تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ "

ج 5
ص 354

الآية المفسَّرة

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 5 · ص 354

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ( 251 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " فَهَزَمُوهُمْ " فَهَزَمَ طَالُوتُ وَجُنُودُهُ أَصْحَابَ جَالُوتَ ، وَقَتَلَ دَاوُدُ (نبي)جَالُوتَ .
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ ، تُرِكَ ذِكْرُهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : " وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " [5/355]فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ، فَأَفْرَغَ عَلَيْهِمْ صَبْرَهُ وَثَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ " وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : " فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ " عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَابَ دُعَاءَهُمُ الَّذِي دَعَوْهُ بِهِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ " فَلُّوهُمْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ . يُقَالُ مِنْهُ : " هَزَمَ الْقَوْمَ الْجَيْشُ هَزِيمَةً وَهِزِّيمَى " .
" وَقَتَلَ دَاوُدُ (نبي)جَالُوتَ " . وَدَاوُدُ (نبي)هَذَا هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَى (نبي)نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ إِيَّاهُ كَمَا : -
5740 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يُحَدِّثُ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ أَوْ قَالَ : لَمَّا بَرَزَ طَالُوتُ لِجَالُوتَ ، قَالَ جَالُوتُ : أَبْرِزُوا إِلَيَّ مَنْ يُقَاتِلُنِي ، فَإِنْ قَتَلَنِي فَلَكُمْ مُلْكِي ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ ! فَأُتِيَ بِدَاوُدَ (نبي)إِلَى طَالُوتَ ، فَقَاضَاهُ إِنْ قَتَلَهُ أَنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ ، وَأَنْ يُحَكِّمَهُ فِي مَالِهِ . فَأَلْبَسُهُ طَالُوتُ سِلَاحًا ، فَكَرِهَ دَاوُدُ (نبي)أَنْ يُقَاتِلَهُ بِسِلَاحٍ ، وَقَالَ : إِنِ اللَّهُ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلَاحُ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِالْمِقْلَاعِ ، وَبِمِخْلَاةٍ فِيهَا أَحْجَارٌ ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ . قَالَ لَهُ جَالُوتُ : أَنْتَ تُقَاتِلُنِي ! ! قَالَ دَاوُدُ (نبي): [5/356]نَعَمْ ! قَالَ : وَيْلَكَ ! مَا خَرَجْتَ إِلَّا كَمَا تَخْرُجُ إِلَى الْكَلْبِ بِالْمِقْلَاعِ وَالْحِجَارَةِ ! لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ ، وَلَأُطْعِمَنَّهُ الْيَوْمَ الطَّيْرَ وَالسِّبَاعَ ! فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ (نبي): بَلْ أَنْتَ عَدُوَّ اللَّهِ شَرٌّ مِنَ الْكَلْبِ ! فَأَخَذَ دَاوُدُ (نبي)حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ ، فَأَصَابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى نَفَذَ فِي دِمَاغِهِ ، فَصُرِعَ جَالُوتُ وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ ، وَاحْتَزَّ دَاوُدُ (نبي)رَأْسَهُ . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى طَالُوتَ ، ادَّعَى النَّاسُ قَتْلَ جَالُوتَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِالسَّيْفِ ، وَبِالشَّيْءِ مِنْ سِلَاحِهِ أَوْ جَسَدِهِ ، وَخَبَّأَ دَاوُدُ (نبي)رَأْسَهُ . فَقَالَ طَالُوتُ : مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ ! فَجَاءَ بِهِ دَاوُدُ ، (نبي)ثُمَّ قَالَ لِطَالُوتَ : أَعْطِنِي مَا وَعَدْتَنِي ! فَنَدِمَ طَالُوتُ عَلَى مَا كَانَ شَرَطَ لَهُ ، وَقَالَ : إِنَّ بَنَاتِ الْمُلُوكِ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنْ صَدَاقٍ وَأَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ شُجَاعٌ ، فَاحْتَمِلْ صَدَاقَهَا ثَلَاثَمِائَةِ غُلْفَةٍ مِنْ أَعْدَائِنَا . وَكَانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ دَاوُدُ (نبي). فَغَزَا دَاوُدُ (نبي)وَأَسَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَقَطَعَ غُلَفَهُمْ ، وَجَاءَ بِهَا . فَلَمْ يَجِدْ طَالُوتُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ النَّدَامَةُ . فَأَرَادَ قَتْلَ دَاوُدَ (نبي)حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الْجَبَلِ ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ طَالُوتُ فَحَاصَرَهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ سُلِّطَ النَّوْمُ عَلَى طَالُوتَ وَحَرَسِهِ ، فَهَبَطَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ (نبي)فَأَخْذَ إِبْرِيقَ طَالُوتَ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ وَيَتَوَضَّأُ ، وَقَطَعَ شَعَرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَيْئًا مِنْ هُدْبِ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ (نبي)إِلَى مَكَانِهِ فَنَادَاهُ : أَنْ [ قَدْ نِمْتَ وَنَامَ ] حَرَسُكَ ، فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَقْتُلُكَ الْبَارِحَةَ فَعَلْتُ ، [5/357]فَإِنَّهُ هَذَا إِبْرِيقُكَ ، وَشَيْءٌ مِنْ شَعْرِ لِحْيَتِكَ وَهُدْبِ ثِيَابِكَ ! وَبَعَثَ [ بِهِ ] إِلَيْهِ ، فَعَلِمَ طَالُوتُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَتَلَهُ ، فَعَطَّفَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَمَّنَهُ ، وَعَاهَدَهُ بِاللَّهِ لَا يَرَى مِنْهُ بَأْسًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ . ثُمَّ كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِ طَالُوتَ أَنَّهُ كَانَ يَدُسُّ لِقَتْلِهِ . وَكَانَ طَالُوتُ لَا يُقَاتِلُ عَدُوًّا إِلَّا هُزِمَ ، حَتَّى مَاتَ . قَالَ بَكَّارٌ : وَسُئِلَ وَهْبٌ وَأَنَا أَسْمَعُ : أَنَبِيًّا كَانَ طَالُوتُ يُوحَى إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَأْتِهِ وَحْيٌ ، وَلَكِنْ كَانَ مَعَهُ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَشْمَوِيلَ (نبي)يُوحَى إِلَيْهِ ، وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَ طَالُوتَ .
5741 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ دَاوُدُ (نبي)النَّبِيُّ وَإِخْوَةٌ لَهُ أَرْبَعَةٌ ، مَعَهُمْ أَبُوهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَتَخَلَّفَ أَبُوهُمْ ، وَتَخَلَّفَ مَعَهُ دَاوُدُ (نبي)مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ فِي غَنَمِ أَبِيهِ يَرْعَاهَا لَهُ ، وَكَانَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ . وَخَرَجَ إِخْوَتُهُ الْأَرْبَعَةُ مَعَ طَالُوتَ ، فَدَعَاهُ أَبُوهُ وَقَدْ تَقَارَبَ النَّاسُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ دَاوُدُ (نبي)فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : رَجُلًا قَصِيرًا أَزْرَقَ ، قَلِيلَ شَعْرِ الرَّأْسِ ، وَكَانَ طَاهِرَ الْقَلْبِ نَقِيَّهُ . فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّا قَدْ صَنَعْنَا لِإِخْوَتِكَ زَادًا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ ، فَاخْرُجْ بِهِ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِمْ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ سَرِيعًا ! فَقَالَ : أَفْعَلُ . فَخَرَجَ وَأَخَذَ مَعَهُ مَا حَمَلَ لِإِخْوَتِهِ ، وَمَعَهُ مِخْلَاتُهُ الَّتِي يَحْمِلُ فِيهَا الْحِجَارَةَ ، وَمِقْلَاعُهُ الَّذِي كَانَ يَرْمِي بِهِ عَنْ غَنَمِهِ . حَتَّى إِذَا فَصَلَ مِنْ عِنْدِ أَبِيهِ ، فَمَرَّ بِحَجَرٍ فَقَالَ : يَا دَاوُدُ (نبي)! خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتِكَ تَقْتُلْ بِي جَالُوتَ ، فَإِنِّي حَجْرُ يَعْقُوبَ ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ وَمَشَى ، فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إِذْ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَالَ : يَا دَاوُدُ (نبي)خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتِكَ تَقْتُلْ بِي [5/358]جَالُوتَ ، فَإِنِّي حَجْرُ إِسْحَاقَ ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ ، ثُمَّ مَضَى . فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إِذْ مَرَّ بِحَجَرٍ فَقَالَ : يَا دَاوُدُ (نبي)! خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتِكَ تَقْتُلْ بِي جَالُوتَ ، فَإِنِّي حَجْرُ إِبْرَاهِيمَ ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ . ثُمَّ مَضَى بِمَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ ، فَأَعْطَى إِخْوَتَهُ مَا بُعِثَ إِلَيْهِمْ مَعَهُ . وَسَمِعَ فِي الْعَسْكَرِ خَوْضَ النَّاسِ بِذِكْرِ جَالُوتَ وَعِظَمِ شَأْنِهِ فِيهِمْ ، وَبِهَيْبَةِ النَّاسِ إِيَّاهُ ، وَبِمَا يُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْعَدُوِّ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ ! ! وَاللَّهِ إِنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْتُهُ ! فَأَدْخِلُونِي عَلَى الْمَلِكِ . فَأُدْخِلَ عَلَى الْمَلِكِ طَالُوتَ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، إِنِّي أَرَاكُمْ تُعَظِّمُونَ شَأْنَ هَذَا الْعَدُوِّ ! وَاللَّهِ إِنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْتُهُ ! فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ! مَا عِنْدَكَ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَمَا جَرَّبْتَ مِنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ الْأَسَدُ يَعْدُو عَلَى الشَّاةِ مِنْ غَنَمِي فَأُدْرِكُهُ ، فَآخُذُ بِرَأْسِهِ ، فَأَفُكُّ لِحْيَيْهِ عَنْهَا ، فَآخُذُهَا مِنْ فِيهِ ، فَادْعُ لِي بِدِرْعٍ حَتَّى أُلْقِيَهَا عَلَيَّ . فَأُتِيَ بِدِرْعٍ فَقَذَفَهَا فِي عُنُقِهِ ، وَمَثُلَ فِيهَا مَلْءَ عَيْنِ طَالُوتَ وَنَفْسِهِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ طَالُوتُ : وَاللَّهِ لَعَسَى اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَهُ بِهِ ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَجَعُوا إِلَى جَالُوتَ ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ قَالَ دَاوُدُ (نبي): أَرُونِي جَالُوتَ ! فَأَرَوْهُ إِيَّاهُ عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ لَأْمَتُهُ ، فَلَمَّا رَآهُ جَعَلَتِ الْأَحْجَارُ الثَّلَاثَةَ تَوَاثَبُ مِنْ مِخْلَاتِهِ ، فَيَقُولُ هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُولُ هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُولُ هَذَا : خُذْنِي ! فَأَخَذَ أَحَدَهَا فَجَعَلَهُ فِي مِقْذَافِهِ ، ثُمَّ فَتَلَهُ بِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ ، فَصَكَّ [5/359]بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْ جَالُوتَ فَدَمَغَهُ ، وَتَنَكَّسَ عَنْ دَابَّتِهِ ، فَقَتَلَهُ . ثُمَّ انْهَزَمَ جُنْدُهُ ، وَقَالَ النَّاسُ : قَتَلَ دَاوُدُ (نبي)جَالُوتَ ! وَخُلِعَ طَالُوتُ وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى دَاوُدَ (نبي)مَكَانَهُ ، حَتَّى لَمْ يُسْمَعْ لِطَالُوتَ بِذِكْرٍ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى انْصِرَافَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ إِلَى دَاوُدَ (نبي)، هَمَّ بِأَنْ يَغْتَالَ دَاوُدَ (نبي)وَأَرَادَ قَتْلَهُ ، فَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ دَاوُدَ ، (نبي)وَعَرَفَ خَطِيئَتَهُ ، وَالْتَمَسَ التَّوْبَةَ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي أَمْرِ طَالُوتَ وَدَاوُدَ (نبي)قَوْلٌ خِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا قَبْلُ وَهُوَ مَا : -
5742 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ قَالَ : لَمَّا سَلَّمَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْمُلْكَ لِطَالُوتَ ، أُوحِيَ إِلَى نَبِيِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ : أَنْ قُلْ لِطَالُوتَ فَلْيَغْزُ أَهْلَ مَدْيَنَ ، فَلَا يَتْرُكْ فِيهَا حَيًّا إِلَّا قَتَلَهُ ، فَإِنِّي سَأُظْهِرُهُ عَلَيْهِمْ . فَخَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى أَتَى مَدْيَنَ ، فَقَتَلَ مَنْ كَانَ فِيهَا إِلَّا مَلِكَهُمْ فَإِنَّهُ أَسَرَهُ ، وَسَاقَ مَوَاشِيَهُمْ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْمَوِيلَ (نبي): أَلَا تَعْجَبُ مِنْ طَالُوتَ إِذْ أَمَرْتُهُ بِأَمْرِي فَاخْتَلَّ فِيهِ ، فَجَاءَ بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا ، وَسَاقَ مَوَاشِيَهُمْ ! فَالْقَهُ فَقُلْ لَهُ : لَأَنْزَعَنَّ الْمُلْكَ مِنْ بَيْتِهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَإِنِّي إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَطَاعَنِي ، وَأُهِينُ مَنْ هَانَ [5/360]عَلَيْهِ أَمْرِي ! فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعْتَ ! ! لِمَ جِئْتَ بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا ، وَلِمَ سُقْتَ مَوَاشِيَهُمْ ؟ قَالَ : إِنَّمَا سُقْتُ الْمَوَاشِيَ لِأُقَرِّبَهَا . قَالَ لَهُ أَشْمَوِيلُ (نبي): إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَزَعَ مِنْ بَيْتِكَ الْمُلْكَ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْمَوِيلَ (نبي): أَنِ انْطَلِقْ إِلَى إِيشَى ، فَيَعْرِضُ عَلَيْكَ بَنِيهِ ، فَادَّهِنِ الَّذِي آمُرُكَ بِدُهْنِ الْقُدْسِ ، يَكُنْ مَلِكًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى إِيشَى فَقَالَ : اعْرِضْ عَلَيَّ بَنِيكَ ! فَدَعَا إِيشَى أَكْبَرَ وَلَدِهِ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ جَسِيمٌ حَسَنُ الْمَنْظَرِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَشْمَوِيلُ (نبي)أَعْجَبَهُ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ لَبَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : إِنَّ عَيْنَيْكَ يُبْصِرَانِ مَا ظَهَرَ ، وَإِنِّي أَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ ، لَيْسَ بِهَذَا ! فَقَالَ : لَيْسَ بِهَذَا ، اعْرِضْ عَلَيَّ غَيْرَهُ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ سِتَّةً فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَيْسَ بِهَذَا . فَقَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ غَيْرِهِمْ ؟ فَقَالَ : بَلَى ! لِي غُلَامٌ أَمْغَرُ ، وَهُوَ رَاعٍ فِي الْغَنَمِ . فَقَالَ : أَرْسِلْ إِلَيْهِ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ دَاوُدُ ، (نبي)جَاءَ غُلَامٌ أَمْغَرُ ، فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ وَقَالَ لِأَبِيهِ : اكْتُمْ هَذَا ، فَإِنَّ طَالُوتَ لَوْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ قَتَلَهُ . فَسَارَ جَالُوتُ فِي قَوْمِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَعَسْكَرَ ، وَسَارَ طَالُوتُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَسْكَرَ ، وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ . فَأَرْسَلَ جَالُوتُ إِلَى طَالُوتَ : لِمَ يُقْتَلُ قَوْمِي وَقَوْمُكَ ؟ ابْرُزْ لِي ، أَوْ أَبْرِزْ لِي مَنْ شِئْتَ ، فَإِنْ قَتَلْتُكَ كَانَ الْمُلْكُ لِي ، وَإِنْ قَتَلْتَنِي كَانَ الْمُلْكُ لَكَ . فَأَرْسَلَ طَالُوتُ فِي عَسْكَرِهِ صَائِحًا : مَنْ يَبْرُزُ لِجَالُوتَ ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَإِنَّ الْمَلِكَ يُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ ، وَيُشْرِكُهُ فِي مُلْكِهِ . فَأَرْسَلَ إِيشَى دَاوُدَ (نبي)إِلَى إِخْوَتِهِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ أِيشَى ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُحَدِّثُ : [5/361]إِشَى وَكَانُوا فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ : اذْهَبْ فَزَوِّدْ إِخْوَتَكَ ، وَأَخْبِرْنِي خَبَرَ النَّاسِ مَاذَا صَنَعُوا ؟ فَجَاءَ إِلَى إِخْوَتِهِ وَسَمِعَ صَوْتًا : إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ : مَنْ يَبْرُزُ لِجَالُوتَ ! فَإِنْ قَتَلَهُ أَنْكَحَهُ الْمَلِكُ ابْنَتَهُ . فَقَالَ دَاوُدُ (نبي)لِإِخْوَتِهِ : مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يَبْرُزُ لِجَالُوتَ فَيَقْتُلُهُ وَيَنْكِحُ ابْنَةَ الْمَلِكِ ؟ فَقَالُوا : إِنَّكَ غُلَامٌ أَحْمَقُ ! وَمَنْ يُطِيقُ جَالُوتَ ، وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الْجَبَّارِينَ ! ! فَلَمَّا لَمْ يَرَهُمْ رَغِبُوا فِي ذَلِكَ قَالَ : فَأَنَا أَذْهَبُ فَأَقْتُلُهُ ! فَانْتَهَرُوهُ وَغَضِبُوا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ ذَهَبَ حَتَّى جَاءَ الصَّائِحَ فَقَالَ : أَنَا أَبْرُزُ لِجَالُوتَ ! فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ ، فَقَالَ لَهُ : لَمْ يُجِبْنِي أَحَدٌ إِلَّا غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، هُوَ هَذَا ! قَالَ : يَا بُنَيَّ ، أَنْتَ تَبْرُزُ لِجَالُوتَ فَتُقَاتِلُهُ ! قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَهَلْ آنَسْتَ مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ رَاعِيًا فِي الْغَنَمِ فَأَغَارَ عَلَيَّ الْأَسَدُ ، فَأَخَذْتُ بِلِحْيَيْهِ فَفَكَكْتُهُمَا . فَدَعَا لَهُ بِقَوْسٍ وَأَدَاةٍ كَامِلَةٍ ، فَلَبِسَهَا وَرَكِبَ الْفَرَسَ ، ثُمَّ سَارَ مِنْهُمْ قَرِيبًا ، ثُمَّ صَرَفَ فَرَسَهُ ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ ، فَقَالَ الْمَلِكُ وَمَنْ حَوْلَهُ : جَبُنَ الْغُلَامُ ! فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَلِكِ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ دَاوُدُ (نبي): إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ اللَّهُ لِي ، لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا الْفَرَسُ وَهَذَا السِّلَاحُ ! فَدَعْنِي فَأُقَاتِلَ كَمَا أُرِيدُ . فَقَالَ : نَعَمْ يَا بُنَيَّ . فَأَخَذَ دَاوُدُ (نبي)مِخْلَاتَهُ فَتَقَلَّدَهَا ، وَأَلْقَى فِيهَا أَحْجَارًا ، وَأَخَذَ مِقْلَاعَهُ الَّذِي كَانَ يَرْعَى بِهِ ، ثُمَّ مَضَى نَحْوَ جَالُوتَ . فَلَمَّا دَنَا مِنْ عَسْكَرِهِ قَالَ : أَيْنَ جَالُوتُ يَبْرُزُ لِي ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ السِّلَاحُ كُلُّهُ ، فَلَمَّا رَآهُ جَالُوتُ قَالَ : إِلَيْكَ أَبْرُزُ ؟ ! قَالَ نَعَمْ . قَالَ : فَأَتَيْتَنِي بِالْمِقْلَاعِ وَالْحَجَرِ كَمَا يُؤْتَى إِلَى الْكَلْبِ ! قَالَ : هُوَ ذَاكَ . قَالَ : لَا جَرَمَ أَنِّي سَوْفَ أُقَسِّمُ لَحْمَكَ بَيْنَ طَيْرِ السَّمَاءِ وَسِبَاعِ الْأَرْضِ ! قَالَ دَاوُدُ (نبي): أَوْ يُقَسِّمُ اللَّهُ لَحْمَكَ ! فَوَضَعَ دَاوُدُ (نبي)حَجَرًا فِي مِقْلَاعِهِ ثُمَّ دَوَّرَهُ فَأَرْسَلَهُ نَحْوَ جَالُوتَ ، فَأَصَابَ أَنْفَ الْبَيْضَةِ الَّتِي عَلَى جَالُوتَ حَتَّى خَالَطَ دِمَاغَهُ ، فَوَقَعَ مِنْ فَرَسِهِ . فَمَضَى دَاوُدُ (نبي)إِلَيْهِ فَقَطَعَ [5/362]رَأْسَهُ بِسَيْفِهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِ فِي مِخْلَاتِهِ ، وَبِسَلَبِهِ يَجُرُّهُ ، حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْ طَالُوتَ ، فَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا . وَانْصَرَفَ طَالُوتُ ، فَلَمَّا كَانَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ سَمِعَ النَّاسَ يَذْكُرُونَ دَاوُدَ (نبي)، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ . فَجَاءَهُ دَاوُدُ (نبي)فَقَالَ : أَعْطِنِي امْرَأَتِي ! فَقَالَ : أَتُرِيدُ ابْنَةَ الْمَلِكِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ؟ فَقَالَ دَاوُدُ (نبي): مَا اشْتَرَطْتَ عَلَيَّ صَدَاقًا ، وَمَا لِي مِنْ شَيْءٍ ! ! قَالَ : لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا مَا تُطِيقُ ، أَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ ، وَفِي جِبَالِنَا هَذِهِ جَرَاجِمَةٌ يَحْتَرِبُونَ النَّاسَ ، وَهُمْ غُلْفٌ ، فَإِذَا قَتَلْتَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ رَجُلٍ فَأْتِنِي بِغُلُفِهِمْ . فَجَعَلَ كُلَّمَا قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلَا نَظَمَ غُلْفَتَهُ فِي خَيْطٍ ، حَتَّى نَظَمَ مِائَتَيْ غُلْفَةٍ . ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ إِلَى طَالُوتَ فَأَلْقَى بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ : ادْفَعْ إِلَيَّ امْرَأَتِي ، قَدْ جِئْتُ بِمَا اشْتَرَطْتَ . فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ ، وَأَكْثَرَ النَّاسُ ذِكْرَ دَاوُدَ (نبي)، وَزَادَهُ عِنْدَ النَّاسِ عَجَبًا . فَقَالَ طَالُوتُ لِابْنِهِ : لَتَقْتُلَنَّ دَاوُدَ (نبي)! قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، لَيْسَ بِأَهْلِ ذَلِكَ مِنْكَ ! قَالَ : إِنَّكَ غُلَامٌ أَحْمَقُ ! مَا أَرَاهُ إِلَّا سَوْفَ يُخْرِجُكَ وَأَهْلَ بَيْتِكَ مِنَ المُلْكِ ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ انْطَلَقَ إِلَى أُخْتِهِ فَقَالَ لَهَا : إِنِّي قَدْ خِفْتُ أَبَاكِ أَنْ يَقْتُلَ زَوْجَكِ دَاوُدَ (نبي)، فَمُرِيهِ أَنْ يَأْخُذَ حِذْرَهُ وَيَتَغَيَّبَ مِنْهُ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ ذَلِكَ ، فَتَغَيَّبَ . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ طَالُوتُ مَنْ يَدْعُو لَهُ دَاوُدَ (نبي)، وَقَدْ صَنَعَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى فِرَاشِهِ كَهَيْئَةِ النَّائِمِ وَلَحَّفَتْهُ . فَلَمَّا جَاءَ [5/363]رَسُولُ طَالُوتَ قَالَ : أَيْنَ دَاوُدُ ؟ (نبي)لِيُجِبِ الْمَلِكَ ! فَقَالَتْ لَهُ : بَاتَ شَاكِيًا وَنَامَ الْآنَ ، تَرَوْنَهُ عَلَى الْفِرَاشِ . فَرَجَعُوا إِلَى طَالُوتَ فَأَخْبَرُوهُ ذَلِكَ ، فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : هُوَ نَائِمٌ لَمْ يَسْتَيْقِظْ بَعْدُ . فَرَجَعُوا إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ : ائْتُونِي بِهِ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ! فَجَاءُوا إِلَى الْفِرَاشِ فَلَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ أَحَدًا ، فَجَاءُوا الْمَلِكَ فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَتِهِ فَقَالَ : مَا حَمَلَكِ عَلَى أَنْ تَكْذِبِينِ ؟ قَالَتْ : هُوَ أَمَرَنِي بِذَلِكَ ، وَخِفْتُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَمْرَهُ أَنْ يَقْتُلَنِي ! وَكَانَ دَاوُدُ (نبي)فَارًّا فِي الْجَبَلِ حَتَّى قُتِلَ طَالُوتُ وَمَلَكَ دَاوُدُ (نبي)بَعْدَهُ .
5743 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ طَالُوتُ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ ، فَبَعَثَ أَبُو دَاوُدَ (نبي)مَعَ دَاوُدَ (نبي)بِشَيْءٍ إِلَى إِخْوَتِهِ ، فَقَالَ دَاوُدُ (نبي)لِطَالُوتَ : مَاذَا لِي فَأَقْتُلَ جَالُوتَ ؟ قَالَ : لَكَ ثُلُثُ مُلْكِي ، وَأُنْكِحُكَ ابْنَتِي . فَأَخَذَ مِخْلَاتَهُ ، فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاثَ مَرْوَاتٍ ، ثُمَّ سَمَّى حِجَارَتَهُ تِلْكَ : " إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَيَعْقُوبَ " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَقَالَ : بِاسْمِ إِلَهِي وَإِلَهِ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)! فَخَرَجَ عَلَى " إِبْرَاهِيمَ (نبي)" فَجَعَلَهُ فِي مِرْجَمَتِهِ ، فَخَرَقَتْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَةً عَنْ رَأْسِهِ ، وَقَتَلَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ وَرَائِهِ .
5744 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : عَبَرَ يَوْمَئِذٍ النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ أَبُو دَاوُدَ فِيمَنْ عَبَرَ ، مَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا لَهُ ، وَكَانَ دَاوُدُ (نبي)أَصْغَرَ بَنِيهِ . فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ ، مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إِلَّا صَرَعْتُهُ ! فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ ! فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ رِزْقَكَ فِي قَذَّافَتِكَ . ثُمَّ أَتَاهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ ، لَقَدْ دَخَلْتُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَوَجَدْتُ أَسَدًا رَابِضًا ، فَرَكِبْتُ عَلَيْهِ فَأَخَذْتُ بِأُذُنَيْهِ ، فَلَمْ يَهِجْنِي ! قَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ ! فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ يُعْطِيكَهُ [5/364]اللَّهُ . ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ إِنِّي لَأَمْشِي بَيْنَ الْجِبَالِ فَأُسَبِّحُ ، فَمَا يَبْقَى جَبَلٌ إِلَّا سَبَّحَ مَعِي ! فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ ! فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ . وَكَانَ دَاوُدُ (نبي)رَاعِيًا ، وَكَانَ أَبُوهُ خَلْفَهُ يَأْتِي إِلَيْهِ وَإِلَى إِخْوَتِهِ بِالطَّعَامِ . فَأَتَى النَّبِيُّ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] بِقَرْنٍ فِيهِ دُهْنٌ وسَنَوَّرٌ مِنْ حَدِيدٍ ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى طَالُوتَ فَقَالَ : إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَقْتُلُ جَالُوتَ يُوضَعُ هَذَا الْقَرْنُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَغْلِي حَتَّى يَدْهُنَ مِنْهُ ، وَلَا يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ ، يَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيلِ ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا السَّنَوَّرِ فَيَمْلَأُهُ . فَدَعَا طَالُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَرَّبَهُمْ بِهِ ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ . فَلَمَّا فَرَغُوا ، قَالَ طَالُوتُ لِأَبِي دَاوُدَ : هَلْ بَقِيَ لَكَ مِنْ وَلَدٍ لَمْ يَشْهَدْنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ! بَقِيَ ابْنِي دَاوُدُ (نبي)، وَهُوَ يَأْتِينَا بِطَعَامٍ . فَلَمَّا أَتَاهُ دَاوُدُ ، (نبي)مَرَّ فِي الطَّرِيقِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَكَلَّمْنَهُ وَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُدُ (نبي)تَقْتُلْ بِنَا جَالُوتَ ! قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ فَجَعَلَهُنَّ فِي مِخْلَاتِهِ . وَكَانَ طَالُوتُ قَالَ : مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي وَأَجْرَيْتُ خَاتَمَهُ فِي مُلْكِي . فَلَمَّا جَاءَ دَاوُدُ ، (نبي)وَضَعُوا الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ فَغَلَى حَتَّى ادَّهَنَ مِنْهُ ، وَلَبِسَ السَّنَوَّرَ فَمَلَأَهُ وَكَانَ رَجُلًا مِسْقَامًا مُصْفَارًّا وَلَمْ يَلْبَسْهُ أَحَدٌ إِلَّا تَقَلْقَلَ فِيهِ . فَلَمَّا لَبِسَهُ دَاوُدُ (نبي)[5/365]تَضَايَقَ الثَّوْبُ عَلَيْهِ حَتَّى تَنَقَّضَ . ثُمَّ مَشَى إِلَى جَالُوتَ وَكَانَ جَالُوتُ مِنْ أَجْسَمِ النَّاسِ وَأَشَدِّهُمْ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى دَاوُدَ (نبي)قُذِفَ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبُ مِنْهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا فَتَى ! ارْجِعْ ، فَإِنِّي أَرْحَمُكَ أَنْ أَقْتُلَكَ ! قَالَ دَاوُدُ (نبي): لَا بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ ! فَأَخْرَجَ الْحِجَارَةَ فَجَعَلَهَا فِي الْقَذَّافَةِ ، كُلَّمَا رَفَعَ حَجَرًا سَمَّاهُ ، فَقَالَ : هَذَا بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَالثَّانِي بَاسِمِ أَبِي إِسْحَاقَ (نبي)، وَالثَّالِثُ بَاسِمِ أَبِي إِسْرَائِيلَ (نبي). ثُمَّ أَدَارَ الْقَذَّافَةَ فَعَادَتِ الْأَحْجَارُ حَجَرًا وَاحِدًا ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَكَّ بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْ جَالُوتَ ، فَنَقَبَتْ رَأْسَهُ فَقَتَلَتْهُ ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَقْتُلُ كُلَّ إِنْسَانٍ تُصِيبُهُ ، تَنْفُذُ مِنْهُ حَتَّى لَمْ يَكُنْ يَحْيَا لَهَا أَحَدٌ . فَهَزَمُوهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَقَتَلَ دَاوُدُ (نبي)جَالُوتَ ، وَرَجَعَ طَالُوتُ ، فَأَنْكَحَ دَاوُدَ (نبي)ابْنَتَهُ ، وَأَجْرَى خَاتَمَهُ فِي مُلْكِهِ . فَمَالَ النَّاسُ إِلَى دَاوُدَ (نبي)فَأَحَبُّوهُ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ طَالُوتُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَحَسَدَهُ ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ . فَعَلِمَ بِهِ دَاوُدُ (نبي)أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ ذَلِكَ ، فَسَجَّى لَهُ زِقَّ خَمْرٍ فِي مَضْجَعِهِ ، فَدَخَلَ طَالُوتُ إِلَى مَنَامِ دَاوُدَ (نبي)وَقَدْ هَرَبَ دَاوُدُ ، (نبي)فَضَرَبَ الْزِّقَ ضَرْبَةً فَخَرَقَهُ ، فَسَالَتِ الْخَمْرُ مِنْهُ ، فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي فِيهِ ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ (نبي)! مَا كَانَ أَكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ . ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ (نبي)أَتَاهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ ، ثُمَّ نَزَلَ . فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهَامِ فَعَرَفَهَا ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ (نبي)! هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، ظَفِرْتُ بِهِ فَقَتَلْتُهُ ، وَظَفَرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي ! ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي فِي الْبَرِّيَّةِ [5/366]وَطَالُوتُ عَلَى فَرَسٍ ، فَقَالَ طَالُوتُ : الْيَوْمَ أَقْتُلُ دَاوُدَ (نبي)! وَكَانَ دَاوُدُ (نبي)إِذَا فَزِعَ لَا يُدْرَكُ فَرَكَضَ عَلَى أَثَرِهِ طَالُوتُ ، فَفَزِعَ دَاوُدُ (نبي)فَاشْتَدَّ فَدَخَلَ غَارًا ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْعَنْكَبُوتِ فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا . فَلَمَّا انْتَهَى طَالُوتُ إِلَى الْغَارِ ، نَظَرَ إِلَى بِنَاءِ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ : لَوْ كَانَ دَخَلَ هَاهُنَا لَخَرَقَ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ ! ! فَخُيِّلَ إِلَيْهِ ، فَتَرَكَهُ .
5745 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَاوُدَ (نبي)حِينَ أَتَاهُمْ كَانَ قَدْ جَعَلَ مَعَهُ مِخْلَاةً فِيهَا ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ . وَإِنَّ جَالُوتَ بَرَزَ لَهُمْ فَنَادَى : أَلَا رَجُلٌ لِرَجُلٍ ! فَقَالَ طَالُوتُ : مَنْ يَبْرُزُ لَهُ ؟ وَإِلَّا بَرَزْتُ لَهُ ؟ فَقَامَ دَاوُدُ (نبي)فَقَالَ : أَنَا ! فَقَامَ لَهُ طَالُوتُ فَشَدَّ عَلَيْهِ دِرْعَهُ ، فَجَعَلَ يَرَاهُ يَشْخُصُ فِيهَا وَيَرْتَفِعُ ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ طَالُوتُ ، فَشَدَّ عَلَيْهِ أَدَاتَهُ كُلَّهَا وَإِنَّ دَاوُدَ (نبي)رَمَاهُمْ بِحَجَرٍ مِنْ تِلْكَ الْحِجَارَةِ ، فَأَصَابَ فِي الْقَوْمِ ، ثُمَّ رَمَى الثَّانِيَةَ بِحَجَرٍ ، فَأَصَابَ فِيهِمْ ، ثُمَّ رَمَى الثَّالِثَةَ فَقَتَلَ جَالُوتَ . فَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ، وَصَارَ هُوَ الرَّئِيسَ عَلَيْهِمْ ، وَأَعْطَوْهُ الطَّاعَةَ .
5746 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قَالَ : أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ : إِنَّ فِي وَلَدِ فُلَانٍ رَجُلًا يَقْتُلُ اللَّهُ بِهِ جَالُوتَ ، وَمِنْ عَلَامَتِهِ هَذَا الْقَرْنُ تَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَفِيضُ مَاءً . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ فِي وَلَدِكَ رَجُلًا [5/367]يَقْتُلُ اللَّهُ بِهِ جَالُوتَ ! فَقَالَ : نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! قَالَ : فَأَخْرَجَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَمْثَالَ السَّوَارِي ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ بَارِعٌ عَلَيْهِمْ ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهُمْ عَلَى الْقَرْنِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، فَيَقُولُ لِذَلِكَ الْجَسِيمِ : ارْجِعْ ! فَيُرَدِّدُهُ عَلَيْهِ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : إِنَّا لَا نَأْخُذُ الرِّجَالَ عَلَى صُوَرِهِمْ ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُهُمْ عَلَى صَلَاحِ قُلُوبِهِمْ . قَالَ : يَا رَبِّ ، قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدُ غَيْرُهُ ! فَقَالَ : كَذَبَ ! فَقَالَ : إِنَّ رَبِّي قَدْ كَذَّبَكَ ! وَقَالَ : إِنَّ لَكَ وَلَدًا غَيْرَهُمْ ! فَقَالَ : صَدَقَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِي وَلَدٌ قَصِيرٌ اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ، فَجَعَلْتُهُ فِي الْغَنَمِ ! قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا مِنْ جَبَلِ كَذَا وَكَذَا . فَخَرَجَ إِلَيْهِ ، فَوَجَدَ الْوَادِيَ قَدْ سَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُقْعَةِ الَّتِي كَانَ يُرِيحُ إِلَيْهَا ، قَالَ : وَوَجَدَهُ يَحْمِلُ شَاتَيْنِ يُجِيزُ بِهِمَا وَلَا يَخُوضُ بِهِمَا السَّيْلَ . فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : هَذَا هُوَ لَا شَكَّ فِيهِ ! هَذَا يَرْحَمُ الْبَهَائِمَ ، فَهُوَ بِالنَّاسِ أَرْحَمُ ! قَالَ : فَوَضَعَ الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَاضَ . فَقَالَ لَهُ : ابْنَ أَخِي ! هَلْ رَأَيْتَ هَاهُنَا مِنْ شَيْءٍ يُعْجِبُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا سَبَّحْتُ سَبَّحَتْ مَعِيَ الْجِبَالُ ، [5/368]وَإِذَا أَتَى النَّمِرُ أَوِ الذِّئْبُ أَوِ السَّبُعُ أَخَذَ شَاةً قُمْتُ إِلَيْهِ فَأَفْتَحُ لِحْيَيْهِ عَنْهَا فَلَا يَهِيجُنِي ! قَالَ : وَأَلْفَى مَعَهُ صُفْنَهُ . قَالَ : فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْتَزَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَقُولُ : أَنَا الَّذِي يَأْخُذُ ! وَيَقُولُ هَذَا : لَا ! بَلْ إِيَّايَ يَأْخُذُ ! وَيَقُولُ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ جَمِيعًا فَطَرَحَهُنَّ فِي صُفْنِهِ . فَلَمَّا جَاءَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَجُوا ، قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " فَكَانَ مِنْ قِصَّةِ نَبِيِّهِمْ وَقِصَّتِهِمْ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : " وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ " . قَالَ : وَاجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ وَكَانُوا جَمِيعًا ، وَقَرَأَ : " وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " . وَبَرَزَ جَالُوتُ عَلَى بِرْذَوْنٍ لَهُ أَبْلَقَ ، فِي يَدِهِ قَوْسُ نُشَّابٍ ، فَقَالَ : مَنْ يَبْرُزُ ؟ أَبْرِزُوا إِلَيَّ رَأْسَكُمْ ! قَالَ : فَفَظِعَ بِهِ طَالُوتُ قَالَ : فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَنْ رَجُلٌ يَكْفِينِي الْيَوْمَ جَالُوتَ ؟ فَقَالَ دَاوُدُ (نبي): أَنَا . فَقَالَ : تَعَالَ ! قَالَ : [5/369]فَنَزَعَ دِرْعًا لَهُ ، فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهَا . قَالَ : وَنَفَخَ اللَّهُ مِنْ رُوحِهِ فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ . قَالَ : فَرَمَى بِنُشَّابَةٍ فَوَضَعَهَا فِي الدِّرْعِ . قَالَ : فَكَسَرَهَا دَاوُدُ (نبي)وَلَمْ تَضُرُّهُ شَيْئًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : خُذِ الْآنَ ! فَقَالَ دَاوُدُ (نبي): اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَرًا وَاحِدًا . قَالَ : وَسَمَّى وَاحِدًا إِبْرَاهِيمَ (نبي)، وَآخَرَ إِسْحَاقَ (نبي)، وَآخَرَ يَعْقُوبَ (نبي). قَالَ : فَجَمَعَهُنَّ جَمِيعًا فَكُنَّ حَجَرًا وَاحِدًا . قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ وَأَخَذَ مِقْلَاعًا ، فَأَدَارَهَا لِيَرْمِيَ بِهَا فَقَالَ : أَتَرْمِينِي كَمَا يُرْمَى السَّبُعُ وَالذِّئْبُ ؟ ارْمِنِي بِالْقَوْسِ ! قَالَ : لَا أَرْمِيكَ الْيَوْمَ إِلَّا بِهَا ! فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، فَقَالَ : نَعَمْ ! وَأَنْتَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الذِّئْبِ ! فَأَدَارَهَا وَفِيهَا أَمْرُ اللَّهِ وَسُلْطَانُ اللَّهِ . قَالَ : فَخَلَّى سَبِيلَهَا مَأْمُورَةً . قَالَ : فَجَاءَتْ مُظِلَّةً فَضَرَبَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ قَفَاهُ ، ثُمَّ قَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَاءَهُ كَذَا وَكَذَا ، وَهَزَمَهُمُ اللَّهُ .
5747 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : لَمَّا قَطَعُوا ذَلِكَ يَعْنِي النَّهَرَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ طَالُوتَ لِجُنُودِهِ : " إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ " وَجَاءَ جَالُوتُ ، وَشَقَّ عَلَى طَالُوتَ قِتَالُهُ ، فَقَالَ طَالُوتُ لِلنَّاسِ : لَوْ أَنَّ جَالُوتَ قُتِلَ ، أَعْطَيْتُ الَّذِي يَقْتُلُهُ نِصْفَ مُلْكِي ، وَنَاصَفْتُهُ كُلَّ شَيْءٍ أَمْلِكُهُ ! فَبَعَثَ اللَّهُ دَاوُدَ (نبي)وَدَاوُدُ (نبي)يَوْمَئِذٍ فِي الْجَبَلِ رَاعِي غَنَمٍ ، وَقَدْ غَزَا مَعَ طَالُوتَ تِسْعَةُ إِخْوَةٍ لِدَاوُدَ (نبي)، وَهُمْ أَبَدُّ مِنْهُ ، وَأَغْنَى مِنْهُ ، وَأَعْرَفُ فِي النَّاسِ مِنْهُ ، وَأَوْجَهُ عِنْدَ طَالُوتَ مِنْهُ ، فَغَزَوْا وَتَرَكُوهُ فِي غَنَمِهِمْ فَقَالَ دَاوُدُ (نبي)حِينَ أَلْقَى اللَّهُ فِي نَفْسِهِ مَا أَلْقَى ، وَأَكْرَمَهُ : لَأَسْتَوْدِعَنَّ رَبِّي غَنَمِي الْيَوْمَ ، وَلَآتِيَنَّ النَّاسَ ، فَلَأَنْظُرَنَّ مَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ قَوْلِ الْمَلِكِ لِمَنْ قَتَلَ جَالُوتَ ! فَأَتَى دَاوُدُ (نبي)إِخْوَتَهُ ، فَلَامُوهُ [5/370]حِينَ أَتَاهُمْ ، فَقَالُوا : لِمَ جِئْتَ ؟ قَالَ : لِأَقْتُلَ جَالُوتَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ أَقْتُلَهُ ، فَسَخِرُوا مِنْهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ بَعَثَ أَبُو دَاوُدَ مَعَ دَاوُدَ (نبي)بِشَيْءٍ إِلَى إِخْوَتِهِ ، فَأَخَذَ مِخْلَاةً فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاثَ مَرْوَاتٍ ، ثُمَّ سَمَّاهُنَّ " إِبْرَاهِيمَ " " وَإِسْحَاقَ " " وَيَعْقُوبَ " . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالُوا : وَهُوَ ضَعِيفٌ رَثُّ الْحَالِ ، فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُدُ (نبي)فَقَاتِلْ بِنَا جَالُوتَ ! فَأَخَذَهُنَّ دَاوُدُ (نبي)وَأَلْقَاهُنَّ فِي مِخْلَاتِهِ . فَلَمَّا أَلْقَاهُنَّ سَمِعَ حَجَرًا مِنْهُنَّ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : أَنَا حَجَرُ هَارُونَ الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا وَكَذَا . قَالَ الثَّانِي : أَنَا حَجَرُ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا وَكَذَا . قَالَ الثَّالِثُ : أَنَا حَجَرُ دَاوُدَ (نبي)الَّذِي أَقْتُلُ جَالُوتَ ! فَقَالَ الْحَجَرَانِ : يَا حَجَرَ دَاوُدَ (نبي)نَحْنُ أَعْوَانٌ لَكَ ! فَصِرْنَ حَجَرًا وَاحِدًا . وَقَالَ الْحَجَرُ : يَا دَاوُدُ ، (نبي)اقْذِفْ بِي ، فَإِنِّي سَأَسْتَعِينُ بِالرِّيحِ - وَكَانَتْ بَيْضَتُهُ فِيمَا يَقُولُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيهَا سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ - فَأَقَعُ فِي رَأْسِ جَالُوتَ فَأَقْتُلُهُ ! قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سَمَّى وَاحِدًا إِبْرَاهِيمَ ، وَالْآخَرَ إِسْحَاقَ ، وَالْآخَرَ يَعْقُوبَ ، وَقَالَ : بِاسْمِ إِلَهِي وَإِلَهِ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ؛ وَجَعَلَهُنَّ فِي مِرْجَمَتِهِ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَانْطَلَقَ حَتَّى نَفَذَ إِلَى طَالُوتَ فَقَالَ : إِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ لِمَنْ قَتَلَ جَالُوتَ نِصْفَ مُلْكِكَ وَنِصْفَ كُلِّ شَيْءٍ تَمْلِكُهُ ! أَفَلِي ذَلِكَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! وَالنَّاسُ يَسْتَهْزِئُونَ بِدَاوُدَ (نبي)، وَإِخْوَةُ دَاوُدَ (نبي)أَشَدُّ مَنْ هُنَالِكَ عَلَيْهِ . وَكَانَ طَالُوتُ لَا يُنْتَدَبُ إِلَيْهِ أَحَدٌ زَعَمَ أَنَّهُ يَقْتُلُ جَالُوتَ إِلَّا أَلْبَسَهُ دِرْعًا عِنْدَهُ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ قَدْرًا عَلَيْهِ نَزَعَهَا عَنْهُ . وَكَانَتْ دِرْعًا سَابِغَةً مِنْ دُرُوعِ طَالُوتَ ، فَأَلْبَسَهَا دَاوُدَ ، (نبي)فَلَمَّا رَأَى قَدْرَهَا عَلَيْهِ أَمَرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ . فَتَقَدَّمَ دَاوُدُ (نبي)، فَقَامَ مَقَامًا لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ ، وَعَلَيْهِ الدِّرْعُ . فَقَالَ لَهُ جَالُوتُ : وَيَحَكَ ! مَنْ أَنْتَ ؟ إِنِّي [5/371]أَرْحَمُكَ ! لِيَتَقَدَّمَ إِلَيَّ غَيْرُكَ مِنْ هَذِهِ الْمُلُوكِ ! أَنْتَ إِنْسَانٌ ضَعِيفٌ مِسْكِينٌ ! فَارْجِعْ . فَقَالَ دَاوُدُ (نبي): أَنَا الَّذِي أَقْتُلُكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَلَنْ أَرْجِعَ حَتَّى أَقْتُلَكَ ! فَلَمَّا أَبَى دَاوُدُ إِلَّا قِتَالَهُ ، تَقَدَّمَ جَالُوتُ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ بِيَدِهِ مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ ، فَأَخْرَجَ الْحَجَرَ مِنَ المِخْلَاةِ ، فَدَعَا رَبَّهُ وَرَمَاهُ بِالْحَجَرِ ، فَأَلْقَتِ الرِّيحُ بَيْضَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ ، فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي رَأْسِ جَالُوتَ حَتَّى دَخَلَ فِي جَوْفِهِ فَقَتَلَهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَمَّا رَمَى جَالُوتُ بِالْحَجَرِ خَرَقَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَةً عَنْ رَأْسِهِ ، وَقَتَلَتْ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " وَقَتَلَ دَاوُدُ (نبي)جَالُوتَ " . فَقَالَ دَاوُدُ (نبي)لِطَالُوتَ : فِ لِي بِمَا جَعَلْتَ . فَأَبَى طَالُوتُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ . فَانْطَلَقَ دَاوُدُ (نبي)فَسَكَنَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى مَاتَ طَالُوتُ . فَلَمَّا مَاتَ عَمَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى دَاوُدَ (نبي)فَجَاءُوا بِهِ فَمَلَّكُوهُ ، وَأَعْطَوْهُ خَزَائِنَ طَالُوتَ ، وَقَالُوا : لَمْ يَقْتُلْ جَالُوتَ إِلَّا نَبِيٌّ ! قَالَ اللَّهُ : " وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَأَعْطَى اللَّهُ دَاوُدَ (نبي)الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ " وَالْهَاءُ " فِي قَوْلِهِ : " وَآتَاهُ اللَّهُ " عَائِدَةٌ عَلَى دَاوُدَ (نبي). وَالْمُلْكُ : السُّلْطَانُ ، وَالْحِكْمَةُ : النُّبُوَّةُ . وَقَوْلُهُ : " وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ " يَعْنِي : عَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وَالتَّقْدِيرَ فِي السَّرْدِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [5/372]) [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 80 ] .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ " أَنَّ اللَّهَ آتَى دَاوُدَ (نبي)مُلْكَ طَالُوتَ وَنُبُوَّةَ أَشْمَوِيلَ (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5748 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : مُلِّكَ دَاوُدُ (نبي)بَعْدَمَا قُتِلَ طَالُوتَ ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ " قَالَ : الْحِكْمَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ ، آتَاهُ نُبُوَّةَ شَمْعُونَ (نبي)وَمُلْكَ طَالُوتَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 251 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِبَعْضِ النَّاسِ وَهُمْ أَهْلُ الطَّاعَةِ لَهُ وَالْإِيمَانِ بِهِ بَعْضًا وَهُمْ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ وَالشِّرْكِ بِهِ ، كَمَا دَفَعَ عَنِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ طَالُوتَ يَوْمَ جَالُوتَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالْمَعْصِيَةِ لَهُ - وَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا سَأَلُوا رَبَّهُمُ ابْتِدَاءً مِنْ بَعْثَةِ مَلِكً عَلَيْهِمْ لِيُجَاهِدُوا مَعَهُ فِي سَبِيلِهِ بِمَنْ جَاهَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ - جَالُوتَ وَجُنُودَهُ " لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ " يَعْنِي : لَهَلَكَ أَهْلُهَا بِعُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، فَفَسَدَتْ بِذَلِكَ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو مَنٍّ عَلَى خَلْقِهِ وَتَطَوُّلٍ عَلَيْهِمْ بِدَفْعِهِ بِالْبَرِّ مِنْ خَلْقِهِ عَنِ الْفَاجِرِ ، وَبِالْمُطِيعِ عَنِ الْعَاصِي مِنْهُمْ ، وَبِالْمُؤْمِنِ عَنِ الْكَافِرِ . [5/373]
وَهَذِهِ الْآيَةُ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَهْلَ النِّفَاقِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ مَشَاهِدِهِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ لِلشَّكِّ الَّذِي فِي نُفُوسِهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ ، وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مُعَاجَلَتَهُمُ الْعُقُوبَةَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ وَالْجَدِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ ، وَذَوُو الْيَقِينِ بِإِنْجَازِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَعْدَهُ عَلَى جِهَادِ أَعْدَائِهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ مِنَ النَّصْرِ فِي الْعَاجِلِ ، وَالْفَوْزِ بِجِنَانِهِ فِي الْآجِلِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5749 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ " يَقُولُ : وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِالْبَرِّ عَنِ الْفَاجِرِ ، وَبِبَقِيَّةِ أَخْلَافِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ " لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ " بِهَلَاكِ أَهْلِهَا .
5750 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ " يَقُولُ : وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ بِالْبَرِّ عَنِ الْفَاجِرِ ، وَبِبَقِيَّةِ أَخْلَافِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ لَهَلَكَ أَهْلُهَا .
5751 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : لَوْلَا بَقِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيكُمْ لَهَلَكْتُمْ . [5/374]
5752 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ " يَقُولُ : لَهَلَكَ مَنْ فِي الْأَرْضِ .
5753 - حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ أَحْمَدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ عَنْ ماِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلَاءَ " ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ " .
5754 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ أَبُو حُمَيدٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : [5/375]قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحُ بِصَلَاحِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ ودُويْرَاتٍ حَوْلَهُ ، وَلَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ فِيهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى قَوْلِهِ : " الْعَالَمِينَ " وَذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْقَرَأَةُ ، فَإِنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ " .
فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَرَأَةِ : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : [5/376]" دَفَعَ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ فَهُوَ يَدْفَعُ دَفْعًا " . وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالدَّفْعِ عَنْ خَلْقِهِ ، وَلَا أَحَدَ يُدافِعُهُ فَيُغَالِبُهُ .
وَقَرَأَتْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ أُخَرُ مِنَ الْقَرَأَةِ : ( وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ ) عَلَى وَجْهِ الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " دَافَعَ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ فَهُوَ يُدَافِعُ مُدَافَعَةً وَدِفَاعًا " وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِكَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِهِ يُعَادُونَ أَهْلَ دِينِ اللَّهِ وَوِلَايَتِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، فَهُمْ بِمُحَارَبَتِهِمْ إِيَّاهُمْ وَمُعَاداَتِهِمْ لَهُمْ لِلَّهِ مُدَافِعُونَ بِظُنُونِهِمْ ، وَمُغَالِبُونَ بِجَهْلِهِمْ ، وَاللَّهُ مُدَافِعُهُمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَتْ بِهِمَا الْقَرَأَةُ ، وَجَاءَتْ بِهِمَا جَمَاعَةُ الْأُمَّةِ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِأَحَدِ الْحَرْفَيْنِ إِحَالَةُ مَعْنَى الْآخَرِ . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَافَعَ غَيْرَهُ عَنْ شَيْءٍ فَمُدَافِعُهُ عَنْهُ بِشَيْءٍ دَافِعٌ . وَمَتَى امْتَنَعَ الْمَدْفُوعُ عَنِ الِانْدِفَاعِ فَهُوَ لِمُدَافِعِهِ مُدَافِعٌ . وَلَا شَكَّ أَنَّ جَالُوتَ وَجُنُودَهُ كَانُوا بِقِتَالِهِمْ طَالُوتَ وَجُنُودَهُ مُحَاوِلِينَ مُغَالَبَةَ حِزْبِ اللَّهِ وَجُنْدِهِ ، وَكَانَ فِي مُحَاوَلَتِهِمْ ذَلِكَ مُحَاوَلَةُ مُغَالَبَةِ اللَّهِ وَدِفَاعِهِ عَمَّا قَدْ تَضَمَّنَ لَهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى " مُدَافَعَةِ اللَّهِ " عَنِ الَّذِينَ دَافَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِمَنْ قَاتَلَ جَالُوتَ وَجُنُودَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ . فَبَيِّنٌ إذًا أَنَّ سَوَاءً قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) فِي التَّأْوِيلِ وَالْمَعْنَى .