النص
[5/386]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 255 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " اللَّهُ " .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُعْبَدَ شَيْءٌ غَيْرُ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ . يَقُولُ : " اللَّهُ " الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " لَا إِلَهَ سِوَاهُ ، لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ ، يَعْنِي : وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ، وَالَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَقْوَالُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخْبَرَنَا - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَاقْتَتَلُوا فِيهِ كُفْرًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَإِيمَانًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ . فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّصْدِيقِ بِهِ ، وَوَفَّقَنَا لِلْإِقْرَارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الْحَيُّ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ ، وَالْبَقَاءُ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ بِحَدٍّ ، وَلَا آخِرَ لَهُ بِأَمَدٍ ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا [5/387]فَلِحَيَاتِهِ أَوَّلٌ مَحْدُودٌ ، وَآخِرٌ مَمْدُودٌ ، يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعٍ أَمَدِهَا ، وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ غَايَتِهَا .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5763 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " الْحَيُّ " حَيٌّ لَا يَمُوتُ .
5764 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ " حَيًّا " لِصَرْفِهِ الْأُمُورَ مَصَارِفَهَا وَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ مَقَادِيرَهَا ، فَهُوَ حَيٌّ بِالتَّدْبِيرِ لَا بِحَيَاةٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ اسْمٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ تَسَمَّى بِهِ ، فَقُلْنَاهُ تَسْلِيمًا لِأَمْرِهِ . [5/388]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الْقَيُّومُ " فَإِنَّهُ " الْفَيْعُولُ " مِنَ " الْقِيَامِ " وَأَصْلُهُ " الْقَيْوُومُ " : سَبَقَ عَيْنَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ " وَاوٌ " " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ ، فَأُدْغِمَتَا فَصَارَتَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً .
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ " وَاوٍ " كَانَتْ لِلْفِعْلِ عَيْنًا ، سَبَقَتْهَا " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " الْقَيُّومُ " الْقَائِمُ بِرِزْقِ مَا خَلَقَ وَحَفِظِهِ ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ :
لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمْسُ مَعَهَا قَمَرٌ يَعُومُ قَدَّرَهُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّومُ وَالْجِسْرُ وَالْجَنَّةُ وَالْجَحِيمُ إِلَّا لِأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5765 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " الْقَيُّومُ " قَالَ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
5766 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " الْقَيُّومُ " قَيِّمُ كُلِّ شَيْءٍ ، يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيَحْفَظُهُ .
5767 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " الْقَيُّومُ " وَهُوَ الْقَائِمُ . [5/389]
5768 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قَالَ : الْقَائِمُ الدَّائِمُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " لَا يَأْخُذُهُ نُعَاسٌ فَيَنْعَسُ ، وَلَا نَوْمٌ فَيَسْتَثْقِلُ نَوْمًا .
" وَالْوَسَنُ " خُثُورَةُ النَّوْمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقَاعِ :
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ [5/390]
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا خُثُورَةُ النَّوْمِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ ، قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ :
تُعَاطِي الضَّجِيعَ إِذَا أَقْبَلَتْ بُعَيْدَ النُّعَاسِ وَقَبْلَ الْوَسَنِ
وَقَالَ آخَرُ :
بَاكَرَتْهَا الْأَغْرَابُ فِي سِنَةِ النَّوْ مِ فَتَجْرِي خِلَالَ شَوْكِ السَّيَالِ [5/391]
يَعْنِي عِنْدَ هُبُوبِهَا مِنَ النَّوْمِ وَوَسَنُ النَّوْمِ فِي عَيْنِهَا ، يُقَالُ مِنْهُ : " وَسَنَ فُلَانٌ فَهُوَ يَوْسَنُ وَسَنًا وَسِنَةً وَهُوَ وَسْنَانُ " إِذَا كَانَ كَذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5769 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ تَعَالَى : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَ : السِّنَةُ : النُّعَاسُ ، وَالنَّوْمُ : هُوَ النَّوْمُ .
5770 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " السِّنَةُ : النُّعَاسُ .
5771 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَا نَعْسَةٌ .
5772 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : السِّنَةُ : الْوَسْنَةُ ، وَهُوَ دُونَ النَّوْمِ ، وَالنَّوْمُ : الِاسْتِثْقَالُ ،
5773 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ [5/392]جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " السِّنَةُ : النُّعَاسُ ، وَالنَّوْمُ : الِاسْتِثْقَالُ .
5774 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
5775 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " أَمَّا " سِنَةٌ " فَهُوَ رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ .
5776 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : " السِّنَةُ " الْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ .
5777 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَرْثِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَ : النُّعَاسُ .
5778 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : " الْوَسْنَانُ " : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ لَا يَعْقِلُ ، حَتَّى [5/393]رُبَّمَا أَخَذَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا عَنَى - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " لَا تَحُلُّهُ الْآفَاتُ ، وَلَا تَنَالُهُ الْعَاهَاتُ . وَذَلِكَ أَنَّ " السِّنَةَ " " وَالنَّوْمَ " مَعْنَيَانِ يَغْمُرَانِ فَهْمَ ذِي الْفَهْمِ ، وَيُزِيلَانِ مَنْ أَصَابَاهُ عَنِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَاهُ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ " الَّذِي لَا يَمُوتُ " الْقَيُّومُ " عَلَى كُلِّ مَا هُوَ دُونَهُ بِالرِّزْقِ وَالْكَلَاءَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " لَا يُغَيِّرُهُ مَا يُغَيِّرُ غَيْرَهُ ، وَلَا يُزِيلُهُ عَمَّا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ تَنَقُّلُ الْأَحْوَالِ وَتَصْرِيفُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، بَلْ هُوَ الدَّائِمُ عَلَى حَالٍ ، وَالْقَيُّومُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ ، لَوْ نَامَ كَانَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا ؛ لَأَنَّ النَّوْمَ غَالِبُ النَّائِمِ قَاهِرُهُ ، وَلَوْ وَسَنَ لَكَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِمَا دَكًّا ؛ لِأَنَّ قِيَامَ جَمِيعِ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَالنَّوْمُ شَاغِلُ الْمُدَبِّرِ عَنِ التَّدْبِيرِ ، وَالنُّعَاسُ مَانِعُ الْمُقَدِّرِ عَنِ التَّقْدِيرِ بِوَسَنِهِ كَمَا :
5779 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ " أَنَّ مُوسَى (نبي)سَأَلَ الْمَلَائِكَةَ : هَلْ يَنَامُ اللَّهُ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَرِّقُوهُ ثَلَاثًا فَلَا يَتْرُكُوهُ يَنَامُ . فَفَعَلُوا ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ قَارُورَتَيْنِ فَأَمْسَكُوهُ ، ثُمَّ تَرَكُوهُ وَحَذَّرُوهُ أَنْ يَكْسِرَهُمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُمَا فِي يَدَيْهِ ، [5/394]فِي كُلِّ يَدٍ وَاحِدَةٌ . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، وَيَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، حَتَّى نَعَسَ نَعْسَةً ، فَضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَكَسَرَهُمَا . قَالَ مَعْمَرٌ : إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ، يَقُولُ : فَكَذَلِكَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي يَدَيْهِ .
5780 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْكِي عَنْ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى (نبي): هَلْ يَنَامُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدِ قَارُورَةٌ ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ . قَالَ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
[5/395]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ " أَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا نَدِيدٍ ، وَخَالِقُ جَمِيعَهُ دُونَ كُلِّ آلِهَةٍ وَمَعْبُودٍ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ إِنَّمَا هُوَ طَوْعُ يَدِ مَالِكِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ خِدْمَةُ غَيْرِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ . يَقُولُ : فَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكِي وَخَلْقِي ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي غَيْرِي وَأَنَا مَالِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ مَالِكِهِ ، وَلَا يُطِيعَ سِوَى مَوْلَاهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ لِمَمَالِيكِهِ إِنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُمْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَهُ ، وَيَأْذَنَ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ لَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : مَا نَعْبُدُ أَوْثَانَنَا هَذِهِ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ! فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَهُمْ : لِي مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكًا ، فَلَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِغَيْرِي ، فَلَا تَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُقَرِّبُكُمْ مِنِّي زُلْفَى ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُكُمْ عِنْدِي وَلَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَشْفَعُ عِنْدِي أَحَدٌ لِأَحَدٍ إِلَّا بِتَخْلِيَتِي إِيَّاهُ وَالشَّفَاعَةِ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ مِنْ رُسُلِي وَأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي .
[5/396]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ مَا كَانَ وَبِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ عِلْمًا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " الْآخِرَةُ .
5782 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " مِنَ الْآخِرَةِ .
5783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " مَا مَضَى أَمَامَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
5784 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " قَالَ : [ وَأَمَّا ] " مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " فَالدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " فَالْآخِرَةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَنَّهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، [5/397]مُحْصٍ لَهُ دُونَ سَائِرِ مَنْ دُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ سِوَاهُ شَيْئًا إِلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُ ، فَأَرَادَ فَعَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ بِالْأَشْيَاءِ جَاهِلًا فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ مِنْ وَثَنٍ وَصَنَمٍ ؟ ! يَقُولُ : أَخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِمَنْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ، يَعْلَمُهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5786 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ " يَقُولُ : لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ " إِلَّا بِمَا شَاءَ " هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْكُرْسِيِّ " الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ عِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5787 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَسَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ " قَالَ : كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ .
5788 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، [5/398]عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَزَادَ فِيهِ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " ؟
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْكُرْسِيُّ " : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5789 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ ، وَلَهُ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ .
5790 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ .
5791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ : كُرْسِيُّهُ الَّذِي يُوضَعُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، الَّذِي يَجْعَلُ الْمُلُوكُ عَلَيْهِ أَقْدَامَهُمْ .
5792 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ قَالَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ . [5/399]
5793 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَكَيْفَ الْعَرْشُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِلَى قَوْلِهِ : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الزُّمَرِ : 67 ] .
5794 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : فَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ " . قَالَ : وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيُّ : هُوَ الْعَرْشُ نَفْسُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5795 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعَرْشُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَا : - [5/400]
5796 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ : أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ ! فَعَظَّمَ الرَّبَّ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ثُمَّ قَالَ : إِنْ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَإِنَّهُ لِيَقْعُدُ عَلَيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ - ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ فَجَمَعَهَا - وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ ، إِذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِهِ " .
5797 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ .
5798 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . [5/401]
وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " هُوَ عِلْمُهُ " . وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَئُودُهُ حِفْظُ مَا عَلِمَ ، وَأَحَاطَ بِهِ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [ غَافِرِ : 7 ] [5/402]فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّ عِلْمَهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " الْكُرْسِيِّ " الْعِلْمُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُونُ فِيهَا عِلْمٌ مَكْتُوبٌ " كُرَّاسَةٌ " وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ فِي صِفَةِ قَانِصٍ :
حَتَّى إِذَا مَا احْتَازَهَا تَكَرَّسَا
.
يَعْنِي عَلِمَ . وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْعُلَمَاءِ " الْكَرَاسِيُّ " ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يُقَالُ : " أَوْتَادُ الْأَرْضِ " . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ تَصْلُحُ بِهِمُ الْأَرْضُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيٌّ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
يَعْنِي بِذَلِكَ : عُلَمَاءُ بِحَوَادِثِ الْأُمُورِ وَنَوَازِلِهَا . وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ " الْكِرْسَ " يُقَالُ مِنْهُ : " فُلَانٌ كَرِيمُ الْكِرْسِ " أَيْ كَرِيمُ الْأَصْلِ ، قَالَ الْعَجَّاجُ : [5/403]
قَدْ عَلِمَ الْقُدُّوسِ مَوْلَى الْقُدْسِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَوْلَى نَفْسِ بِمَعْدِنِ الْمُلْكِ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ
يَعْنِي بِذَلِكَ : الْكَرِيمُ الْأَصْلِ . وَيُرْوَى :
فِي مَعْدِنِ الْعِزِّ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَا يُثْقِلُهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " قَدْ آدَنِي هَذَا الْأَمْرُ فَهُوَ يَؤُودُنِي أَوْدًا وَإِيَادًا " وَيُقَالُ : " مَا آدَكَ فَهُوَ لِي آئَدُ " يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا أَثْقَلَكَ فَهُوَ لِي مُثْقِلٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5799 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : [5/404]حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " يَقُولُ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5800 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5801 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ لَا يُجْهِدُهُ حِفْظُهُمَا .
5802 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
5803 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5804 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5805 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
5806 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَعْنِي خَلَّادًا يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدِينِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَكْبُرُ عَلَيْهِ .
5807 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ [5/405]مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَكْرُثُهُ .
5808 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5809 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " يَقُولُ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5810 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَعِزُّ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْهَاءُ " " وَالْمِيمُ " " وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " حِفْظُهُمَا " مِنْ ذِكْرِ " السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَهُوَ الْعَلِيُّ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاللَّهُ الْعَلِيُّ .
" وَالْعَلِيُّ " " الْفَعِيلُ " مِنْ قَوْلِكَ : " عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا " إِذَا ارْتَفَعَ ، " فَهُوَ عَالٍ وَعَلِيٌّ " " وَالْعَلِيُّ " ذُو الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " الْعَظِيمُ " ذُو الْعَظَمَةِ ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ مِنْهُ كَمَا : -
5811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الْعَظِيمُ " الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ . [5/406]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : .
" وَهُوَ الْعَلِيُّ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِذَلِكَ ; وَهُوَ الْعَلِيُّ عَنِ النَّظِيرِ وَالْأَشْبَاهِ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : " وَهُوَ الْعَلِيُّ الْمَكَانِ " . وَقَالُوا : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَكَانٌ ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهِ بِعُلُوِّ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُوَ الْعَلِيُّ عَلَى خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَخَلْقُهُ دُونَهُ ، كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، فَهُوَ عَالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " الْعَظِيمُ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى " الْعَظِيمُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْمُعَظَّمُ ، صَرَفَ " الْمُفْعَّلَ " إِلَى " فَعِيلٍ " كَمَا قِيلَ لِلْخَمْرِ الْمُعَتَّقَةِ : " خَمْرٌ عَتِيقٌ " كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
وَكَأَنَّ الْخَمْرَ الْعَتِيقَ مِنَ الْإِسْ فِنْطِ مَمْزَوجَةً بِمَاءٍ زُلَالٍ
وَإِنَّمَا هِيَ " مُعَتَّقَةٌ " . قَالُوا : فَقَوْلُهُ " الْعَظِيمُ " مَعْنَاهُ : الْمُعْظَّمُ الَّذِي يُعَظِّمُهُ خَلْقُهُ وَيَهَابُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ الْقَائِلِ : " هُوَ عَظِيمٌ " أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مُعْظَّمٌ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ . قَالُوا : وَفِي بِطُولِ الْقَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا . [5/407]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " الْعَظِيمُ " هُوَ أَنَّ لَهُ عَظَمَةً هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
وَقَالُوا : لَا نَصِفُ عَظَمَتَهُ بِكَيْفِيَّةٍ ، وَلَكِنَّا نُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مُشَابَهَةِ الْعِظَمِ الْمَعْرُوفِ مِنَ العِبَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ لَهُ بِخَلْقِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَدَّمَنَا ذِكْرَهَا ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ " مُعْظَّمٌ " لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ غَيْرَ عَظِيمٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، وَأَنْ يَبْطُلَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْظِّمَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ : إِنَّهُ " الْعَظِيمُ " وَصْفٌ مِنْهُ نَفْسَهُ بِالْعِظَمِ . وَقَالُوا : كُلُّ مَا دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَبِمَعْنَى الصِّغَرِ لِصِغَرِهِمْ عَنْ عَظَمَتِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " اللَّهُ " .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُعْبَدَ شَيْءٌ غَيْرُ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ . يَقُولُ : " اللَّهُ " الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " لَا إِلَهَ سِوَاهُ ، لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ ، يَعْنِي : وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ، وَالَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَقْوَالُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخْبَرَنَا - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَاقْتَتَلُوا فِيهِ كُفْرًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَإِيمَانًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ . فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّصْدِيقِ بِهِ ، وَوَفَّقَنَا لِلْإِقْرَارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الْحَيُّ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ ، وَالْبَقَاءُ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ بِحَدٍّ ، وَلَا آخِرَ لَهُ بِأَمَدٍ ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا [5/387]فَلِحَيَاتِهِ أَوَّلٌ مَحْدُودٌ ، وَآخِرٌ مَمْدُودٌ ، يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعٍ أَمَدِهَا ، وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ غَايَتِهَا .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5763 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " الْحَيُّ " حَيٌّ لَا يَمُوتُ .
5764 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ " حَيًّا " لِصَرْفِهِ الْأُمُورَ مَصَارِفَهَا وَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ مَقَادِيرَهَا ، فَهُوَ حَيٌّ بِالتَّدْبِيرِ لَا بِحَيَاةٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ اسْمٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ تَسَمَّى بِهِ ، فَقُلْنَاهُ تَسْلِيمًا لِأَمْرِهِ . [5/388]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الْقَيُّومُ " فَإِنَّهُ " الْفَيْعُولُ " مِنَ " الْقِيَامِ " وَأَصْلُهُ " الْقَيْوُومُ " : سَبَقَ عَيْنَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ " وَاوٌ " " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ ، فَأُدْغِمَتَا فَصَارَتَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً .
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ " وَاوٍ " كَانَتْ لِلْفِعْلِ عَيْنًا ، سَبَقَتْهَا " يَاءٌ " سَاكِنَةٌ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " الْقَيُّومُ " الْقَائِمُ بِرِزْقِ مَا خَلَقَ وَحَفِظِهِ ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ :
لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمْسُ مَعَهَا قَمَرٌ يَعُومُ قَدَّرَهُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّومُ وَالْجِسْرُ وَالْجَنَّةُ وَالْجَحِيمُ إِلَّا لِأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5765 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " الْقَيُّومُ " قَالَ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
5766 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " الْقَيُّومُ " قَيِّمُ كُلِّ شَيْءٍ ، يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيَحْفَظُهُ .
5767 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " الْقَيُّومُ " وَهُوَ الْقَائِمُ . [5/389]
5768 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قَالَ : الْقَائِمُ الدَّائِمُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " لَا يَأْخُذُهُ نُعَاسٌ فَيَنْعَسُ ، وَلَا نَوْمٌ فَيَسْتَثْقِلُ نَوْمًا .
" وَالْوَسَنُ " خُثُورَةُ النَّوْمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقَاعِ :
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ [5/390]
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا خُثُورَةُ النَّوْمِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ ، قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ :
تُعَاطِي الضَّجِيعَ إِذَا أَقْبَلَتْ بُعَيْدَ النُّعَاسِ وَقَبْلَ الْوَسَنِ
وَقَالَ آخَرُ :
بَاكَرَتْهَا الْأَغْرَابُ فِي سِنَةِ النَّوْ مِ فَتَجْرِي خِلَالَ شَوْكِ السَّيَالِ [5/391]
يَعْنِي عِنْدَ هُبُوبِهَا مِنَ النَّوْمِ وَوَسَنُ النَّوْمِ فِي عَيْنِهَا ، يُقَالُ مِنْهُ : " وَسَنَ فُلَانٌ فَهُوَ يَوْسَنُ وَسَنًا وَسِنَةً وَهُوَ وَسْنَانُ " إِذَا كَانَ كَذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5769 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ تَعَالَى : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَ : السِّنَةُ : النُّعَاسُ ، وَالنَّوْمُ : هُوَ النَّوْمُ .
5770 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " السِّنَةُ : النُّعَاسُ .
5771 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَا نَعْسَةٌ .
5772 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : السِّنَةُ : الْوَسْنَةُ ، وَهُوَ دُونَ النَّوْمِ ، وَالنَّوْمُ : الِاسْتِثْقَالُ ،
5773 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ [5/392]جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " السِّنَةُ : النُّعَاسُ ، وَالنَّوْمُ : الِاسْتِثْقَالُ .
5774 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
5775 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " أَمَّا " سِنَةٌ " فَهُوَ رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ .
5776 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : " السِّنَةُ " الْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ .
5777 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَرْثِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ " قَالَ : النُّعَاسُ .
5778 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " قَالَ : " الْوَسْنَانُ " : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ لَا يَعْقِلُ ، حَتَّى [5/393]رُبَّمَا أَخَذَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا عَنَى - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " لَا تَحُلُّهُ الْآفَاتُ ، وَلَا تَنَالُهُ الْعَاهَاتُ . وَذَلِكَ أَنَّ " السِّنَةَ " " وَالنَّوْمَ " مَعْنَيَانِ يَغْمُرَانِ فَهْمَ ذِي الْفَهْمِ ، وَيُزِيلَانِ مَنْ أَصَابَاهُ عَنِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَاهُ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ " الَّذِي لَا يَمُوتُ " الْقَيُّومُ " عَلَى كُلِّ مَا هُوَ دُونَهُ بِالرِّزْقِ وَالْكَلَاءَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ " لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ " لَا يُغَيِّرُهُ مَا يُغَيِّرُ غَيْرَهُ ، وَلَا يُزِيلُهُ عَمَّا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ تَنَقُّلُ الْأَحْوَالِ وَتَصْرِيفُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، بَلْ هُوَ الدَّائِمُ عَلَى حَالٍ ، وَالْقَيُّومُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ ، لَوْ نَامَ كَانَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا ؛ لَأَنَّ النَّوْمَ غَالِبُ النَّائِمِ قَاهِرُهُ ، وَلَوْ وَسَنَ لَكَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِمَا دَكًّا ؛ لِأَنَّ قِيَامَ جَمِيعِ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَالنَّوْمُ شَاغِلُ الْمُدَبِّرِ عَنِ التَّدْبِيرِ ، وَالنُّعَاسُ مَانِعُ الْمُقَدِّرِ عَنِ التَّقْدِيرِ بِوَسَنِهِ كَمَا :
5779 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ " أَنَّ مُوسَى (نبي)سَأَلَ الْمَلَائِكَةَ : هَلْ يَنَامُ اللَّهُ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَرِّقُوهُ ثَلَاثًا فَلَا يَتْرُكُوهُ يَنَامُ . فَفَعَلُوا ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ قَارُورَتَيْنِ فَأَمْسَكُوهُ ، ثُمَّ تَرَكُوهُ وَحَذَّرُوهُ أَنْ يَكْسِرَهُمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُمَا فِي يَدَيْهِ ، [5/394]فِي كُلِّ يَدٍ وَاحِدَةٌ . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، وَيَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، حَتَّى نَعَسَ نَعْسَةً ، فَضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَكَسَرَهُمَا . قَالَ مَعْمَرٌ : إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ، يَقُولُ : فَكَذَلِكَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي يَدَيْهِ .
5780 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْكِي عَنْ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى (نبي): هَلْ يَنَامُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدِ قَارُورَةٌ ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ . قَالَ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
[5/395]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ " أَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا نَدِيدٍ ، وَخَالِقُ جَمِيعَهُ دُونَ كُلِّ آلِهَةٍ وَمَعْبُودٍ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ إِنَّمَا هُوَ طَوْعُ يَدِ مَالِكِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ خِدْمَةُ غَيْرِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ . يَقُولُ : فَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكِي وَخَلْقِي ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي غَيْرِي وَأَنَا مَالِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ مَالِكِهِ ، وَلَا يُطِيعَ سِوَى مَوْلَاهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ لِمَمَالِيكِهِ إِنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُمْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَهُ ، وَيَأْذَنَ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ لَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : مَا نَعْبُدُ أَوْثَانَنَا هَذِهِ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ! فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَهُمْ : لِي مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكًا ، فَلَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِغَيْرِي ، فَلَا تَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُقَرِّبُكُمْ مِنِّي زُلْفَى ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُكُمْ عِنْدِي وَلَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَشْفَعُ عِنْدِي أَحَدٌ لِأَحَدٍ إِلَّا بِتَخْلِيَتِي إِيَّاهُ وَالشَّفَاعَةِ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ مِنْ رُسُلِي وَأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي .
[5/396]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ مَا كَانَ وَبِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ عِلْمًا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " الْآخِرَةُ .
5782 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " مِنَ الْآخِرَةِ .
5783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " مَا مَضَى أَمَامَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
5784 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " قَالَ : [ وَأَمَّا ] " مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " فَالدُّنْيَا " وَمَا خَلْفَهُمْ " فَالْآخِرَةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَنَّهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، [5/397]مُحْصٍ لَهُ دُونَ سَائِرِ مَنْ دُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ سِوَاهُ شَيْئًا إِلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُ ، فَأَرَادَ فَعَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ بِالْأَشْيَاءِ جَاهِلًا فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ مِنْ وَثَنٍ وَصَنَمٍ ؟ ! يَقُولُ : أَخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِمَنْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ، يَعْلَمُهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5786 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ " يَقُولُ : لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ " إِلَّا بِمَا شَاءَ " هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْكُرْسِيِّ " الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ عِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5787 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَسَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ " قَالَ : كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ .
5788 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، [5/398]عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَزَادَ فِيهِ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " ؟
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْكُرْسِيُّ " : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5789 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ ، وَلَهُ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ .
5790 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ .
5791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ : كُرْسِيُّهُ الَّذِي يُوضَعُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، الَّذِي يَجْعَلُ الْمُلُوكُ عَلَيْهِ أَقْدَامَهُمْ .
5792 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ قَالَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ . [5/399]
5793 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَكَيْفَ الْعَرْشُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِلَى قَوْلِهِ : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الزُّمَرِ : 67 ] .
5794 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : فَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ " . قَالَ : وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيُّ : هُوَ الْعَرْشُ نَفْسُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5795 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعَرْشُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَا : - [5/400]
5796 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ : أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ ! فَعَظَّمَ الرَّبَّ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ثُمَّ قَالَ : إِنْ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَإِنَّهُ لِيَقْعُدُ عَلَيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ - ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ فَجَمَعَهَا - وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ ، إِذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِهِ " .
5797 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ .
5798 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . [5/401]
وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " هُوَ عِلْمُهُ " . وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَئُودُهُ حِفْظُ مَا عَلِمَ ، وَأَحَاطَ بِهِ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [ غَافِرِ : 7 ] [5/402]فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّ عِلْمَهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " الْكُرْسِيِّ " الْعِلْمُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُونُ فِيهَا عِلْمٌ مَكْتُوبٌ " كُرَّاسَةٌ " وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ فِي صِفَةِ قَانِصٍ :
حَتَّى إِذَا مَا احْتَازَهَا تَكَرَّسَا
.
يَعْنِي عَلِمَ . وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْعُلَمَاءِ " الْكَرَاسِيُّ " ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يُقَالُ : " أَوْتَادُ الْأَرْضِ " . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ تَصْلُحُ بِهِمُ الْأَرْضُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيٌّ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
يَعْنِي بِذَلِكَ : عُلَمَاءُ بِحَوَادِثِ الْأُمُورِ وَنَوَازِلِهَا . وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ " الْكِرْسَ " يُقَالُ مِنْهُ : " فُلَانٌ كَرِيمُ الْكِرْسِ " أَيْ كَرِيمُ الْأَصْلِ ، قَالَ الْعَجَّاجُ : [5/403]
قَدْ عَلِمَ الْقُدُّوسِ مَوْلَى الْقُدْسِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَوْلَى نَفْسِ بِمَعْدِنِ الْمُلْكِ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ
يَعْنِي بِذَلِكَ : الْكَرِيمُ الْأَصْلِ . وَيُرْوَى :
فِي مَعْدِنِ الْعِزِّ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَا يُثْقِلُهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : " قَدْ آدَنِي هَذَا الْأَمْرُ فَهُوَ يَؤُودُنِي أَوْدًا وَإِيَادًا " وَيُقَالُ : " مَا آدَكَ فَهُوَ لِي آئَدُ " يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا أَثْقَلَكَ فَهُوَ لِي مُثْقِلٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5799 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : [5/404]حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " يَقُولُ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5800 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5801 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ لَا يُجْهِدُهُ حِفْظُهُمَا .
5802 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
5803 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5804 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5805 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ .
5806 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَعْنِي خَلَّادًا يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدِينِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَكْبُرُ عَلَيْهِ .
5807 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ [5/405]مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَكْرُثُهُ .
5808 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ .
5809 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " يَقُولُ : لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
5810 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا " قَالَ : لَا يَعِزُّ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْهَاءُ " " وَالْمِيمُ " " وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " حِفْظُهُمَا " مِنْ ذِكْرِ " السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَهُوَ الْعَلِيُّ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاللَّهُ الْعَلِيُّ .
" وَالْعَلِيُّ " " الْفَعِيلُ " مِنْ قَوْلِكَ : " عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا " إِذَا ارْتَفَعَ ، " فَهُوَ عَالٍ وَعَلِيٌّ " " وَالْعَلِيُّ " ذُو الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " الْعَظِيمُ " ذُو الْعَظَمَةِ ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ مِنْهُ كَمَا : -
5811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الْعَظِيمُ " الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ . [5/406]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : .
" وَهُوَ الْعَلِيُّ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِذَلِكَ ; وَهُوَ الْعَلِيُّ عَنِ النَّظِيرِ وَالْأَشْبَاهِ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : " وَهُوَ الْعَلِيُّ الْمَكَانِ " . وَقَالُوا : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَكَانٌ ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهِ بِعُلُوِّ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُوَ الْعَلِيُّ عَلَى خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَخَلْقُهُ دُونَهُ ، كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، فَهُوَ عَالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " الْعَظِيمُ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى " الْعَظِيمُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْمُعَظَّمُ ، صَرَفَ " الْمُفْعَّلَ " إِلَى " فَعِيلٍ " كَمَا قِيلَ لِلْخَمْرِ الْمُعَتَّقَةِ : " خَمْرٌ عَتِيقٌ " كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
وَكَأَنَّ الْخَمْرَ الْعَتِيقَ مِنَ الْإِسْ فِنْطِ مَمْزَوجَةً بِمَاءٍ زُلَالٍ
وَإِنَّمَا هِيَ " مُعَتَّقَةٌ " . قَالُوا : فَقَوْلُهُ " الْعَظِيمُ " مَعْنَاهُ : الْمُعْظَّمُ الَّذِي يُعَظِّمُهُ خَلْقُهُ وَيَهَابُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ الْقَائِلِ : " هُوَ عَظِيمٌ " أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مُعْظَّمٌ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ . قَالُوا : وَفِي بِطُولِ الْقَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا . [5/407]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " الْعَظِيمُ " هُوَ أَنَّ لَهُ عَظَمَةً هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
وَقَالُوا : لَا نَصِفُ عَظَمَتَهُ بِكَيْفِيَّةٍ ، وَلَكِنَّا نُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مُشَابَهَةِ الْعِظَمِ الْمَعْرُوفِ مِنَ العِبَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ لَهُ بِخَلْقِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَدَّمَنَا ذِكْرَهَا ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ " مُعْظَّمٌ " لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ غَيْرَ عَظِيمٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، وَأَنْ يَبْطُلَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْظِّمَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ : إِنَّهُ " الْعَظِيمُ " وَصْفٌ مِنْهُ نَفْسَهُ بِالْعِظَمِ . وَقَالُوا : كُلُّ مَا دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَبِمَعْنَى الصِّغَرِ لِصِغَرِهِمْ عَنْ عَظَمَتِهِ .