النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ( 253 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " تِلْكَ " الرُّسُلَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، كَمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي)وَإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وشَمْوِيلَ (نبي)وَدَاوُدَ ، (نبي)وَسَائِرَ مَنْ ذَكَرَ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ رُسُلِي فَضَّلْتُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَلَّمْتُ بَعْضَهُمْ وَالَّذِي كَلَّمْتُهُ مِنْهُمْ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعْتُ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ بِالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ كَمَا : -
5755 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ " قَالَ : يَقُولُ : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ . يَقُولُ : كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، (نبي)وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا (نبي)إِلَى النَّاسِ كَافَّةً .
5756 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ . [5/379]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ :
5757 - قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَقِيلَ لِي : سَلْ تُعْطَهُ ، فَاخْتَبَأْتُهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ " وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِ : مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَعَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ ، فَبَيَّنْتُ فِيهِ مَا فَرَضْتُ عَلَيْهِ .
وَيَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَأَيَّدْنَاهُ " وَقَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ " بِرُوحِ الْقُدُسِ " يَعْنِي بِرُوحِ اللَّهِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى رُوحِ [5/380]الْقُدُسِ ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ " مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ " يَعْنِي مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، وَبَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، (نبي)وَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ لِمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا أَبَانَ لَهُمُ الْحَقَّ ، وَأَوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " الْهَاءَ " " وَالْمِيمَ " فِي قَوْلِهِ : " مِنْ بَعْدِهِمْ " مِنْ ذِكْرِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي). ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5758 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي). [5/381]
5759 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي).
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ ، لَمَّا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنْهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ لَا يَقْتَتِلُوا ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيمِ الِاقْتِتَالِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَوَحْيِ كِتَابِهِ ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ بَعْضُهُمْ ، وَآمَنَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ . فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُمْ أَتَوْا مَا أَتَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ ، تَعَمُّدًا مِنْهُمْ لِلْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِعِبَادِهِ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا " يَقُولُ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْجِزَهُمْ - بِعِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ - عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَلَا يَقْتَتِلُوا مَا اقْتَتَلُوا وَلَا اخْتَلَفُوا " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " بِأَنْ يُوَفِّقَ هَذَا لِطَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُطِيعَهُ ، وَيَخْذُلَ هَذَا فَيَكْفُرَ بِهِ وَيَعْصِيَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " تِلْكَ " الرُّسُلَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، كَمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي)وَإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وشَمْوِيلَ (نبي)وَدَاوُدَ ، (نبي)وَسَائِرَ مَنْ ذَكَرَ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ رُسُلِي فَضَّلْتُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَلَّمْتُ بَعْضَهُمْ وَالَّذِي كَلَّمْتُهُ مِنْهُمْ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعْتُ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ بِالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ كَمَا : -
5755 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ " قَالَ : يَقُولُ : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ . يَقُولُ : كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، (نبي)وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا (نبي)إِلَى النَّاسِ كَافَّةً .
5756 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ . [5/379]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ :
5757 - قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَقِيلَ لِي : سَلْ تُعْطَهُ ، فَاخْتَبَأْتُهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ " وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِ : مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَعَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ ، فَبَيَّنْتُ فِيهِ مَا فَرَضْتُ عَلَيْهِ .
وَيَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَأَيَّدْنَاهُ " وَقَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ " بِرُوحِ الْقُدُسِ " يَعْنِي بِرُوحِ اللَّهِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى رُوحِ [5/380]الْقُدُسِ ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ " مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ " يَعْنِي مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، وَبَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، (نبي)وَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ لِمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا أَبَانَ لَهُمُ الْحَقَّ ، وَأَوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " الْهَاءَ " " وَالْمِيمَ " فِي قَوْلِهِ : " مِنْ بَعْدِهِمْ " مِنْ ذِكْرِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي). ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5758 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي). [5/381]
5759 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي).
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ ، لَمَّا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنْهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ لَا يَقْتَتِلُوا ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيمِ الِاقْتِتَالِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَوَحْيِ كِتَابِهِ ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ بَعْضُهُمْ ، وَآمَنَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ . فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُمْ أَتَوْا مَا أَتَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ ، تَعَمُّدًا مِنْهُمْ لِلْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِعِبَادِهِ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا " يَقُولُ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْجِزَهُمْ - بِعِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ - عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَلَا يَقْتَتِلُوا مَا اقْتَتَلُوا وَلَا اخْتَلَفُوا " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " بِأَنْ يُوَفِّقَ هَذَا لِطَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُطِيعَهُ ، وَيَخْذُلَ هَذَا فَيَكْفُرَ بِهِ وَيَعْصِيَهُ .