النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ( 248 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ نَبِيِّهِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ لَمْ يُقِرُّوا بِبَعْثَةِ اللَّهِ طَالُوتَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا إِذْ أَخْبَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ ، وَعَرَّفَهُمْ فَضِيلَتَهُ الَّتِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهَا ، وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوهُ الدَّلَالَةَ عَلَى صِدْقِ مَا قَالَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " فَقَالُوا لَهُ : مَا آيَةُ ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ؟ " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ - وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنِ الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَبِيِّهِمْ ، وَمَا كَانَ مِنِ ابْتِدَائِهِمْ نَبِيَّهُمْ بِمَا ابْتَدَءُوا بِهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ فِي سَبِيلِهِ ، وَنَبَأً عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ ، ثُمَّ إِخْلَافِهِمُ الْمَوْعِدَ الَّذِي وَعَدُوا اللَّهَ وَوَعَدُوا رَسُولَهُ مِنَ [5/316]الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ حِينَ اسْتُنْهِضُوا لِحَرْبِ مَنِ اسْتُنْهِضُوا لِحَرْبِهِ ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْفِئَةِ ، مَعَ تَخْذِيلِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ عَنْ مَلِكِهِمْ وَقُعُودِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَهُ - فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ لِمَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، بَعْدَمَا كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ اللَّهَ بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ قَبْلَ رِسَالَتِهِ ، وَقَبْلَ بَعْثَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمْ وَأَوَائِلهمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ شَمْوِيلَ بْنَ بَالِي (نبي)، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ ، وَامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْجِهَادِ مَعَ طَالُوتَ لَمَّا ابْتَعَثَهُ اللَّهُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ ، بَعْدَ مَسْأَلَتِهِمْ نَبِيَّهُمُ ابْتِعَاثَ مَلِكٍ يُقَاتِلُونَ مَعَهُ عَدُّوَهُمْ وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ فِي سَبِيلِ رَبِّهِمْ ، ابْتِدَاءً مِنْهُمْ بِذَلِكَ نَبِيَّهُمْ ، وَبَعْدَ مُرَاجَعَةِ نَبِيِّهِمْ شَمْوِيلَ (نبي)إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَحَضٍّ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَحْذِيرٍ مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي التَّخَلُّفِ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ لِقَائِهِ الْعَدُوَّ ، وَمُنَاهَضَتِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ مَلِكِهِمْ طَالُوتَ إِذْ زَحَفَ لِحَرْبِ عَدُوِّ اللَّهِ جَالُوتَ ، وَإِيثَارِهِمُ الدَّعَةَ وَالْخَفْضَ عَلَى مُبَاشَرَةِ حَرِّ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَشَحْذٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى مُنَاجَزَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْحَرْبَ ، وَتَرْكِ تَهَيُّبِ قِتَالِهِمْ أَنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُ أَعْدَائِهِمْ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ بِقَوْلِهِ : قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 249 ] ، وَإِعْلَامٍ مِنْهُ [5/317]- تَعَالَى ذِكْرُهُ - عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّ بِيَدِهِ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : لِلْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : " ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " .
وَقَوْلُهُ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " : إِنَّ عَلَامَةَ مُلْكِ طَالُوتَ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا دَلَالَةً عَلَى صِدْقِي فِي قَوْلِي : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ عَلَيْكُمْ مَلِكًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " وَهُوَ التَّابُوتُ الَّذِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقُوا عَدُوًّا لَهُمْ قَدَّمُوهُ أَمَامَهُمْ ، وَزَحَفُوا مَعَهُ ، فَلَا يَقُومُ لَهُمْ مَعَهُ عَدُوٌّ ، وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ نَاوَأَهُمْ ، حَتَّى ضَيَّعُوا أَمْرَ اللَّهِ ، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، حَتَّى سَلَبَهُمْ آخِرَهَا مَرَّةً فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِمْ آخِرَ الْأَبَدِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ مَجِيءِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مَجِيئَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ آيَةً لِصِدْقِ نَبِيِّهِمْ شَمْوِيلَ (نبي)عَلَى قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " وَهَلْ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ سُلِبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلَ مَجِيئَهُ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا سُلِبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَهُمْ بِهِ ابْتِدَاءً ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى (نبي)وَهَارُونَ (نبي)يَتَوَارَثُونَهُ ، حَتَّى سَلْبَهُمْ إِيَّاهُ مُلُوكٌ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ . وَقَالَ فِي [5/318]سَبَبِ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ وَهُوَ مَا : -
5658 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ قَالَ : كَانَ لِعَيْلَى الَّذِي رَبَّى شَمْوِيلَ ، (نبي)ابْنَانِ شَابَّانِ أَحْدَثَا فِي الْقُرْبَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ، كَانَ مِسْوَطُ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانُوا يَسُوطُونَهُ بِهِ كُلَّابَيْنِ فَمَا أَخْرَجَا كَانَ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَسُوطُهُ ، فَجَعَلَهُ ابْنَاهُ كَلَالِيبَ . وَكَانَا إِذَا جَاءَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي الْقُدْسِ يَتَشَبَّثَانِ بِهِنَّ . فَبَيْنَا شَمْوِيلُ (نبي)نَائِمٌ قِبَلَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَنَامُ فِيهِ عَيْلَى إِذْ سَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَوَثَبَ إِلَى عَيْلَى فَقَالَ : لَبَّيْكَ ! مَا لَكَ ! دَعَوْتَنِي ؟ فَقَالَ : لَا ! ارْجِعْ فَنَمْ ! فَرَجَعَ فَنَامَ ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا آخَرَ يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَوَثَبَ إِلَى عَيْلَى - أَيْضًا - فَقَالَ : لَبَّيْكَ ! مَا لَكَ ! دَعَوْتِنِي ؟ فَقَالَ : لَمْ أَفْعَلْ ، ارْجِعْ فَنَمْ ، فَإِنْ سَمِعْتَ شَيْئًا فَقُلْ : " لَبَّيْكَ " مَكَانَكَ " مُرْنِي فَأَفْعَلَ " ! فَرَجَعَ فَنَامَ ، فَسَمِعَ صَوْتًا أَيْضًا يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَقَالَ : لَبَّيْكَ أَنَا هَذَا ! مُرْنِي أَفْعَلْ ! قَالَ : انْطَلِقْ إِلَى عَيْلَى فَقُلْ لَهُ : " مَنَعَهُ حُبُّ الْوَلَدِ أَنْ يَزْجُرَ ابْنَيْهِ أَنْ يُحْدِثَا فِي قُدْسِي وَقُرْبَانِي ، وَأَنْ يَعْصِيَانِي ، فَلَأَنْزِعَنَّ مِنْهُ الْكِهَانَةَ وَمِنْ وَلَدِهِ ، وَلَأُهْلِكَنَّهُ وَإِيَّاهُمَا " ! فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَهُ عَيْلَى فَأَخْبَرَهُ ، فَفَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا . فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِمَّنْ [5/319]حَوْلَهُمْ ، فَأَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَا بِالنَّاسِ فَيُقَاتِلَا ذَلِكَ الْعَدُوِّ . فَخَرَجَا وَأَخْرَجَا مَعَهُمَا التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّوْحَانِ وَعَصَا مُوسَى (نبي)لِيُنْصَرُوا بِهِ . فَلَمَّا تَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ هُمْ وَعَدُوُّهُمْ ، جَعَلَ عَيْلَى يَتَوَقَّعُ الْخَبَرَ مَاذَا صَنَعُوا ؟ فَجَاءَهُ رَجُلٌ يُخْبِرُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ : إِنَّ ابْنَيْكَ قَدْ قُتِلَا وَإِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا ! قَالَ : فَمَا فَعَلَ التَّابُوتُ ؟ قَالَ : ذَهَبَ بِهِ الْعَدُوُّ ! قَالَ : فَشَهِقَ وَوَقَعَ عَلَى قَفَاهُ مِنْ كُرْسِيِّهِ فَمَاتَ . وَذَهَبَ الَّذِينَ سَبَوُا التَّابُوتَ حَتَّى وَضَعُوهُ فِي بَيْتِ آلِهَتِهِمْ ، وَلَهُمْ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ ، فَوَضَعُوهُ تَحْتَ الصَّنَمِ ، وَالصَّنَمُ مِنْ فَوْقِهِ ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَالصَّنَمُ تَحْتَهُ وَهُوَ فَوْقَ الصَّنَمِ . ثُمَّ أَخَذُوهُ فَوَضَعُوهُ فَوْقَهُ وَسَمَّرُوا قَدَمَيْهِ فِي التَّابُوتِ ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ قَدْ تَقَطَّعَتْ يَدَا الصَّنَمِ وَرِجْلَاهُ ، وَأَصْبَحَ مُلْقًى تَحْتَ التَّابُوتِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ، فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْتِ آلِهَتِكُمْ ! فَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ فَوَضَعُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ قَرْيَتِهِمْ ، فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ الَّتِي وَضَعُوا فِيهَا التَّابُوتَ وَجَعٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ ! فَقَالَتْ لَهُمْ جَارِيَةٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : لَا تَزَالُونَ تَرَوْنَ مَا تَكْرَهُونَ مَا كَانَ هَذَا التَّابُوتُ فِيكُمْ ! فَأَخْرِجُوهُ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ! قَالُوا : كَذَبْتِ ! قَالَتْ : إِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنْ تَأْتُوا بِبَقَرَتَيْنِ لَهُمَا أَوْلَادٌ لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِمَا نِيرٌ قَطُّ ، ثُمَّ تَضَعُوا وَرَاءَهُمُ الْعَجَلَ ، ثُمَّ تَضَعُوا التَّابُوتَ عَلَى الْعَجَلِ وَتُسَيِّرُوهُمَا وَتَحْبِسُوا أَوْلَادَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا تَنْطَلِقَانِ بِهِ مُذْعِنَتَيْنِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِكُمْ وَوَقَعَتَا فِي أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَلَمَّا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِهِمْ وَوَقَعَتَا فِي أَدْنَى أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا . وَوَضَعَتَاهُ فِي خَرِبَةٍ فِيهَا حَصَادٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَفَزَعَ إِلَيْهِ [5/320]بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ ، فَجَعْلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ . فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شَمْوِيلُ (نبي): اعْتَرِضُوا ، فَمَنْ آنَسَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً فَلْيَدْنُ مِنْهُ . فَعَرَضُوا عَلَيْهِ النَّاسَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أُذِنَ لَهُمَا بِأَنْ يَحْمِلَاهُ إِلَى بَيْتِ أُمِّهِمَا ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ . فَكَانَ فِي بَيْتِ أُمِّهِمَا حَتَّى مَلَكَ طَالُوتُ ، فَصَلَحَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ أَشْمَوِيلَ (نبي).
5659 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : قَالَ شَمْوِيلُ (نبي)لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لَهُ : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ ؟ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ، وَإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ - وَإِنَّ تَمْلِيكَهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ - أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ، فَيَرُدُّ عَلَيْكُمُ الَّذِي فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ، وَهُوَ الَّذِي كُنْتُمْ تَهْزِمُونَ بِهِ مَنْ لَقِيَكُمْ مِنَ العَدُوِّ ، وَتَظْهَرُونَ بِهِ عَلَيْهِ . قَالُوا : فَإِنْ جَاءَنَا التَّابُوتُ فَقَدْ رَضِينَا وَسَلَّمْنَا ! وَكَانَ الْعَدُوُّ الَّذِينَ أَصَابُوا التَّابُوتَ أَسْفَلَ مِنَ الْجَبَلِ جَبَلِ إِيلِيَّا (مكان)فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِصْرَ (مكان)، وَكَانُوا أَصْحَابَ أَوْثَانٍ ، وَكَانَ فِيهِمْ جَالُوتُ . وَكَانَ جَالُوتُ رَجُلًا قَدْ أُعْطِيَ بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ ، وَقُوَّةً فِي الْبَطْشِ ، وَشِدَّةً فِي الْحَرْبِ ، مَذْكُورًا بِذَلِكَ فِي النَّاسِ . وَكَانَ التَّابُوتُ حِينَ اسْتُبِيَ قَدْ جُعِلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى فِلَسْطِينَ (مكان)يُقَالُ لَهَا : " أَزْدُودُ (مكان)" فَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا التَّابُوتَ فِي [5/321]كَنِيسَةٍ فِيهَا أَصْنَامُهُمْ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ : مِنْ وَعْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ التَّابُوتَ سَيَأْتِيهِمْ - جَعَلَتْ أَصْنَامُهُمْ تُصْبِحُ فِي الْكَنِيسَةِ مُنَكَّسَةً عَلَى رُءُوسِهَا ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَأْرًا ، تُبَيِّتُ الْفَأْرَةُ الرَّجُلَ فَيُصْبِحُ مَيِّتًا ، قَدْ أَكَلَتْ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ دُبُرِهِ . قَالُوا : تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكُمْ بَلَاءٌ مَا أَصَابَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُهُ ، وَمَا نَعْلَمُهُ أَصَابَنَا إِلَّا مُذْ كَانَ هَذَا التَّابُوتُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ! ! مَعَ أَنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمْ أَصْنَامَكُمْ تُصْبِحُ كُلَّ غَدَاةٍ مُنَكَّسَةً ، شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ يُصْنَعُ بِهَا حَتَّى كَانَ هَذَا التَّابُوتُ مَعَهَا ! فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . فَدَعَوْا بِعَجَلَةٍ فَحَمَلُوا عَلَيْهَا التَّابُوتَ ، ثُمَّ عَلَّقُوهَا بِثَوْرَيْنِ ، ثُمَّ ضَرَبُوا عَلَى جُنُوبِهِمَا ، وَخَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالثَّوْرَيْنِ تَسُوقُهُمَا ، فَلَمْ يَمُرَّ التَّابُوتُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا كَانَ قُدْسًا . فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا التَّابُوتُ عَلَى عَجَلَةٍ يَجُرُّهَا الثَّوْرَانِ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ ، وَجَدُّوا فِي حَرْبِهِمْ ، وَاسْتَوْسَقُوا عَلَى طَالُوتَ .
5660 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى طَالُوتَ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ - أَبَوْا أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الرِّيَاسَةَ ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " . فَقَالَ لَهُمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَاءَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ! ! [5/322]وَكَانَ مُوسَى حِينَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ وَرُفِعَ مِنْهَا . فَنَزَلَ فَجَمَعَ مَا بَقِيَ فَجَعَلَهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَلْوَاحِ إِلَّا سُدُسُهَا . قَالَ : وَكَانَتِ الْعَمَالِقَةُ قَدْ سَبَتْ ذَلِكَ التَّابُوتَ - وَالْعَمَالِقَةُ فِرْقَةٌ مِنْ عَادٍ كَانُوا بِأَرِيحَا - فَجَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى التَّابُوتِ ، حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : نَعَمْ ! فَسَلَّمُوا لَهُ وَمَلَّكُوهُ . قَالَ : وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ إِذَا حَضَرُوا قِتَالًا قَدَّمُوا التَّابُوتَ بَيْنَ يَدَيْهِمْ . وَيَقُولُونَ : إِنَّ آدَمَ نَزَلَ بِذَلِكَ التَّابُوتِ وَبِالرُّكْنِ . وَبَلَغَنِي أَنَّ التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ ، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
5661 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : إِنَّ أَرَمْيَا لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان)وَحُرِّقَتِ الْكُتُبُ ، وَقَفَ فِي نَاحِيَةِ الْجَبَلِ فَقَالَ : " أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ " . ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ مَنْ رَدَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى رَأْسِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ حِينِ أَمَاتَهُ ، يُعَمِّرُونَهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً تَمَامَ الْمِئَةِ . فَلَمَّا ذَهَبَتِ الْمِئَةُ ، رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ ، وَقَدْ عُمِّرَتْ ، فَهِيَ عَلَى حَالَتِهَا الْأُولَى .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ إِمَّا دَانْيَالُ (نبي)وَإِمَّا غَيْرُهُ : إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ يُرْفَعَ عَنْكُمُ الْمَرَضُ ، فَأَخْرِجُوا عَنْكُمْ هَذَا التَّابُوتَ ! قَالُوا : بِآيَةِ مَاذَا ؟ قَالَ : بِآيَةِ أَنَّكُمْ تَأْتُونَ بِبَقَرَتَيْنِ صَعْبَتَيْنِ لَمْ تَعْمَلَا عَمَلًا قَطُّ ، فَإِذَا نَظَرَتَا [5/323]إِلَيْهِ وَضَعَتَا أَعْنَاقَهُمْ لِلنِّيرِ حَتَّى يُشَدَّ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ يُشَدُّ التَّابُوتُ عَلَى عَجَلٍ ، ثُمَّ يُعَلَّقُ عَلَى الْبَقَرَتَيْنِ ، ثُمَّ يُخَلَّيَانِ فَيَسِيرَانِ حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَلِّغَهُمَا . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، وَوَكَّلَ اللَّهُ بِهِمَا أَرْبَعَةً مِنَ المَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا ، فَسَارَتِ الْبَقَرَتَانِ سَيْرًا سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ الْقُدْسِ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَقَطَعَتَا حِبَالَهُمَا ، وَذَهَبَتَا . فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا دَاوُدُ (نبي)وَمَنْ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَأَى دَاوُدُ (نبي)التَّابُوتَ حَجَلَ إِلَيْهِ فَرَحًا بِهِ - فَقُلْنَا لِوَهْبٍ : مَا حَجَلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : شَبِيهٌ بِالرَّقْصِ - فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : لَقَدْ خَفِفْتَ حَتَّى كَادَ النَّاسُ يَمْقُتُونَكَ لِمَا صَنَعْتَ ! قَالَ : أَتُبَطِّئِينِي عَنْ طَاعَةِ رَبِّي ! ! لَا تَكُونِينَ لِي زَوْجَةً بَعْدَ هَذَا . فَفَارَقَهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ التَّابُوتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ كَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ ، وَكَانَ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَّفَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشِعَ (نبي)، فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ . [5/324]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5662 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ . كَانَ مُوسَى تَرَكَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونَ (نبي)وَهُوَ بِالْبَرِّيَّةِ ، وَأَقْبَلَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ فَأَصْبَحَ فِي دَارِهِ .
5663 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ مُوسَى - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - تَرَكَ التَّابُوتَ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونَ (نبي)وَهُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ . فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلَتْهُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ ، فَأَصْبَحَ التَّابُوتُ فِي دَارِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : مِنْ أَنَّ التَّابُوتَ كَانَ عِنْدَ عَدُوٍّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ سَلَبَهُمُوهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " و " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " لَا تَدْخُلَانِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ إِلَّا فِي مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْمُتَخَاطِبِينَ بِهِ . وَقَدْ عَرَفَهُ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ . فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الَّذِي قَدْ عَرِفْتُمُوهُ ، الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ ، فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَابُوتًا مِنَ التَّوَابِيتِ غَيْرَ مَعْلُومٍ عِنْدَهُمْ قَدْرُهُ [5/325]وَمَبْلَغُ نَفْعِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَقِيلَ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ تَابُوتٌ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ .
فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَفْلَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ التَّابُوتَ وَقَدْرَ نَفْعِهِ وَمَا فِيهِ وَهُوَ عِنْدَ مُوسَى (نبي)وَيُوشَعَ (نبي)، فَإِنَّ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى خَطَؤُهُ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ مُوسَى (نبي)لَاقَى عَدُوًّا قَطُّ بِالتَّابُوتِ وَلَا فَتَاهُ يُوشَعُ (نبي)، بَلِ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ أَمْرِ مُوسَى (نبي)وَأَمْرِ فِرْعَوْنَ مَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ شَأْنِهِمَا ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَأَمْرُ الْجَبَّارِينَ . وَأَمَّا فَتَاهُ يُوشَعُ (نبي)، فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ زَعَمُوا أَنَّ يُوشَعَ (نبي)خَلَّفَهُ فِي التِّيهِ حَتَّى رُدَّ عَلَيْهِمْ حِينَ مَلَكَ طَالُوتُ . فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفُوهُ فَأَيُّ الْأَحْوَالِ لِلتَّابُوتِ الْحَالُ الَّتِي عَرَفُوهُ فِيهَا ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الَّذِي قَدْ عَرَفْتُمُوهُ وَعَرَفْتُمْ أَمْرَهُ ؟ وَفِي فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ بِالَّذِي ذَكَرْنَا أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، إِذْ لَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ غَيْرُهُمَا .
وَكَانَتْ صِفَةُ التَّابُوتِ فِيمَا بَلَغَنَا كَمَا :
5664 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَسْكَرٍ وَالْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْنَا وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ عَنْ تَابُوتِ مُوسَى (نبي): مَا كَانَ ؟ قَالَ : كَانَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ .
[5/326]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " فِيهِ " فِي التَّابُوتِ " سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " السَّكِينَةِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5665 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : السَّكِينَةُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
5666 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، ثُمَّ هِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ .
5667 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا صُورَةٌ . وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ : لَهَا وَجْهٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
5668 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، وَهِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ . [5/327]
5669 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ ، وَلَهَا رَأْسَانِ .
5670 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
5671 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَجَنَاحَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5672 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : أَقْبَلَتِ السَّكِينَةُ [ وَالصُّرَدُ ] وَجِبْرِيلُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مِنَ الشَّأْمِ (مكان)قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : السَّكِينَةُ لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَجَنَاحَانِ .
5673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
5674 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : السَّكِينَةُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ . [5/328]
5675 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الْهِرَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5677 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : السَّكِينَةُ رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ ، كَانَتْ إِذَا صَرَخَتْ فِي التَّابُوتِ بِصُرَاخِ هِرٍّ ، أَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ وَجَاءَهُمُ الْفَتْحُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا هِيَ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5678 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ .
5679 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " السَّكِينَةُ : طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ ، أَعْطَاهَا اللَّهُ مُوسَى ، وَفِيهَا وَضَعَ الْأَلْوَاحَ . وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ - فِيمَا بَلَغَنَا - مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " رُوحٌ مِنَ اللَّهِ تَتَكَلَّمُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5680 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ [5/329]بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْنَا وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ فَقُلْنَا لَهُ : السَّكِينَةُ ؟ قَالَ : رَوْحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ فَأَخْبَرَهُمْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ .
5681 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَسْكَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فَيَسْكُنُونَ إِلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5682 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ ، قَالَ : أَمَّا السَّكِينَةُ فَمَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ ، يَسْكُنُونَ إِلَيْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " الرَّحْمَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5683 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " هِيَ الْوَقَارُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5684 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ وَقَارٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : مِنَ الشَّيْءِ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا . وَذَلِكَ أَنَّ [5/330]" السَّكِينَةَ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ " الْفَعِيلَةَ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " سَكَنَ فُلَانٌ إِلَى كَذَا وَكَذَا " إِذَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَهَدَأَتْ عِنْدَهُ نَفْسُهُ " فَهُوَ يَسْكُنُ سُكُونًا وَسَكِينَةً " مِثْلَ قَوْلِكَ : " عَزَمَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ عَزْمًا وَعَزِيمَةً " " وَقَضَى الْحَاكِمُ بَيْنَ الْقَوْمِ قَضَاءً وَقَضِيَّةً " وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
لِلَّهِ قَبْرٌ غَالَهَا ! مَاذَا يُجِنُّ ؟ لَقَدْ أَجَنَّ سَكِينَةً وَوَقَارَا
وَإِذَا كَانَ مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا وَصَفْتُ ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَا رُوِّينَا عَنْهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَمَا قَالَهُ السُّدِّيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ آيَاتٌ كَافِيَاتٌ تَسْكُنُ إِلَيْهِنَّ النُّفُوسُ ، وَتُثْلَجُ بِهِنَّ الصُّدُورُ . وَإِذَا كَانَ مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا وَصَفْنَا ، فَقَدِ اتَّضَحَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّابُوتِ ، الَّتِي كَانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إِلَيْهَا لِمَعْرِفَتِهَا بِصِحَّةِ أَمْرِهَا ، إِنَّمَا هِيَ مُسَمَّاةٌ بِالْفِعْلِ وَهِيَ غَيْرُهُ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ " الشَّيْءَ الْبَاقِيَ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بَقِيَّةٌ " وَهِيَ " فَعِيلَةٌ " مِنْهُ ، نَظِيرَ " السَّكِينَةِ " مِنْ " سَكَنَ " . [5/331]
وَقَوْلُهُ : " مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " يَعْنِي بِهِ : مِنْ تَرِكَةِ آلِ مُوسَى ، وَآلِ هَارُونَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْبَقِيَّةِ " الَّتِي كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ تَرِكَتِهِمْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَتْ تِلْكَ " الْبَقِيَّةُ " عَصَا مُوسَى وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5685 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ دَاوُدُ : وَأَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
5687 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : عَصَا مُوسَى (نبي)وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5688 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : فَكَانَ فِي التَّابُوتِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا .
5689 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : الْبَقِيَّةُ عَصَا مُوسَى وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5690 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ أَمَّا الْبَقِيَّةُ ، فَإِنَّهَا عَصَا مُوسَى [5/332]وَرُضَاضَةُ الْأَلْوَاحِ .
5691 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " عَصَا مُوسَى وَأُثُورٌ مِنَ التَّوْرَاةِ .
5692 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : التَّوْرَاةُ وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ وَالْعَصَا قَالَ إِسْحَاقُ ، قَالَ وَكِيعٌ : وَرُضَاضُهُ كَسْرُهُ .
5693 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تِلْكَ " الْبَقِيَّةُ " عَصَا مُوسَى (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَشَيْءٌ مِنَ الْأَلْوَاحِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5694 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَلَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَالْمَنُّ . [5/333]
5695 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : عَصَا مُوسَى ، (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَثِيَابُ مُوسَى (نبي)، وَثِيَابُ هَارُونَ (نبي)، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5696 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : سَأَلْتُ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْبَقِيَّةُ قَفِيزٌ مِنْ مَنٍّ وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْعَصَا وَحْدَهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5697 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قُلْنَا لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : مَا كَانَ فِيهِ ؟ يَعْنِي فِي التَّابُوتِ قَالَ : كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَالسَّكِينَةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ ، رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ وَمَا تَكَسَّرَ مِنْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5698 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : كَانَ مُوسَى حِينَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ وَرُفِعَ مِنْهَا ، فَجَعَلَ الْبَاقِيَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ . [5/334]
5699 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " [ قَالَ ] الْعِلْمُ وَالتَّوْرَاةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5700 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " يَعْنِي بِ " الْبَقِيَّةِ " الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَبِذَلِكَ قَاتَلُوا مَعَ طَالُوتَ ، وَبِذَلِكَ أُمِرُوا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَهُ آيَةً لِصِدْقِ قَوْلِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - الَّذِي قَالَ لِأُمَّتِهِ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " أَنَّ فِيهِ سَكِينَةً مِنْهُ وَبَقِيَّةً مِمَّا تَرَكَهُ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ : الْعَصَا ، وَكِسَرَ الْأَلْوَاحِ وَالتَّوْرَاةَ ، أَوْ بَعْضَهَا ، وَالنَّعْلَيْنِ ، وَالثِّيَابَ ، وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِخْرَاجِ وَلَا اللُّغَةِ ، وَلَا يُدْرَكُ عِلْمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجَبُ عَنْهُ الْعِلْمُ . وَلَا خَبَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ لِلصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ تَصْوِيبُ قَوْلٍ وَتَضْعِيفُ آخَرَ غَيْرِهِ ، إِذْ كَانَ جَائِزًا فِيهِ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ .
[5/335]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ ذَلِكَ التَّابُوتَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، حَتَّى تَضَعَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5701 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ .
5702 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ - يَعْنِي - النَّبِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ " . قَالُوا : فَمَنْ لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ آتَاهُ هَذَا ! مَا هُوَ إِلَّا لِهَوَاكَ فِيهِ ! قَالَ : إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي وَاتَّهَمْتُمُونِي ، فَإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ : " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ . قَالَ : فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ نَهَارًا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ عَيَانًا ، حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَأَقَرُّوا غَيْرَ رَاضِينَ ، وَخَرَجُوا سَاخِطِينَ ، وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : " وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ " .
5703 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ " قَالُوا : فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأْتِنَا بِآيَةٍ أَنَّ هَذَا مَلِكٌ ! قَالَ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ " . وَأَصْبَحَ التَّابُوتُ وَمَا فِيهِ فِي دَارِ طَالُوتَ ، فَآمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُونَ ، وَسَلَّمُوا مُلْكَ طَالُوتَ .
5704 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا [5/336]مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ " قَالَ : تَحْمِلُهُ حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِ طَالُوتَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَسُوقُ الْمَلَائِكَةُ الدَّوَابَّ الَّتِي تَحْمِلُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5705 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ قَالَ : تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى عَجَلَةٍ عَلَى بَقَرَةٍ .
5706 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : وُكِّلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا ، فَسَارَتِ الْبَقَرَتَانِ بِهِمَا سَيْرًا سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ الْقُدْسِ ذَهَبَتَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " حَمَلَتِ التَّابُوتَ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ لَهَا فِي دَارِ طَالُوتَ قَائِمًا بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ " . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ : " تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ " وَلَمْ يَقُلْ : تَأْتِي بِهِ الْمَلَائِكَةُ . وَمَا جَرَّتْهُ الْبَقَرُ عَلَى عَجَلٍ - وَإِنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ سَائِقَتُهَا - فَهِيَ غَيْرُ حَامِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ " الْحَمْلَ " الْمَعْرُوفَ هُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَامِلِ بِنَفْسِهِ حَمْلَ مَا حَمَلَ ، فَأَمَّا مَا حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ " حَمَلَهُ " بِمَعْنَى مَعُونَتِهِ الْحَامِلَ ، وَبِأَنَّ حَمْلَهُ كَانَ عَنْ سَبَبِهِ - فَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَا بَاشَرَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ ، فِي تَعَارُفِ النَّاسِ إِيَّاهُ [5/337]بَيْنَهُمْ . وَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنَ اللُّغَاتِ ، أُولَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ ، مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : أَنَّ نَبِيَّهُ أَشَمْوِيلَ (نبي)قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ فِي مَجِيئِكُمُ التَّابُوتِ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ حَامِلَتُهُ الْمَلَائِكَةُ " لَآيَةً لَكُمْ " يَعْنِي : لَعَلَامَةً لَكُمْ وَدَلَالَةً - أَيُّهَا النَّاسُ - عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ تَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ ، وَاتَّهَمْتُمُونِي فِي خَبَرِي إِيَّاكُمْ بِذَلِكَ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ وَمُلْكِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ وَرَدِّهِمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " بِقَوْلِهِمْ : " أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ " وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ الْآيَةَ عَلَى صِدْقِهِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كُفْرًا ،
فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ : لَكُمْ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ آيَةٌ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَلَا بِرَسُولِهِ . وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا الْآيَةَ [5/338]عَلَى صِدْقِ خَبَرِهِ إِيَّاهُمْ لِيُقِرُّوا بِصِدْقِهِ . فَقَالَ لَهُمْ : فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ - عَلَى مَا وَصَفَهُ لَهُمْ - آيَةٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ عِنْدَ مَجِيئِهِ كَذَلِكَ مُصَدِّقِيَّ بِمَا قُلْتُ لَكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ نَبِيِّهِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ لَمْ يُقِرُّوا بِبَعْثَةِ اللَّهِ طَالُوتَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا إِذْ أَخْبَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ ، وَعَرَّفَهُمْ فَضِيلَتَهُ الَّتِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهَا ، وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوهُ الدَّلَالَةَ عَلَى صِدْقِ مَا قَالَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " فَقَالُوا لَهُ : مَا آيَةُ ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ؟ " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ - وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنِ الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَبِيِّهِمْ ، وَمَا كَانَ مِنِ ابْتِدَائِهِمْ نَبِيَّهُمْ بِمَا ابْتَدَءُوا بِهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ فِي سَبِيلِهِ ، وَنَبَأً عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ ، ثُمَّ إِخْلَافِهِمُ الْمَوْعِدَ الَّذِي وَعَدُوا اللَّهَ وَوَعَدُوا رَسُولَهُ مِنَ [5/316]الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ حِينَ اسْتُنْهِضُوا لِحَرْبِ مَنِ اسْتُنْهِضُوا لِحَرْبِهِ ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْفِئَةِ ، مَعَ تَخْذِيلِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ عَنْ مَلِكِهِمْ وَقُعُودِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَهُ - فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ لِمَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، بَعْدَمَا كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ اللَّهَ بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ قَبْلَ رِسَالَتِهِ ، وَقَبْلَ بَعْثَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمْ وَأَوَائِلهمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ شَمْوِيلَ بْنَ بَالِي (نبي)، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ ، وَامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْجِهَادِ مَعَ طَالُوتَ لَمَّا ابْتَعَثَهُ اللَّهُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ ، بَعْدَ مَسْأَلَتِهِمْ نَبِيَّهُمُ ابْتِعَاثَ مَلِكٍ يُقَاتِلُونَ مَعَهُ عَدُّوَهُمْ وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ فِي سَبِيلِ رَبِّهِمْ ، ابْتِدَاءً مِنْهُمْ بِذَلِكَ نَبِيَّهُمْ ، وَبَعْدَ مُرَاجَعَةِ نَبِيِّهِمْ شَمْوِيلَ (نبي)إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَحَضٍّ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَحْذِيرٍ مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي التَّخَلُّفِ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ لِقَائِهِ الْعَدُوَّ ، وَمُنَاهَضَتِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ مَلِكِهِمْ طَالُوتَ إِذْ زَحَفَ لِحَرْبِ عَدُوِّ اللَّهِ جَالُوتَ ، وَإِيثَارِهِمُ الدَّعَةَ وَالْخَفْضَ عَلَى مُبَاشَرَةِ حَرِّ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَشَحْذٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى مُنَاجَزَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْحَرْبَ ، وَتَرْكِ تَهَيُّبِ قِتَالِهِمْ أَنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُ أَعْدَائِهِمْ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ بِقَوْلِهِ : قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 249 ] ، وَإِعْلَامٍ مِنْهُ [5/317]- تَعَالَى ذِكْرُهُ - عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّ بِيَدِهِ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : لِلْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : " ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " .
وَقَوْلُهُ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " : إِنَّ عَلَامَةَ مُلْكِ طَالُوتَ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا دَلَالَةً عَلَى صِدْقِي فِي قَوْلِي : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ عَلَيْكُمْ مَلِكًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " وَهُوَ التَّابُوتُ الَّذِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقُوا عَدُوًّا لَهُمْ قَدَّمُوهُ أَمَامَهُمْ ، وَزَحَفُوا مَعَهُ ، فَلَا يَقُومُ لَهُمْ مَعَهُ عَدُوٌّ ، وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ نَاوَأَهُمْ ، حَتَّى ضَيَّعُوا أَمْرَ اللَّهِ ، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، حَتَّى سَلَبَهُمْ آخِرَهَا مَرَّةً فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِمْ آخِرَ الْأَبَدِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ مَجِيءِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مَجِيئَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ آيَةً لِصِدْقِ نَبِيِّهِمْ شَمْوِيلَ (نبي)عَلَى قَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " وَهَلْ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ سُلِبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلَ مَجِيئَهُ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا سُلِبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَهُمْ بِهِ ابْتِدَاءً ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى (نبي)وَهَارُونَ (نبي)يَتَوَارَثُونَهُ ، حَتَّى سَلْبَهُمْ إِيَّاهُ مُلُوكٌ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ . وَقَالَ فِي [5/318]سَبَبِ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ وَهُوَ مَا : -
5658 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ قَالَ : كَانَ لِعَيْلَى الَّذِي رَبَّى شَمْوِيلَ ، (نبي)ابْنَانِ شَابَّانِ أَحْدَثَا فِي الْقُرْبَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ، كَانَ مِسْوَطُ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانُوا يَسُوطُونَهُ بِهِ كُلَّابَيْنِ فَمَا أَخْرَجَا كَانَ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَسُوطُهُ ، فَجَعَلَهُ ابْنَاهُ كَلَالِيبَ . وَكَانَا إِذَا جَاءَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي الْقُدْسِ يَتَشَبَّثَانِ بِهِنَّ . فَبَيْنَا شَمْوِيلُ (نبي)نَائِمٌ قِبَلَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَنَامُ فِيهِ عَيْلَى إِذْ سَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَوَثَبَ إِلَى عَيْلَى فَقَالَ : لَبَّيْكَ ! مَا لَكَ ! دَعَوْتَنِي ؟ فَقَالَ : لَا ! ارْجِعْ فَنَمْ ! فَرَجَعَ فَنَامَ ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا آخَرَ يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَوَثَبَ إِلَى عَيْلَى - أَيْضًا - فَقَالَ : لَبَّيْكَ ! مَا لَكَ ! دَعَوْتِنِي ؟ فَقَالَ : لَمْ أَفْعَلْ ، ارْجِعْ فَنَمْ ، فَإِنْ سَمِعْتَ شَيْئًا فَقُلْ : " لَبَّيْكَ " مَكَانَكَ " مُرْنِي فَأَفْعَلَ " ! فَرَجَعَ فَنَامَ ، فَسَمِعَ صَوْتًا أَيْضًا يَقُولُ : أَشَمْوِيلُ (نبي)! ! فَقَالَ : لَبَّيْكَ أَنَا هَذَا ! مُرْنِي أَفْعَلْ ! قَالَ : انْطَلِقْ إِلَى عَيْلَى فَقُلْ لَهُ : " مَنَعَهُ حُبُّ الْوَلَدِ أَنْ يَزْجُرَ ابْنَيْهِ أَنْ يُحْدِثَا فِي قُدْسِي وَقُرْبَانِي ، وَأَنْ يَعْصِيَانِي ، فَلَأَنْزِعَنَّ مِنْهُ الْكِهَانَةَ وَمِنْ وَلَدِهِ ، وَلَأُهْلِكَنَّهُ وَإِيَّاهُمَا " ! فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَهُ عَيْلَى فَأَخْبَرَهُ ، فَفَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا . فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِمَّنْ [5/319]حَوْلَهُمْ ، فَأَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَا بِالنَّاسِ فَيُقَاتِلَا ذَلِكَ الْعَدُوِّ . فَخَرَجَا وَأَخْرَجَا مَعَهُمَا التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّوْحَانِ وَعَصَا مُوسَى (نبي)لِيُنْصَرُوا بِهِ . فَلَمَّا تَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ هُمْ وَعَدُوُّهُمْ ، جَعَلَ عَيْلَى يَتَوَقَّعُ الْخَبَرَ مَاذَا صَنَعُوا ؟ فَجَاءَهُ رَجُلٌ يُخْبِرُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ : إِنَّ ابْنَيْكَ قَدْ قُتِلَا وَإِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا ! قَالَ : فَمَا فَعَلَ التَّابُوتُ ؟ قَالَ : ذَهَبَ بِهِ الْعَدُوُّ ! قَالَ : فَشَهِقَ وَوَقَعَ عَلَى قَفَاهُ مِنْ كُرْسِيِّهِ فَمَاتَ . وَذَهَبَ الَّذِينَ سَبَوُا التَّابُوتَ حَتَّى وَضَعُوهُ فِي بَيْتِ آلِهَتِهِمْ ، وَلَهُمْ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ ، فَوَضَعُوهُ تَحْتَ الصَّنَمِ ، وَالصَّنَمُ مِنْ فَوْقِهِ ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَالصَّنَمُ تَحْتَهُ وَهُوَ فَوْقَ الصَّنَمِ . ثُمَّ أَخَذُوهُ فَوَضَعُوهُ فَوْقَهُ وَسَمَّرُوا قَدَمَيْهِ فِي التَّابُوتِ ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ قَدْ تَقَطَّعَتْ يَدَا الصَّنَمِ وَرِجْلَاهُ ، وَأَصْبَحَ مُلْقًى تَحْتَ التَّابُوتِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ، فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْتِ آلِهَتِكُمْ ! فَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ فَوَضَعُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ قَرْيَتِهِمْ ، فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ الَّتِي وَضَعُوا فِيهَا التَّابُوتَ وَجَعٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ ! فَقَالَتْ لَهُمْ جَارِيَةٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : لَا تَزَالُونَ تَرَوْنَ مَا تَكْرَهُونَ مَا كَانَ هَذَا التَّابُوتُ فِيكُمْ ! فَأَخْرِجُوهُ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ! قَالُوا : كَذَبْتِ ! قَالَتْ : إِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنْ تَأْتُوا بِبَقَرَتَيْنِ لَهُمَا أَوْلَادٌ لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِمَا نِيرٌ قَطُّ ، ثُمَّ تَضَعُوا وَرَاءَهُمُ الْعَجَلَ ، ثُمَّ تَضَعُوا التَّابُوتَ عَلَى الْعَجَلِ وَتُسَيِّرُوهُمَا وَتَحْبِسُوا أَوْلَادَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا تَنْطَلِقَانِ بِهِ مُذْعِنَتَيْنِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِكُمْ وَوَقَعَتَا فِي أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَلَمَّا خَرَجَتَا مِنْ أَرْضِهِمْ وَوَقَعَتَا فِي أَدْنَى أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَأَقْبَلَتَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا . وَوَضَعَتَاهُ فِي خَرِبَةٍ فِيهَا حَصَادٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَفَزَعَ إِلَيْهِ [5/320]بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ ، فَجَعْلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ . فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شَمْوِيلُ (نبي): اعْتَرِضُوا ، فَمَنْ آنَسَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً فَلْيَدْنُ مِنْهُ . فَعَرَضُوا عَلَيْهِ النَّاسَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أُذِنَ لَهُمَا بِأَنْ يَحْمِلَاهُ إِلَى بَيْتِ أُمِّهِمَا ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ . فَكَانَ فِي بَيْتِ أُمِّهِمَا حَتَّى مَلَكَ طَالُوتُ ، فَصَلَحَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ أَشْمَوِيلَ (نبي).
5659 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : قَالَ شَمْوِيلُ (نبي)لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لَهُ : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ ؟ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ، وَإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ - وَإِنَّ تَمْلِيكَهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ - أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ، فَيَرُدُّ عَلَيْكُمُ الَّذِي فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ، وَهُوَ الَّذِي كُنْتُمْ تَهْزِمُونَ بِهِ مَنْ لَقِيَكُمْ مِنَ العَدُوِّ ، وَتَظْهَرُونَ بِهِ عَلَيْهِ . قَالُوا : فَإِنْ جَاءَنَا التَّابُوتُ فَقَدْ رَضِينَا وَسَلَّمْنَا ! وَكَانَ الْعَدُوُّ الَّذِينَ أَصَابُوا التَّابُوتَ أَسْفَلَ مِنَ الْجَبَلِ جَبَلِ إِيلِيَّا (مكان)فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِصْرَ (مكان)، وَكَانُوا أَصْحَابَ أَوْثَانٍ ، وَكَانَ فِيهِمْ جَالُوتُ . وَكَانَ جَالُوتُ رَجُلًا قَدْ أُعْطِيَ بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ ، وَقُوَّةً فِي الْبَطْشِ ، وَشِدَّةً فِي الْحَرْبِ ، مَذْكُورًا بِذَلِكَ فِي النَّاسِ . وَكَانَ التَّابُوتُ حِينَ اسْتُبِيَ قَدْ جُعِلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى فِلَسْطِينَ (مكان)يُقَالُ لَهَا : " أَزْدُودُ (مكان)" فَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا التَّابُوتَ فِي [5/321]كَنِيسَةٍ فِيهَا أَصْنَامُهُمْ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ : مِنْ وَعْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ التَّابُوتَ سَيَأْتِيهِمْ - جَعَلَتْ أَصْنَامُهُمْ تُصْبِحُ فِي الْكَنِيسَةِ مُنَكَّسَةً عَلَى رُءُوسِهَا ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَأْرًا ، تُبَيِّتُ الْفَأْرَةُ الرَّجُلَ فَيُصْبِحُ مَيِّتًا ، قَدْ أَكَلَتْ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ دُبُرِهِ . قَالُوا : تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكُمْ بَلَاءٌ مَا أَصَابَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُهُ ، وَمَا نَعْلَمُهُ أَصَابَنَا إِلَّا مُذْ كَانَ هَذَا التَّابُوتُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ! ! مَعَ أَنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمْ أَصْنَامَكُمْ تُصْبِحُ كُلَّ غَدَاةٍ مُنَكَّسَةً ، شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ يُصْنَعُ بِهَا حَتَّى كَانَ هَذَا التَّابُوتُ مَعَهَا ! فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . فَدَعَوْا بِعَجَلَةٍ فَحَمَلُوا عَلَيْهَا التَّابُوتَ ، ثُمَّ عَلَّقُوهَا بِثَوْرَيْنِ ، ثُمَّ ضَرَبُوا عَلَى جُنُوبِهِمَا ، وَخَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالثَّوْرَيْنِ تَسُوقُهُمَا ، فَلَمْ يَمُرَّ التَّابُوتُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا كَانَ قُدْسًا . فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا التَّابُوتُ عَلَى عَجَلَةٍ يَجُرُّهَا الثَّوْرَانِ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ ، وَجَدُّوا فِي حَرْبِهِمْ ، وَاسْتَوْسَقُوا عَلَى طَالُوتَ .
5660 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى طَالُوتَ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ - أَبَوْا أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الرِّيَاسَةَ ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " . فَقَالَ لَهُمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَاءَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ! ! [5/322]وَكَانَ مُوسَى حِينَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ وَرُفِعَ مِنْهَا . فَنَزَلَ فَجَمَعَ مَا بَقِيَ فَجَعَلَهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَلْوَاحِ إِلَّا سُدُسُهَا . قَالَ : وَكَانَتِ الْعَمَالِقَةُ قَدْ سَبَتْ ذَلِكَ التَّابُوتَ - وَالْعَمَالِقَةُ فِرْقَةٌ مِنْ عَادٍ كَانُوا بِأَرِيحَا - فَجَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى التَّابُوتِ ، حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : نَعَمْ ! فَسَلَّمُوا لَهُ وَمَلَّكُوهُ . قَالَ : وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ إِذَا حَضَرُوا قِتَالًا قَدَّمُوا التَّابُوتَ بَيْنَ يَدَيْهِمْ . وَيَقُولُونَ : إِنَّ آدَمَ نَزَلَ بِذَلِكَ التَّابُوتِ وَبِالرُّكْنِ . وَبَلَغَنِي أَنَّ التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ ، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
5661 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : إِنَّ أَرَمْيَا لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان)وَحُرِّقَتِ الْكُتُبُ ، وَقَفَ فِي نَاحِيَةِ الْجَبَلِ فَقَالَ : " أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ " . ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ مَنْ رَدَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى رَأْسِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ حِينِ أَمَاتَهُ ، يُعَمِّرُونَهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً تَمَامَ الْمِئَةِ . فَلَمَّا ذَهَبَتِ الْمِئَةُ ، رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ ، وَقَدْ عُمِّرَتْ ، فَهِيَ عَلَى حَالَتِهَا الْأُولَى .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ إِمَّا دَانْيَالُ (نبي)وَإِمَّا غَيْرُهُ : إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ يُرْفَعَ عَنْكُمُ الْمَرَضُ ، فَأَخْرِجُوا عَنْكُمْ هَذَا التَّابُوتَ ! قَالُوا : بِآيَةِ مَاذَا ؟ قَالَ : بِآيَةِ أَنَّكُمْ تَأْتُونَ بِبَقَرَتَيْنِ صَعْبَتَيْنِ لَمْ تَعْمَلَا عَمَلًا قَطُّ ، فَإِذَا نَظَرَتَا [5/323]إِلَيْهِ وَضَعَتَا أَعْنَاقَهُمْ لِلنِّيرِ حَتَّى يُشَدَّ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ يُشَدُّ التَّابُوتُ عَلَى عَجَلٍ ، ثُمَّ يُعَلَّقُ عَلَى الْبَقَرَتَيْنِ ، ثُمَّ يُخَلَّيَانِ فَيَسِيرَانِ حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَلِّغَهُمَا . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، وَوَكَّلَ اللَّهُ بِهِمَا أَرْبَعَةً مِنَ المَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا ، فَسَارَتِ الْبَقَرَتَانِ سَيْرًا سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ الْقُدْسِ كَسَرَتَا نِيرَهُمَا ، وَقَطَعَتَا حِبَالَهُمَا ، وَذَهَبَتَا . فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا دَاوُدُ (نبي)وَمَنْ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَأَى دَاوُدُ (نبي)التَّابُوتَ حَجَلَ إِلَيْهِ فَرَحًا بِهِ - فَقُلْنَا لِوَهْبٍ : مَا حَجَلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : شَبِيهٌ بِالرَّقْصِ - فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : لَقَدْ خَفِفْتَ حَتَّى كَادَ النَّاسُ يَمْقُتُونَكَ لِمَا صَنَعْتَ ! قَالَ : أَتُبَطِّئِينِي عَنْ طَاعَةِ رَبِّي ! ! لَا تَكُونِينَ لِي زَوْجَةً بَعْدَ هَذَا . فَفَارَقَهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ التَّابُوتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ كَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ ، وَكَانَ مُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَّفَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشِعَ (نبي)، فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ . [5/324]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5662 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ . كَانَ مُوسَى تَرَكَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونَ (نبي)وَهُوَ بِالْبَرِّيَّةِ ، وَأَقْبَلَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ فَأَصْبَحَ فِي دَارِهِ .
5663 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ مُوسَى - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - تَرَكَ التَّابُوتَ عِنْدَ فَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونَ (نبي)وَهُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ . فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلَتْهُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ ، فَأَصْبَحَ التَّابُوتُ فِي دَارِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : مِنْ أَنَّ التَّابُوتَ كَانَ عِنْدَ عَدُوٍّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ سَلَبَهُمُوهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " و " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " لَا تَدْخُلَانِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ إِلَّا فِي مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْمُتَخَاطِبِينَ بِهِ . وَقَدْ عَرَفَهُ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ . فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الَّذِي قَدْ عَرِفْتُمُوهُ ، الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ ، فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَابُوتًا مِنَ التَّوَابِيتِ غَيْرَ مَعْلُومٍ عِنْدَهُمْ قَدْرُهُ [5/325]وَمَبْلَغُ نَفْعِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَقِيلَ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ تَابُوتٌ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ .
فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَفْلَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ التَّابُوتَ وَقَدْرَ نَفْعِهِ وَمَا فِيهِ وَهُوَ عِنْدَ مُوسَى (نبي)وَيُوشَعَ (نبي)، فَإِنَّ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى خَطَؤُهُ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ مُوسَى (نبي)لَاقَى عَدُوًّا قَطُّ بِالتَّابُوتِ وَلَا فَتَاهُ يُوشَعُ (نبي)، بَلِ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ أَمْرِ مُوسَى (نبي)وَأَمْرِ فِرْعَوْنَ مَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ شَأْنِهِمَا ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَأَمْرُ الْجَبَّارِينَ . وَأَمَّا فَتَاهُ يُوشَعُ (نبي)، فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ زَعَمُوا أَنَّ يُوشَعَ (نبي)خَلَّفَهُ فِي التِّيهِ حَتَّى رُدَّ عَلَيْهِمْ حِينَ مَلَكَ طَالُوتُ . فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفُوهُ فَأَيُّ الْأَحْوَالِ لِلتَّابُوتِ الْحَالُ الَّتِي عَرَفُوهُ فِيهَا ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الَّذِي قَدْ عَرَفْتُمُوهُ وَعَرَفْتُمْ أَمْرَهُ ؟ وَفِي فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ بِالَّذِي ذَكَرْنَا أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، إِذْ لَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ غَيْرُهُمَا .
وَكَانَتْ صِفَةُ التَّابُوتِ فِيمَا بَلَغَنَا كَمَا :
5664 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَسْكَرٍ وَالْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْنَا وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ عَنْ تَابُوتِ مُوسَى (نبي): مَا كَانَ ؟ قَالَ : كَانَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ .
[5/326]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " فِيهِ " فِي التَّابُوتِ " سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " السَّكِينَةِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5665 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : السَّكِينَةُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
5666 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، ثُمَّ هِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ .
5667 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا صُورَةٌ . وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ : لَهَا وَجْهٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ .
5668 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، وَهِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ . [5/327]
5669 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ ، وَلَهَا رَأْسَانِ .
5670 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
5671 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَجَنَاحَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5672 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : أَقْبَلَتِ السَّكِينَةُ [ وَالصُّرَدُ ] وَجِبْرِيلُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مِنَ الشَّأْمِ (مكان)قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : السَّكِينَةُ لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَجَنَاحَانِ .
5673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
5674 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : السَّكِينَةُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ . [5/328]
5675 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الْهِرَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5677 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : السَّكِينَةُ رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ ، كَانَتْ إِذَا صَرَخَتْ فِي التَّابُوتِ بِصُرَاخِ هِرٍّ ، أَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ وَجَاءَهُمُ الْفَتْحُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا هِيَ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5678 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " قَالَ : طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ .
5679 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " السَّكِينَةُ : طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ ، أَعْطَاهَا اللَّهُ مُوسَى ، وَفِيهَا وَضَعَ الْأَلْوَاحَ . وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ - فِيمَا بَلَغَنَا - مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " رُوحٌ مِنَ اللَّهِ تَتَكَلَّمُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5680 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ [5/329]بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْنَا وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ فَقُلْنَا لَهُ : السَّكِينَةُ ؟ قَالَ : رَوْحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ فَأَخْبَرَهُمْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ .
5681 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَسْكَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فَيَسْكُنُونَ إِلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5682 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ ، قَالَ : أَمَّا السَّكِينَةُ فَمَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ ، يَسْكُنُونَ إِلَيْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " الرَّحْمَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5683 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " السَّكِينَةُ " هِيَ الْوَقَارُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5684 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أَيْ وَقَارٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : مِنَ الشَّيْءِ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا . وَذَلِكَ أَنَّ [5/330]" السَّكِينَةَ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ " الْفَعِيلَةَ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " سَكَنَ فُلَانٌ إِلَى كَذَا وَكَذَا " إِذَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَهَدَأَتْ عِنْدَهُ نَفْسُهُ " فَهُوَ يَسْكُنُ سُكُونًا وَسَكِينَةً " مِثْلَ قَوْلِكَ : " عَزَمَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ عَزْمًا وَعَزِيمَةً " " وَقَضَى الْحَاكِمُ بَيْنَ الْقَوْمِ قَضَاءً وَقَضِيَّةً " وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
لِلَّهِ قَبْرٌ غَالَهَا ! مَاذَا يُجِنُّ ؟ لَقَدْ أَجَنَّ سَكِينَةً وَوَقَارَا
وَإِذَا كَانَ مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا وَصَفْتُ ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَا رُوِّينَا عَنْهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَمَا قَالَهُ السُّدِّيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ آيَاتٌ كَافِيَاتٌ تَسْكُنُ إِلَيْهِنَّ النُّفُوسُ ، وَتُثْلَجُ بِهِنَّ الصُّدُورُ . وَإِذَا كَانَ مَعْنَى " السَّكِينَةِ " مَا وَصَفْنَا ، فَقَدِ اتَّضَحَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّابُوتِ ، الَّتِي كَانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إِلَيْهَا لِمَعْرِفَتِهَا بِصِحَّةِ أَمْرِهَا ، إِنَّمَا هِيَ مُسَمَّاةٌ بِالْفِعْلِ وَهِيَ غَيْرُهُ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ " الشَّيْءَ الْبَاقِيَ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بَقِيَّةٌ " وَهِيَ " فَعِيلَةٌ " مِنْهُ ، نَظِيرَ " السَّكِينَةِ " مِنْ " سَكَنَ " . [5/331]
وَقَوْلُهُ : " مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " يَعْنِي بِهِ : مِنْ تَرِكَةِ آلِ مُوسَى ، وَآلِ هَارُونَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْبَقِيَّةِ " الَّتِي كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ تَرِكَتِهِمْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَتْ تِلْكَ " الْبَقِيَّةُ " عَصَا مُوسَى وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5685 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ دَاوُدُ : وَأَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
5687 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : عَصَا مُوسَى (نبي)وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5688 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : فَكَانَ فِي التَّابُوتِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا .
5689 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : الْبَقِيَّةُ عَصَا مُوسَى وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
5690 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ أَمَّا الْبَقِيَّةُ ، فَإِنَّهَا عَصَا مُوسَى [5/332]وَرُضَاضَةُ الْأَلْوَاحِ .
5691 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " عَصَا مُوسَى وَأُثُورٌ مِنَ التَّوْرَاةِ .
5692 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : التَّوْرَاةُ وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ وَالْعَصَا قَالَ إِسْحَاقُ ، قَالَ وَكِيعٌ : وَرُضَاضُهُ كَسْرُهُ .
5693 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تِلْكَ " الْبَقِيَّةُ " عَصَا مُوسَى (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَشَيْءٌ مِنَ الْأَلْوَاحِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5694 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَلَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَالْمَنُّ . [5/333]
5695 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : عَصَا مُوسَى ، (نبي)وَعَصَا هَارُونَ (نبي)، وَثِيَابُ مُوسَى (نبي)، وَثِيَابُ هَارُونَ (نبي)، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5696 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : سَأَلْتُ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْبَقِيَّةُ قَفِيزٌ مِنْ مَنٍّ وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْعَصَا وَحْدَهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5697 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قُلْنَا لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : مَا كَانَ فِيهِ ؟ يَعْنِي فِي التَّابُوتِ قَالَ : كَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى (نبي)وَالسَّكِينَةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ ، رُضَاضُ الْأَلْوَاحِ وَمَا تَكَسَّرَ مِنْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5698 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قَالَ : كَانَ مُوسَى حِينَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ وَرُفِعَ مِنْهَا ، فَجَعَلَ الْبَاقِيَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ . [5/334]
5699 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " [ قَالَ ] الْعِلْمُ وَالتَّوْرَاةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5700 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " يَعْنِي بِ " الْبَقِيَّةِ " الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَبِذَلِكَ قَاتَلُوا مَعَ طَالُوتَ ، وَبِذَلِكَ أُمِرُوا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَهُ آيَةً لِصِدْقِ قَوْلِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - الَّذِي قَالَ لِأُمَّتِهِ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " أَنَّ فِيهِ سَكِينَةً مِنْهُ وَبَقِيَّةً مِمَّا تَرَكَهُ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ : الْعَصَا ، وَكِسَرَ الْأَلْوَاحِ وَالتَّوْرَاةَ ، أَوْ بَعْضَهَا ، وَالنَّعْلَيْنِ ، وَالثِّيَابَ ، وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِخْرَاجِ وَلَا اللُّغَةِ ، وَلَا يُدْرَكُ عِلْمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجَبُ عَنْهُ الْعِلْمُ . وَلَا خَبَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ لِلصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ تَصْوِيبُ قَوْلٍ وَتَضْعِيفُ آخَرَ غَيْرِهِ ، إِذْ كَانَ جَائِزًا فِيهِ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ .
[5/335]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ ذَلِكَ التَّابُوتَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، حَتَّى تَضَعَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5701 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ .
5702 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ - يَعْنِي - النَّبِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ " . قَالُوا : فَمَنْ لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ آتَاهُ هَذَا ! مَا هُوَ إِلَّا لِهَوَاكَ فِيهِ ! قَالَ : إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي وَاتَّهَمْتُمُونِي ، فَإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ : " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " الْآيَةَ . قَالَ : فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ نَهَارًا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ عَيَانًا ، حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَأَقَرُّوا غَيْرَ رَاضِينَ ، وَخَرَجُوا سَاخِطِينَ ، وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : " وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ " .
5703 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ " قَالُوا : فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأْتِنَا بِآيَةٍ أَنَّ هَذَا مَلِكٌ ! قَالَ : " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ " . وَأَصْبَحَ التَّابُوتُ وَمَا فِيهِ فِي دَارِ طَالُوتَ ، فَآمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُونَ ، وَسَلَّمُوا مُلْكَ طَالُوتَ .
5704 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا [5/336]مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ " قَالَ : تَحْمِلُهُ حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِ طَالُوتَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَسُوقُ الْمَلَائِكَةُ الدَّوَابَّ الَّتِي تَحْمِلُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5705 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ قَالَ : تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى عَجَلَةٍ عَلَى بَقَرَةٍ .
5706 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : وُكِّلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا ، فَسَارَتِ الْبَقَرَتَانِ بِهِمَا سَيْرًا سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتَا طَرَفَ الْقُدْسِ ذَهَبَتَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " حَمَلَتِ التَّابُوتَ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ لَهَا فِي دَارِ طَالُوتَ قَائِمًا بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ " . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ : " تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ " وَلَمْ يَقُلْ : تَأْتِي بِهِ الْمَلَائِكَةُ . وَمَا جَرَّتْهُ الْبَقَرُ عَلَى عَجَلٍ - وَإِنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ سَائِقَتُهَا - فَهِيَ غَيْرُ حَامِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ " الْحَمْلَ " الْمَعْرُوفَ هُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَامِلِ بِنَفْسِهِ حَمْلَ مَا حَمَلَ ، فَأَمَّا مَا حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ " حَمَلَهُ " بِمَعْنَى مَعُونَتِهِ الْحَامِلَ ، وَبِأَنَّ حَمْلَهُ كَانَ عَنْ سَبَبِهِ - فَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَا بَاشَرَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ ، فِي تَعَارُفِ النَّاسِ إِيَّاهُ [5/337]بَيْنَهُمْ . وَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنَ اللُّغَاتِ ، أُولَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ ، مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : أَنَّ نَبِيَّهُ أَشَمْوِيلَ (نبي)قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ فِي مَجِيئِكُمُ التَّابُوتِ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ حَامِلَتُهُ الْمَلَائِكَةُ " لَآيَةً لَكُمْ " يَعْنِي : لَعَلَامَةً لَكُمْ وَدَلَالَةً - أَيُّهَا النَّاسُ - عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ تَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ ، وَاتَّهَمْتُمُونِي فِي خَبَرِي إِيَّاكُمْ بِذَلِكَ " إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ وَمُلْكِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ وَرَدِّهِمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " بِقَوْلِهِمْ : " أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ " وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ الْآيَةَ عَلَى صِدْقِهِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كُفْرًا ،
فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ : لَكُمْ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ آيَةٌ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَلَا بِرَسُولِهِ . وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا الْآيَةَ [5/338]عَلَى صِدْقِ خَبَرِهِ إِيَّاهُمْ لِيُقِرُّوا بِصِدْقِهِ . فَقَالَ لَهُمْ : فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ - عَلَى مَا وَصَفَهُ لَهُمْ - آيَةٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ عِنْدَ مَجِيئِهِ كَذَلِكَ مُصَدِّقِيَّ بِمَا قُلْتُ لَكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ .