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَمْ يُسَلِمْ مِنْهُمْ ، وَبَقِيَ مَنْ أَسْلَمَ .
5816 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِجْلَاءَ النَّضِيرِ إِلَى خَيْبَرَ ، (مكان)فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ أَقَامَ ، وَمَنْ كَرِهَ لَحِقَ بِخَيْبَرَ (مكان).
5817 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيِّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ الْحُصَيْنُ ، كَانَ لَهُ ابْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ ، وَكَانَ هُوَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا أَسْتَكْرِهُهُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ذَلِكَ .
5818 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ فِي الْأَنْصَارِ ، قَالَ : قُلْتُ خَاصَّةً ! قَالَ : خَاصَّةً ! قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَنْذُرُ إِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْيَهُودِ ، [5/410]تَلْتَمِسُ بِذَلِكَ طُولَ بَقَائِهِ . قَالَ : فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِيهِمْ ، قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قَدْ خُيِّرَ أَصْحَابُكُمْ ، فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ " قَالَ : فَأَجْلَوْهُمْ مَعَهُمْ .
5819 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " إِلَى : " لَا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحُصَيْنِ : كَانَ لَهُ ابْنَانِ ، فَقَدِمَ تُجَّارٌ مِنَ الشَّامِ (مكان)إِلَى الْمَدِينَةِ (مكان)يَحْمِلُونَ الزَّيْتَ . فَلَمَّا بَاعُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَرْجِعُوا أَتَاهُمُ ابْنَا أَبِي الْحُصَيْنِ ، فَدَعَوْهُمَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، فَتَنَصَّرَا فَرَجَعَا إِلَى الشَّامِ (مكان)مَعَهُمْ . فَأَتَى أَبُوهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنَّ ابْنَيَّ تَنَصَّرَا وَخَرَجَا ، فَأَطْلُبُهُمَا ؟ فَقَالَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " .
وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : أَبْعَدَهُمَا اللَّهُ ! هُمَا أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ ! فَوَجَدَ أَبُو الْحُصَيْنِ فِي نَفْسِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لَمْ يَبْعَثْ فِي طَلَبِهِمَا ، فَنَزَلَتْ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 65 ] ثُمَّ إِنَّهُ نُسِخَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " فَأُمِرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةَ " . [5/411]
5820 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَتْ فِي الْيَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ ، أَرْضَعُوا رِجَالًا مِنَ الْأَوْسِ ، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِجْلَائِهِمْ ، قَالَ أَبْنَاؤُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ : لَنَذْهَبَنَّ مَعَهُمْ ، وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ ! فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
5821 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5822 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتِ النَّضِيرُ يَهُودًا فَأَرْضَعُوا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ دَانَ بِدِينِهِمْ أَبْنَاءُ الْأَوْسِ ، دَانُوا بِدِينِ النَّضِيرِ .
5823 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : لَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ تَنْذُرُ إِنْ عَاشَ وَلَدُهَا لَتَجْعَلَنَّهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : [5/412]يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُكْرِهُ أَوْلَادَنَا الَّذِينَ هُمْ فِي يَهُودَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ فِيهَا وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ ؟ فَأَمَّا إِذْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَفَلَا نُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5824 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ ، وَزَادَ قَالَ : كَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْيَهُودَ مِنْهُمْ وَبَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ ، فَمَنْ خَرَجَ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ تَرَكَهُمُ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ .
5825 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " إِلَى قَوْلِهِ : " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : قَالَ مَنْسُوخٌ .
5826 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَوَائِلٌ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَمَّا أُجْلَوْا أَرَادَ أَهْلُوهُمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِدِينِهِمْ ، فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الدِّينِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ . وَقَالُوا : الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5827 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ [5/413]قَتَادَةَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : أُكْرِهَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ يَعْرِفُونَهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ . وَلَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ أَوْ بِالْخَرَاجِ ، وَلَمْ يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ ، فَيُخَلَّى عَنْهُمْ .
5828 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : هُوَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ أَوِ الْإِسْلَامُ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ قُبِلَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلَمْ يُقْتَلُوا .
5829 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقَاتِلَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " أَوِ السَّيْفَ . ثُمَّ أُمِرَ فِي مَنْ سِوَاهُمْ بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ، فَقَالَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5830 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ لَيْسَ لَهَا دِينٌ ، فَأُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ بِالسَّيْفِ . قَالَ : وَلَا يُكْرَهُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ .
5831 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ لِغُلَامٍ لَهُ نَصْرَانِيٍّ : يَا جَرِيرُ أَسْلِمْ . ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُمْ .
5832 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : [5/414]حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : وَذَلِكَ لَمَّا دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَعْطَى أَهْلُ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5833 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ (مكان)عَشْرَ سِنِينَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا فِي الدِّينِ ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي قِتَالِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ - وَقَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسَ وَكُلَّ مَنْ جَاءَ إِقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ الْمُخَالِفِ دِينَ الْحَقِّ ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مَنْسُوخًا .
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ؛ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِنَا ( كِتَابِ اللَّطِيفِ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ) : مِنْ أَنَّ النَّاسِخَ غَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا إِلَّا مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ ، فَلَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُهُمَا . فَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصَ ، فَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُقَالَ : لَا إِكْرَاهَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا قَدْ نَقَلُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ [5/415]أَكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَوْمًا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ ، وَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ إِنِ امْتَنَعُوا مِنْهُ ، وَذَلِكَ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَكَالْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، وَأَنَّهُ تَرَكَ إِكْرَاهَ الْآخَرِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَبُولِهِ الْجِزْيَةَ مِنْهُ وَإِقْرَارِهِ عَلَى دِينِهِ الْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ كَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمِنْ أَشْبَهَهُمْ - كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " إِنَّمَا هُوَ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَلَّ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِأَدَائِهِ الْجِزْيَةَ ، وَرِضَاهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ ، بِالْإِذْنِ بِالْمُحَارَبَةِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوا أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟
قُلْنَا : ذَلِكَ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ قَدْ تَنْزِلُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْأَمْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا عَامًّا فِي كُلِّ مَا جَانَسَ الْمَعْنَى الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ . فَالَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ - عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ - إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا دَانُوا بِدِينِ أَهْلِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ ثُبُوتِ عَقْدِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ ، فَنَهَى اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ إِكْرَاهِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْزَلَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آيَةً يَعُمُّ حُكْمُهَا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمْ ، مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ الَّتِي يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " . لَا يُكْرَهُ أَحَدٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " فِي " الدِّينِ " تَعْرِيفًا لِلدِّينِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ لَا إِكْرَاهَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْإِسْلَامُ . [5/416]
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُدْخِلَتَا عَقِيبًا مِنَ " الْهَاءِ " الْمَنْوِيَّةِ فِي " الدِّينِ " فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، لَا إِكْرَاهَ فِي دِينِهِ ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ " فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " رَشَدْتُ فَأَنَا أَرْشُدُ رَشَدًا وَرُشْدًا وَرَشَادًا " وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ .
وَأَمَّا " الْغَيُّ " فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَدْ غَوَى فُلَانٌ فَهُوَ يَغْوَى غَيًّا وَغِوَايَةً " وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ : " غَوِيَ فُلَانٌ يَغْوَى " وَالَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقَرَأَةِ : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ سُورَةُ النَّجْمِ : 2 ] بِالْفَتْحِ ، وَهِيَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَا الْحَقَّ وَتَجَاوَزَهُ ، فَضَلَّ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : قَدْ وَضَحَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَاسْتَبَانَ لِطَالِبِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ وَجْهُ مَطْلَبِهِ ، فَتَمَيَّزَ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ ، فَلَا تُكْرِهُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ - وَمَنْ أَبَحْتُ لَكُمْ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ - [ أَحَدًا ] عَلَى دِينِكُمْ دِينِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ مَنْ حَادَ عَنِ الرَّشَادِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ لَهُ ، فَإِلَى رَبِّهِ أَمْرُهُ ، وَهُوَ وَلِيُّ عُقُوبَتِهِ فِي مَعَادِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الطَّاغُوتِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّيْطَانُ . [5/417]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5834 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5835 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ .
5836 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5837 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5838 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " قَالَ : الشَّيْطَانُ .
5839 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5840 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " بِالشَّيْطَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الطَّاغُوتُ : هُوَ السَّاحِرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5841 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، [5/418]عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، أَنَّهُ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
وَقَدْ خُولِفَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَا ذَاكِرٌ الْخِلَافَ بَعْدُ .
5842 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ " الطَّاغُوتُ " هُوَ الْكَاهِنُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5843 - حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
5844 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
5845 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " قَالَ : كُهَّانٌ تَنَزَّلُ عَلَيْهَا شَيَاطِينُ ، يُلْقُونَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ . أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : - وَسُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فَقَالَ - : كَانَ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ ، وَهِيَ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ . [5/419]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي " الطَّاغُوتِ " أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ ، فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ ، وَإِنْسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ ، أَوْ شَيْطَانًا ، أَوْ وَثَنًا ، أَوْ صَنَمًا ، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ .
وَأَرَى أَنَّ أَصْلَ " الطَّاغُوتِ " " الطَّغَوُوتُ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " طَغَا فُلَانٌ يَطْغُو " إِذَا عَدَا قَدْرَهُ ، فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ ، كَ " الْجَبَرُوتِ " " مِنَ التَّجَبُّرِ " وَ " الْخَلَبُوتِ " مِنَ " الْخَلَبِ " . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى تَقْدِيرِ " فَعَلُوتٍ " بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَالتَّاءِ . ثُمَّ نُقِلَتْ لَامُهُ - أَعْنِي لَامَ " الطَّغَوُوتِ " فَجُعِلَتْ لَهُ عَيْنًا ، وَحُوِّلَتْ عَيْنُهُ فَجُعِلَتْ مَكَانَ لَامِهِ ، كَمَا قِيلَ : " جَذَبَ وَجَبَذَ " " وَجَاذَبَ وَجَابَذَ " " وَصَاعِقَةٌ وَصَاقِعَةٌ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : فَمَنْ يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَكْفُرُ بِهِ " وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ " يَقُولُ : وَيُصَدِّقُ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَرَبُّهُ وَمَعْبُودُهُ " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " يَقُولُ : فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَوْثَقِ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْخَلَاصِ لِنَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ كَمَا : -
5846 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ جِيرَتِهِ ، فَوَجَدَهُ فِي السَّوْقِ وَهُوَ يُغَرْغِرُ ، لَا يَفْقَهُونَ مَا يُرِيدُ . [5/420]
فَسَأَلَهُمْ : يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ : " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ " . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ ؟ قَالُوا : لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى انْكَسَرَ لِسَانُهُ ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَفْلَحَ صَاحِبُكُمْ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " .
[5/421]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْعُرْوَةُ " فِي هَذَا الْمَكَانِ ، مَثَلٌ لِلْإِيمَانِ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ الْمُؤْمِنُ ، فَشَبَّهَهُ فِي تَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالْمُتَمَسِّكِ بِعُرْوَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ عُرْوَةٌ يُتَمَسَّكُ بِهَا ، إِذْ كَانَ كُلُّ ذِي عُرْوَةٍ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ مَنْ أَرَادَهُ بِعُرْوَتِهِ .
وَجَعَلَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْإِيمَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْأَشْيَاءِ بِقَوْلِهِ : " الْوُثْقَى "
" وَالْوُثْقَى " " فُعْلَى " مِنَ " الْوَثَاقَةِ " . يُقَالُ فِي الذَّكَرِ : " هُوَ الْأَوْثَقُ " وَفِي الْأُنْثَى : " هِيَ الْوُثْقَى " كَمَا يُقَالُ : " فُلَانٌ الْأَفْضَلُ ، وَفُلَانَةٌ الْفُضْلَى " .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : الْإِيمَانُ .
5848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5849 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : " الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى " هُوَ الْإِسْلَامُ .
5850 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ ، عَنْ جَعْفَرٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . [5/422]
5851 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ .
5852 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَاكِ : " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " مِثْلَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا انْفِصَامَ لَهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " لَا انْكِسَارَ لَهَا . " وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " لَهَا " عَائِدٌ عَلَى " الْعُرْوَةِ " .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، فَقَدِ اعْتَصَمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِمَا لَا يَخْشَى مَعَ اعْتِصَامِهِ خِذْلَانَهُ إِيَّاهُ ، وَإِسْلَامَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي أَهْوَالِ الْآخِرَةِ ، كَالْمُتَمَسِّكِ بِالْوَثِيقِ مِنْ عُرَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُخْشَى انْكِسَارُ عُرَاهَا .
وَأَصْلُ " الْفَصْمِ " الْكَسْرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ :
وَمَبْسِمَهَا عَنْ شَتِيتِ النَّبَاتِ غَيْرَ أَكَسَّ وَلَا مُنْفَصِمْ [5/423]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5853 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : لَا يُغَيِّرُ اللَّهُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ .
5854 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5855 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : لَا انْقِطَاعَ لَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَاللَّهُ سَمِيعٌ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ الْكَافِرِ بِالطَّاغُوتِ عِنْدَ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَتَبَرُّئِهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ [5/424]مِنْ دُونِ اللَّهِ . " عَلِيمٌ " بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ رُبُوبِيَّتِهِ قَلْبُهُ ، وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ ضَمِيرُهُ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْفَتْهُ نَفْسُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا يَنْكَتِمُ عَنْهُ سِرٌّ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرٌ ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ ، وَأَضْمَرَتْهُ نَفْسُهُ ، إِنْ خَيْرَا فَخَيْرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ - أَوْ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ - كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ قَدْ هَوَّدُوهُمْ أَوْ نَصَّرُوهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَرَادُوا إِكْرَاهَهُمْ عَلَيْهِ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونُوا هُمْ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5812 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، [5/408]عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا ، فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ . فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالُوا : لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5813 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلًى وَلَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - قَالَ شُعْبَةُ : وَإِنَّمَا هُوَ مِقْلَاتٌ - فَتَجْعَلُ عَلَيْهَا إِنْ بَقِيَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ . قَالَ : فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَبْنَائِنَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " . قَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ .
5814 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَكُونُ مِقْلَاتًا لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ ، فَتَنْذُرُ إِنْ عَاشَ وَلَدُهَا أَنْ تَجْعَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَطَوَائِفُ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ دِينَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِينِنَا ! وَإِذْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنُكْرِهَنَّهُمْ ! فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " فَكَانَ [5/409]فَصْلُ مَا بَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ، فَمَنْ لَحِقَ بِهِمُ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ ، وَمَنْ أَقَامَ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِحُمَيْدٍ .
5815 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَكَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَهُمْ إِجْلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَمْ يُسَلِمْ مِنْهُمْ ، وَبَقِيَ مَنْ أَسْلَمَ .
5816 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِجْلَاءَ النَّضِيرِ إِلَى خَيْبَرَ ، (مكان)فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ أَقَامَ ، وَمَنْ كَرِهَ لَحِقَ بِخَيْبَرَ (مكان).
5817 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيِّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ الْحُصَيْنُ ، كَانَ لَهُ ابْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ ، وَكَانَ هُوَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا أَسْتَكْرِهُهُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ذَلِكَ .
5818 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ فِي الْأَنْصَارِ ، قَالَ : قُلْتُ خَاصَّةً ! قَالَ : خَاصَّةً ! قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَنْذُرُ إِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْيَهُودِ ، [5/410]تَلْتَمِسُ بِذَلِكَ طُولَ بَقَائِهِ . قَالَ : فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِيهِمْ ، قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قَدْ خُيِّرَ أَصْحَابُكُمْ ، فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ " قَالَ : فَأَجْلَوْهُمْ مَعَهُمْ .
5819 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " إِلَى : " لَا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحُصَيْنِ : كَانَ لَهُ ابْنَانِ ، فَقَدِمَ تُجَّارٌ مِنَ الشَّامِ (مكان)إِلَى الْمَدِينَةِ (مكان)يَحْمِلُونَ الزَّيْتَ . فَلَمَّا بَاعُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَرْجِعُوا أَتَاهُمُ ابْنَا أَبِي الْحُصَيْنِ ، فَدَعَوْهُمَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، فَتَنَصَّرَا فَرَجَعَا إِلَى الشَّامِ (مكان)مَعَهُمْ . فَأَتَى أَبُوهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنَّ ابْنَيَّ تَنَصَّرَا وَخَرَجَا ، فَأَطْلُبُهُمَا ؟ فَقَالَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " .
وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : أَبْعَدَهُمَا اللَّهُ ! هُمَا أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ ! فَوَجَدَ أَبُو الْحُصَيْنِ فِي نَفْسِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لَمْ يَبْعَثْ فِي طَلَبِهِمَا ، فَنَزَلَتْ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 65 ] ثُمَّ إِنَّهُ نُسِخَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " فَأُمِرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةَ " . [5/411]
5820 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَتْ فِي الْيَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ ، أَرْضَعُوا رِجَالًا مِنَ الْأَوْسِ ، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِجْلَائِهِمْ ، قَالَ أَبْنَاؤُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ : لَنَذْهَبَنَّ مَعَهُمْ ، وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ ! فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
5821 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5822 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتِ النَّضِيرُ يَهُودًا فَأَرْضَعُوا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ دَانَ بِدِينِهِمْ أَبْنَاءُ الْأَوْسِ ، دَانُوا بِدِينِ النَّضِيرِ .
5823 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : لَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ تَنْذُرُ إِنْ عَاشَ وَلَدُهَا لَتَجْعَلَنَّهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : [5/412]يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُكْرِهُ أَوْلَادَنَا الَّذِينَ هُمْ فِي يَهُودَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ فِيهَا وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ ؟ فَأَمَّا إِذْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَفَلَا نُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5824 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ ، وَزَادَ قَالَ : كَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْيَهُودَ مِنْهُمْ وَبَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ ، فَمَنْ خَرَجَ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ تَرَكَهُمُ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ .
5825 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " إِلَى قَوْلِهِ : " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : قَالَ مَنْسُوخٌ .
5826 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَوَائِلٌ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَمَّا أُجْلَوْا أَرَادَ أَهْلُوهُمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِدِينِهِمْ ، فَنَزَلَتْ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الدِّينِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ . وَقَالُوا : الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5827 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ [5/413]قَتَادَةَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : أُكْرِهَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ يَعْرِفُونَهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ . وَلَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ أَوْ بِالْخَرَاجِ ، وَلَمْ يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ ، فَيُخَلَّى عَنْهُمْ .
5828 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : هُوَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ أَوِ الْإِسْلَامُ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ قُبِلَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلَمْ يُقْتَلُوا .
5829 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقَاتِلَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " أَوِ السَّيْفَ . ثُمَّ أُمِرَ فِي مَنْ سِوَاهُمْ بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ، فَقَالَ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " .
5830 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ لَيْسَ لَهَا دِينٌ ، فَأُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ بِالسَّيْفِ . قَالَ : وَلَا يُكْرَهُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ .
5831 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ لِغُلَامٍ لَهُ نَصْرَانِيٍّ : يَا جَرِيرُ أَسْلِمْ . ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُمْ .
5832 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : [5/414]حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " قَالَ : وَذَلِكَ لَمَّا دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَعْطَى أَهْلُ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5833 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ (مكان)عَشْرَ سِنِينَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا فِي الدِّينِ ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي قِتَالِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ - وَقَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسَ وَكُلَّ مَنْ جَاءَ إِقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ الْمُخَالِفِ دِينَ الْحَقِّ ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مَنْسُوخًا .
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ؛ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِنَا ( كِتَابِ اللَّطِيفِ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ) : مِنْ أَنَّ النَّاسِخَ غَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا إِلَّا مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ ، فَلَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُهُمَا . فَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصَ ، فَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُقَالَ : لَا إِكْرَاهَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا قَدْ نَقَلُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ [5/415]أَكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَوْمًا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ ، وَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ إِنِ امْتَنَعُوا مِنْهُ ، وَذَلِكَ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَكَالْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، وَأَنَّهُ تَرَكَ إِكْرَاهَ الْآخَرِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَبُولِهِ الْجِزْيَةَ مِنْهُ وَإِقْرَارِهِ عَلَى دِينِهِ الْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ كَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمِنْ أَشْبَهَهُمْ - كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " إِنَّمَا هُوَ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَلَّ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِأَدَائِهِ الْجِزْيَةَ ، وَرِضَاهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ ، بِالْإِذْنِ بِالْمُحَارَبَةِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوا أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟
قُلْنَا : ذَلِكَ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ قَدْ تَنْزِلُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْأَمْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا عَامًّا فِي كُلِّ مَا جَانَسَ الْمَعْنَى الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ . فَالَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ - عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ - إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا دَانُوا بِدِينِ أَهْلِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ ثُبُوتِ عَقْدِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ ، فَنَهَى اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ إِكْرَاهِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْزَلَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آيَةً يَعُمُّ حُكْمُهَا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمْ ، مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ الَّتِي يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " . لَا يُكْرَهُ أَحَدٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " فِي " الدِّينِ " تَعْرِيفًا لِلدِّينِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ لَا إِكْرَاهَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْإِسْلَامُ . [5/416]
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُدْخِلَتَا عَقِيبًا مِنَ " الْهَاءِ " الْمَنْوِيَّةِ فِي " الدِّينِ " فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، لَا إِكْرَاهَ فِي دِينِهِ ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ " فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " رَشَدْتُ فَأَنَا أَرْشُدُ رَشَدًا وَرُشْدًا وَرَشَادًا " وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ .
وَأَمَّا " الْغَيُّ " فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَدْ غَوَى فُلَانٌ فَهُوَ يَغْوَى غَيًّا وَغِوَايَةً " وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ : " غَوِيَ فُلَانٌ يَغْوَى " وَالَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقَرَأَةِ : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ سُورَةُ النَّجْمِ : 2 ] بِالْفَتْحِ ، وَهِيَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَا الْحَقَّ وَتَجَاوَزَهُ ، فَضَلَّ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : قَدْ وَضَحَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَاسْتَبَانَ لِطَالِبِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ وَجْهُ مَطْلَبِهِ ، فَتَمَيَّزَ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ ، فَلَا تُكْرِهُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ - وَمَنْ أَبَحْتُ لَكُمْ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ - [ أَحَدًا ] عَلَى دِينِكُمْ دِينِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ مَنْ حَادَ عَنِ الرَّشَادِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ لَهُ ، فَإِلَى رَبِّهِ أَمْرُهُ ، وَهُوَ وَلِيُّ عُقُوبَتِهِ فِي مَعَادِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الطَّاغُوتِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّيْطَانُ . [5/417]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5834 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5835 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ .
5836 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5837 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5838 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " قَالَ : الشَّيْطَانُ .
5839 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
5840 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " بِالشَّيْطَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الطَّاغُوتُ : هُوَ السَّاحِرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5841 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، [5/418]عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، أَنَّهُ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
وَقَدْ خُولِفَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَا ذَاكِرٌ الْخِلَافَ بَعْدُ .
5842 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ " الطَّاغُوتُ " هُوَ الْكَاهِنُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5843 - حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
5844 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
5845 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ " قَالَ : كُهَّانٌ تَنَزَّلُ عَلَيْهَا شَيَاطِينُ ، يُلْقُونَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ . أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : - وَسُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فَقَالَ - : كَانَ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ ، وَهِيَ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ . [5/419]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي " الطَّاغُوتِ " أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ ، فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ ، وَإِنْسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ ، أَوْ شَيْطَانًا ، أَوْ وَثَنًا ، أَوْ صَنَمًا ، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ .
وَأَرَى أَنَّ أَصْلَ " الطَّاغُوتِ " " الطَّغَوُوتُ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " طَغَا فُلَانٌ يَطْغُو " إِذَا عَدَا قَدْرَهُ ، فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ ، كَ " الْجَبَرُوتِ " " مِنَ التَّجَبُّرِ " وَ " الْخَلَبُوتِ " مِنَ " الْخَلَبِ " . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى تَقْدِيرِ " فَعَلُوتٍ " بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَالتَّاءِ . ثُمَّ نُقِلَتْ لَامُهُ - أَعْنِي لَامَ " الطَّغَوُوتِ " فَجُعِلَتْ لَهُ عَيْنًا ، وَحُوِّلَتْ عَيْنُهُ فَجُعِلَتْ مَكَانَ لَامِهِ ، كَمَا قِيلَ : " جَذَبَ وَجَبَذَ " " وَجَاذَبَ وَجَابَذَ " " وَصَاعِقَةٌ وَصَاقِعَةٌ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : فَمَنْ يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَكْفُرُ بِهِ " وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ " يَقُولُ : وَيُصَدِّقُ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَرَبُّهُ وَمَعْبُودُهُ " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " يَقُولُ : فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَوْثَقِ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْخَلَاصِ لِنَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ كَمَا : -
5846 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ جِيرَتِهِ ، فَوَجَدَهُ فِي السَّوْقِ وَهُوَ يُغَرْغِرُ ، لَا يَفْقَهُونَ مَا يُرِيدُ . [5/420]
فَسَأَلَهُمْ : يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ : " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ " . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ ؟ قَالُوا : لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى انْكَسَرَ لِسَانُهُ ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَفْلَحَ صَاحِبُكُمْ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " .
[5/421]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْعُرْوَةُ " فِي هَذَا الْمَكَانِ ، مَثَلٌ لِلْإِيمَانِ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ الْمُؤْمِنُ ، فَشَبَّهَهُ فِي تَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالْمُتَمَسِّكِ بِعُرْوَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ عُرْوَةٌ يُتَمَسَّكُ بِهَا ، إِذْ كَانَ كُلُّ ذِي عُرْوَةٍ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ مَنْ أَرَادَهُ بِعُرْوَتِهِ .
وَجَعَلَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْإِيمَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْأَشْيَاءِ بِقَوْلِهِ : " الْوُثْقَى "
" وَالْوُثْقَى " " فُعْلَى " مِنَ " الْوَثَاقَةِ " . يُقَالُ فِي الذَّكَرِ : " هُوَ الْأَوْثَقُ " وَفِي الْأُنْثَى : " هِيَ الْوُثْقَى " كَمَا يُقَالُ : " فُلَانٌ الْأَفْضَلُ ، وَفُلَانَةٌ الْفُضْلَى " .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : الْإِيمَانُ .
5848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5849 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : " الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى " هُوَ الْإِسْلَامُ .
5850 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ ، عَنْ جَعْفَرٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . [5/422]
5851 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ .
5852 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَاكِ : " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " مِثْلَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا انْفِصَامَ لَهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " لَا انْكِسَارَ لَهَا . " وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " لَهَا " عَائِدٌ عَلَى " الْعُرْوَةِ " .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، فَقَدِ اعْتَصَمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِمَا لَا يَخْشَى مَعَ اعْتِصَامِهِ خِذْلَانَهُ إِيَّاهُ ، وَإِسْلَامَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي أَهْوَالِ الْآخِرَةِ ، كَالْمُتَمَسِّكِ بِالْوَثِيقِ مِنْ عُرَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُخْشَى انْكِسَارُ عُرَاهَا .
وَأَصْلُ " الْفَصْمِ " الْكَسْرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ :
وَمَبْسِمَهَا عَنْ شَتِيتِ النَّبَاتِ غَيْرَ أَكَسَّ وَلَا مُنْفَصِمْ [5/423]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5853 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : لَا يُغَيِّرُ اللَّهُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ .
5854 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5855 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لا انْفِصَامَ لَهَا " قَالَ : لَا انْقِطَاعَ لَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَاللَّهُ سَمِيعٌ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ الْكَافِرِ بِالطَّاغُوتِ عِنْدَ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَتَبَرُّئِهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ [5/424]مِنْ دُونِ اللَّهِ . " عَلِيمٌ " بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ رُبُوبِيَّتِهِ قَلْبُهُ ، وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ ضَمِيرُهُ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْفَتْهُ نَفْسُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا يَنْكَتِمُ عَنْهُ سِرٌّ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرٌ ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ ، وَأَضْمَرَتْهُ نَفْسُهُ ، إِنْ خَيْرَا فَخَيْرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا .