النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ( 240 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ " أَيُّهَا الرِّجَالُ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَعْنِي زَوْجَاتٍ كُنَّ لَهُ نِسَاءً فِي حَيَاتِهِ ، بِنِكَاحٍ لَا مِلْكِ يَمِينٍ . ثُمَّ صَرَفَ الْخَبَرَ عَنْ ذِكْرِ مَنِ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ بِذِكْرِهِ ، نَظِيرَ الَّذِي مَضَى مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] إِلَى الْخَبَرِ عَنْ ذِكْرِ أَزْوَاجِهِمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ [5/251]ذَلِكَ ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ فِيهِ فِي نَظِيرِهِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " فَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " بِنَصْبِ " الْوَصِيَّةِ " بِمَعْنَى : فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ، أَوْ : عَلَيْهِمْ [ أَنْ يُوصُوا ] وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ .
وَقَرَأَ آخَرُونَ : وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ بِرَفْعِ " الْوَصِيَّةِ " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ رَفْعِ " الْوَصِيَّةِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : رُفِعَتْ بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّةُ . وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوَنَ أَزْوَاجًا ، كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ " كُتِبَتْ " وَرُفِعَتِ " الْوَصِيَّةُ " بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ مَتْرُوكًا ذِكْرُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلِ " الْوَصِيَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ : " لِأَزْوَاجِهِمْ " فَتَأَوَّلَ : لِأَزْوَاجِهِمْ وَصِيَّةٌ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ " الْوَصِيَّةُ " إِذَا رُفِعَتْ مَرْفُوعَةً بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِكُمْ . لِأَنَّ الْعَرَبَ تُضْمِرُ النَّكِرَاتِ مَرَافِعُهَا قَبْلَهَا إِذَا أَضْمَرَتْ ، فَإِذَا أَظْهَرَتْ بَدَأَتْ بِهِ قَبْلَهَا ، فَتَقُولُ : " جَاءَنِي رَجُلٌ الْيَوْمَ " [5/252]وَإِذَا قَالُوا : " رَجُلٌ جَاءَنِي الْيَوْمَ " لَمْ يَكَادُوا يَقُولُونَهُ إِلَّا وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِ " هَذَا " أَوْ غَائِبٌ قَدْ عَلِمَ الْمُخْبَرَ عَنْهُ خَبَرَهُ ، أَوْ بِحَذْفِ " هَذَا " وَإِضْمَارِهِ وَإِنْ حَذَفُوهُ ، لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَى الْمُتَكَلِّمِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا [ سُورَةُ النُّورِ : 1 ] وَ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 1 ] ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا ، لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مُقَامَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا كَانَ حَقًّا لَهَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، وَقَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمِيرَاثِ وَلِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْصَى لَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِنَّ ، أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟
قِيلَ : لِمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " وَكَانَ الْمُوصِي لَا شَكَّ ، إِنَّمَا يُوصِي فِي حَيَاتِهِ بِمَا يَأْمُرُ بِإِنْفَاذِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُوصِيَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، كَانَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّمَا جَعَلَ لِامْرَأَةِ الْمَيِّتِ سَكَنَ الْحَوْلِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ [5/253]لَهَا ، إِذْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْتَحِيلًا أَنْ تَكُونَ مِنْهُ وَصِيَّةٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ .
وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ : " فَلْيُوصِ وَصِيَّةً " لَكَانَ التَنْزِيلُ : وَالَّذِينَ تَحْضُرُهُمُ الْوَفَاةُ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ، كَمَا قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 18 ]
وَبَعْدُ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ الْمُتَوَفَّيْنَ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا لَهُنَّ إِذَا لَمْ يُوصِ أَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ قَبْلَ وَفَاتِهِمْ ، وَلَكَانَ قَدْ كَانَ لِوَرَثَتِهِمْ إِخْرَاجُهُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " . وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ فِي تَأْوِيلِهِ قَارِئُهُ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " بِمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَمَرَ أَزْوَاجَهُنَّ بِالْوَصِيَّةِ لَهُنَّ . وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، كَتَبَ اللَّهُ لِأَزْوَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةً مِنْهُ لَهُنَّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ حَوْلًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 12 ] ، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ : " كَتَبَ اللَّهُ " اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَرُفِعَتِ " الْوَصِيَّةُ " بِالْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا قَبْلُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يَجُوزُ نَصْبُ " الْوَصِيَّةِ " [ عَلَى الْحَالِ ، بِمَعْنَى مُوصِينَ ] لَهُنَّ وَصِيَّةً؟ [5/254]قِيلَ : لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَكُونُ جَائِزًا لَوْ تَقَدَّمَ " الْوَصِيَّةَ " مِنَ الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ خَارِجَةً مِنْهُ ، فَأَمَّا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يُحَسِّنُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً بِخُرُوجِهَا مِنْهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ نَصْبُهَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى .
ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ : إِنَّ سُكْنَى حَوْلٍ كَامِلٍ كَانَ حَقًّا لِأَزْوَاجِ الْمُتَوَفَّيْنَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا أَوْصَى بِذَلِكَ أَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ وَالْمِيرَاثِ .
5572 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنْ قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَقَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا فِي مَالِ زَوْجِهَا ، مَا لَمْ تَخْرُجْ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةً : الثُّمُنَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَالرُّبُعَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ الْحَوْلِ .
5573 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ هَذَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا إِنْ شَاءَتْ ، فَنُسِخَ ذَلِكَ فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةً : جَعَلَ لَهَا الثُّمُنَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ ، وَجَعَلَ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .
[5/255]5574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ ، اعْتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ ، يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بَعْدُ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا . وَقَالَ فِي مِيرَاثِهَا : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 12 ] ، فَبَيَّنَ اللَّهُ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ ، وَتَرَكَ الْوَصِيَّةَ وَالنَّفَقَةَ .
5575 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أُنْفِقَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي عَامِهِ إِلَى الْحَوْلِ ، وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ الْحَوْلَ . وَهَذَا مَنْسُوخٌ : نَسَخَ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَنَسَخَ الْحَوْلَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ .
5576 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " قَالَ : الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ إِلَى الْحَوْلِ ، وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى يَمْضِيَ الْحَوْلُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَنَسَخَ الْأَجَلُ الْحَوْلَ ، وَنَسَخَ النَّفَقَةَ الْمِيرَاثُ : الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ .
5577 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " قَالَ : كَانَ مِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا [5/256]مِنْ رَبْعِهِ : أَنْ تَسْكُنَ إِنْ شَاءَتْ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ زَوْجُهَا إِلَى الْحَوْلِ ، يَقُولُ : " فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " الْآيَةَ ، ثُمَّ نَسَخَهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " سُكْنَى الْحَوْلِ ، ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ الْمِيرَاثُ .
5578 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ لِأَزْوَاجِ الْمَوْتَى حِينَ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ ، نَفَقَةُ سَنَةٍ . فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ الَّذِي كَتَبَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَفَقَةِ السَّنَةِ بِالْمِيرَاثِ ، فَجَعَلَ لَهَا الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ وَفِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَ : هَذِهِ النَّاسِخَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ بِهِ :
5579 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مِنْ قَبْلِ الْفَرَائِضِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُوصِي لِامْرَأَتِهِ وَلِمَنْ شَاءَ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَهْلِ الْمَوَارِيثِ مِيرَاثَهُمْ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ الثُّمُنَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ . وَكَانَ يُنْفَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ حَوْلًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا ، ثُمَّ تُحَوَّلُ مِنْ بَيْتِهِ . فَنَسَخَتْهُ الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَنَسَخَ الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ الْوَصِيَّةَ لَهُنَّ ، فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِذَوِي الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ .
5580 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " إِلَى " فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ " يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ أَوْصَى لِامْرَأَتِهِ [5/257]بِنَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا سَنَةً ، وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِنْ هِيَ خَرَجَتْ حِينَ تَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، انْقَطَعَتْ عَنْهَا النَّفَقَةُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَإِنْ خَرَجْنَ " وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْفَرَائِضِ ، فَنَسَخَهُ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ ، فَأَخَذَتْ نَصِيبَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ .
5581 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : يَزْعُمُ قَتَادَةُ أَنَّهُ كَانَ يُوصَى لِلْمَرْأَةِ بِنَفَقَتِهَا إِلَى رَأْسِ الْحَوْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : " نَسَخَ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُنَّ مِنَ الْمَتَاعِ إِلَى الْحَوْلِ ، مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ " :
5582 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ " قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ .
5583 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أُسَامَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
5584 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ وَمَا فَرَضَ لَهُنَّ فِيهَا مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ ، وَنَسَخَ أَجَلَ الْحَوْلِ أَنْ جَعَلَ أَجَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .
5585 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ هَاهُنَا ، فَقَرَأَ لَهُمْ سُورَةَ [5/258]الْبَقَرَةِ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 180 ] ، قَالَ : فَنُسِخَتْ هَذِهِ . ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " إِلَى قَوْلِهِ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَقَالَ : وَهَذِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ ، لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5586 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ لِلْمُعْتَدَّةِ ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا ، وَاجِبًا ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " مِنْ مَعْرُوفٍ " . قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ تَمَامَ السَّنَةِ ، سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَصِيَّةً : إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " قَالَ : وَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ .
5587 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5588 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ ، تَعْتَدُّ [5/259]حَيْثُ شَاءَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " . قَالَ عَطَاءٌ : إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ " قَالَ عَطَاءٌ : جَاءَ الْمِيرَاثُ بِنَسْخِ السُّكْنَى ، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - كَانَ جَعَلَ لِأَزْوَاجِ مَنْ مَاتَ مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ، سُكْنَى حَوْلٍ فِي مَنْزِلِهِ ، وَنَفَقَتَهَا فِي مَالِ زَوْجِهَا الْمَيِّتِ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ ، وَوَجَبَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنْ لَا يُخْرِجُوهُنَّ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي يَسْكُنَّهُ ، وَإِنْ هُنَّ تَرَكْنَ حَقَّهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجْنَ ، لَمْ تَكُنْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ فِي حَرَجٍ . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَسَخَ النَّفَقَةَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ ، وَأَبْطَلَ مِمَّا كَانَ جَعَلَ لَهُنَّ مِنْ سُكْنَى حَوْلٍ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَرَدَّهُنَّ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
5589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَأَخْبَرَهُ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ ابْنَةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ فُرَيْعَةَ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ ، فَلَحِقَهُ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ فَقَاتَلَهُ ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ أَعْبُدٌ مَعَهُ فَقَتَلُوهُ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ ، فَلَقِيَهُ عُلُوجٌ فَقَتَلُوهُ ، وَإِنِّي فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرِي ، وَإِنَّ أَجْمَعَ لِأَمْرِي أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى أَهْلِي! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلِ امْكُثِي مَكَانَكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
[5/260]وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَتَاعًا " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : جَعَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا ، أَيِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُنَّ .
وَإِنَّمَا نَصَبَ " الْمَتَاعَ " لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " مَعْنَى مَتَّعَهُنَّ اللَّهُ ، فَقِيلَ : " مَتَاعًا " مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ .
وَقَوْلُهُ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - جَعَلَ مَا جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ الْوَصِيَّةِ مَتَاعًا مِنْهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ ، لَا إِخْرَاجًا مِنْ مَسْكَنِ زَوْجِهَا يَعْنِي : لَا إِخْرَاجَ فِيهِ مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَوْلُ . فَنَصَبَ " غَيْرَ " عَلَى النَّعْتِ لِ " الْمَتَاعِ " كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " هَذَا قِيَامٌ غَيْرَ قُعُودٍ " بِمَعْنَى : هَذَا قِيَامٌ لَا قُعُودَ مَعَهُ ، أَوْ : لَا قُعُودَ فِيهِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى : لَا تُخْرِجُوهُنَّ إِخْرَاجًا ، وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ . لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا نُصِبَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، كَانَ نَصْبُهُ مِنْ كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَا نَصَبَ " الْمَتَاعَ " عَلَى النَّعْتِ لَهُ .
[5/261]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : أَنَّ الْمَتَاعَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ فِي مَالِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَفِي مَسَاكِنِهِمْ ، وَنَهَى وَرَثَتَهُ عَنْ إِخْرَاجِهِنَّ ، إِنَّمَا هُوَ لَهُنَّ مَا أَقَمْنَ فِي مَسَاكِنِ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَأَنَّ حُقُوقَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ تَبْطُلُ بِخُرُوجِهِنَّ إِنْ خَرَجْنَ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ ، بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِهِنَّ الْحِدَادَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . لِأَنَّ الْمُقَامَ حَوْلًا فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ وَالْحِدَادِ عَلَيْهِ تَمَامَ حَوْلٍ كَامِلٍ ، لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِبَاحَةً مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَهُنَّ إِنْ أَقَمْنَ تَمَامَ الْحَوْلِ مُحِدَّاتٍ . فَأَمَّا إِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَى أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ وَلَا عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ، وَذَلِكَ تَرْكُ الْحِدَادِ . يَقُولُ : فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّزَيُّنِ إِنْ تَزَيَّنَّ وَتَطَيَّبْنَ وَتَزَوَّجْنَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُنَّ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : " لَا حَرَجَ عَلَيْهِنَّ فِي خُرُوجِهِنَّ " وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ فِيهِ جُنَاحٌ ، لَكَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ فِيهِ جُنَاحٌ بِتَرْكِهِمْ إِيَّاهُنَّ وَالْخُرُوجَ ، مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ . وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِ الْحِدَادِ ، وَضَعَ عَنْ أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِمِ الْحَرَجَ فِيمَا فَعَلْنَ مِنْ مَعْرُوفٍ ، وَذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِنَّ .
وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِمَا قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَبْلُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ " فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَمَنَعَ مَنْ [5/262]كَانَ مِنَ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ مَا فَرَضَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلُ مِنَ الْمُتْعَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَإِخْرَاجِهِنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ، وَتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِهَا ، وَمَنَعَ مَنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ مَا أَلْزَمَهُنَّ اللَّهُ مِنَ التَّرَبُّصِ عِنْدَ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ عَنِ الْأَزْوَاجِ ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ " حَكِيمٌ " فِيمَا قَضَى بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ قَضَايَاهُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ " أَيُّهَا الرِّجَالُ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَعْنِي زَوْجَاتٍ كُنَّ لَهُ نِسَاءً فِي حَيَاتِهِ ، بِنِكَاحٍ لَا مِلْكِ يَمِينٍ . ثُمَّ صَرَفَ الْخَبَرَ عَنْ ذِكْرِ مَنِ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ بِذِكْرِهِ ، نَظِيرَ الَّذِي مَضَى مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] إِلَى الْخَبَرِ عَنْ ذِكْرِ أَزْوَاجِهِمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ [5/251]ذَلِكَ ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ فِيهِ فِي نَظِيرِهِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " فَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " بِنَصْبِ " الْوَصِيَّةِ " بِمَعْنَى : فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ، أَوْ : عَلَيْهِمْ [ أَنْ يُوصُوا ] وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ .
وَقَرَأَ آخَرُونَ : وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ بِرَفْعِ " الْوَصِيَّةِ " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ رَفْعِ " الْوَصِيَّةِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : رُفِعَتْ بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّةُ . وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوَنَ أَزْوَاجًا ، كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ " كُتِبَتْ " وَرُفِعَتِ " الْوَصِيَّةُ " بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ مَتْرُوكًا ذِكْرُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلِ " الْوَصِيَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ : " لِأَزْوَاجِهِمْ " فَتَأَوَّلَ : لِأَزْوَاجِهِمْ وَصِيَّةٌ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ " الْوَصِيَّةُ " إِذَا رُفِعَتْ مَرْفُوعَةً بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِكُمْ . لِأَنَّ الْعَرَبَ تُضْمِرُ النَّكِرَاتِ مَرَافِعُهَا قَبْلَهَا إِذَا أَضْمَرَتْ ، فَإِذَا أَظْهَرَتْ بَدَأَتْ بِهِ قَبْلَهَا ، فَتَقُولُ : " جَاءَنِي رَجُلٌ الْيَوْمَ " [5/252]وَإِذَا قَالُوا : " رَجُلٌ جَاءَنِي الْيَوْمَ " لَمْ يَكَادُوا يَقُولُونَهُ إِلَّا وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِ " هَذَا " أَوْ غَائِبٌ قَدْ عَلِمَ الْمُخْبَرَ عَنْهُ خَبَرَهُ ، أَوْ بِحَذْفِ " هَذَا " وَإِضْمَارِهِ وَإِنْ حَذَفُوهُ ، لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَى الْمُتَكَلِّمِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا [ سُورَةُ النُّورِ : 1 ] وَ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 1 ] ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا ، لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مُقَامَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا كَانَ حَقًّا لَهَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، وَقَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمِيرَاثِ وَلِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْصَى لَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِنَّ ، أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟
قِيلَ : لِمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " وَكَانَ الْمُوصِي لَا شَكَّ ، إِنَّمَا يُوصِي فِي حَيَاتِهِ بِمَا يَأْمُرُ بِإِنْفَاذِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُوصِيَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، كَانَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّمَا جَعَلَ لِامْرَأَةِ الْمَيِّتِ سَكَنَ الْحَوْلِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ [5/253]لَهَا ، إِذْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْتَحِيلًا أَنْ تَكُونَ مِنْهُ وَصِيَّةٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ .
وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ : " فَلْيُوصِ وَصِيَّةً " لَكَانَ التَنْزِيلُ : وَالَّذِينَ تَحْضُرُهُمُ الْوَفَاةُ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ، كَمَا قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 18 ]
وَبَعْدُ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ الْمُتَوَفَّيْنَ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا لَهُنَّ إِذَا لَمْ يُوصِ أَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ قَبْلَ وَفَاتِهِمْ ، وَلَكَانَ قَدْ كَانَ لِوَرَثَتِهِمْ إِخْرَاجُهُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " . وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ فِي تَأْوِيلِهِ قَارِئُهُ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " بِمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَمَرَ أَزْوَاجَهُنَّ بِالْوَصِيَّةِ لَهُنَّ . وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، كَتَبَ اللَّهُ لِأَزْوَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةً مِنْهُ لَهُنَّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ حَوْلًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 12 ] ، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ : " كَتَبَ اللَّهُ " اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَرُفِعَتِ " الْوَصِيَّةُ " بِالْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا قَبْلُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يَجُوزُ نَصْبُ " الْوَصِيَّةِ " [ عَلَى الْحَالِ ، بِمَعْنَى مُوصِينَ ] لَهُنَّ وَصِيَّةً؟ [5/254]قِيلَ : لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَكُونُ جَائِزًا لَوْ تَقَدَّمَ " الْوَصِيَّةَ " مِنَ الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ خَارِجَةً مِنْهُ ، فَأَمَّا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يُحَسِّنُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً بِخُرُوجِهَا مِنْهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ نَصْبُهَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى .
ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ : إِنَّ سُكْنَى حَوْلٍ كَامِلٍ كَانَ حَقًّا لِأَزْوَاجِ الْمُتَوَفَّيْنَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا أَوْصَى بِذَلِكَ أَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ وَالْمِيرَاثِ .
5572 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنْ قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَقَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا فِي مَالِ زَوْجِهَا ، مَا لَمْ تَخْرُجْ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةً : الثُّمُنَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَالرُّبُعَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ الْحَوْلِ .
5573 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ هَذَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا إِنْ شَاءَتْ ، فَنُسِخَ ذَلِكَ فِي " سُورَةِ النِّسَاءِ " فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةً : جَعَلَ لَهَا الثُّمُنَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ ، وَجَعَلَ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .
[5/255]5574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ ، اعْتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ ، يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بَعْدُ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا . وَقَالَ فِي مِيرَاثِهَا : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 12 ] ، فَبَيَّنَ اللَّهُ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ ، وَتَرَكَ الْوَصِيَّةَ وَالنَّفَقَةَ .
5575 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أُنْفِقَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي عَامِهِ إِلَى الْحَوْلِ ، وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ الْحَوْلَ . وَهَذَا مَنْسُوخٌ : نَسَخَ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَنَسَخَ الْحَوْلَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ .
5576 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " قَالَ : الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ إِلَى الْحَوْلِ ، وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى يَمْضِيَ الْحَوْلُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَنَسَخَ الْأَجَلُ الْحَوْلَ ، وَنَسَخَ النَّفَقَةَ الْمِيرَاثُ : الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ .
5577 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " قَالَ : كَانَ مِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا [5/256]مِنْ رَبْعِهِ : أَنْ تَسْكُنَ إِنْ شَاءَتْ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ زَوْجُهَا إِلَى الْحَوْلِ ، يَقُولُ : " فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " الْآيَةَ ، ثُمَّ نَسَخَهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " سُكْنَى الْحَوْلِ ، ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ الْمِيرَاثُ .
5578 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ لِأَزْوَاجِ الْمَوْتَى حِينَ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ ، نَفَقَةُ سَنَةٍ . فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ الَّذِي كَتَبَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَفَقَةِ السَّنَةِ بِالْمِيرَاثِ ، فَجَعَلَ لَهَا الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ وَفِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَ : هَذِهِ النَّاسِخَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ بِهِ :
5579 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مِنْ قَبْلِ الْفَرَائِضِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُوصِي لِامْرَأَتِهِ وَلِمَنْ شَاءَ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَهْلِ الْمَوَارِيثِ مِيرَاثَهُمْ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ الثُّمُنَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ . وَكَانَ يُنْفَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ حَوْلًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا ، ثُمَّ تُحَوَّلُ مِنْ بَيْتِهِ . فَنَسَخَتْهُ الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَنَسَخَ الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ الْوَصِيَّةَ لَهُنَّ ، فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِذَوِي الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ .
5580 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " إِلَى " فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ " يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ أَوْصَى لِامْرَأَتِهِ [5/257]بِنَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا سَنَةً ، وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِنْ هِيَ خَرَجَتْ حِينَ تَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، انْقَطَعَتْ عَنْهَا النَّفَقَةُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَإِنْ خَرَجْنَ " وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْفَرَائِضِ ، فَنَسَخَهُ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ ، فَأَخَذَتْ نَصِيبَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ .
5581 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : يَزْعُمُ قَتَادَةُ أَنَّهُ كَانَ يُوصَى لِلْمَرْأَةِ بِنَفَقَتِهَا إِلَى رَأْسِ الْحَوْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : " نَسَخَ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُنَّ مِنَ الْمَتَاعِ إِلَى الْحَوْلِ ، مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ " :
5582 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ " قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ .
5583 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أُسَامَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
5584 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ وَمَا فَرَضَ لَهُنَّ فِيهَا مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ ، وَنَسَخَ أَجَلَ الْحَوْلِ أَنْ جَعَلَ أَجَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .
5585 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ هَاهُنَا ، فَقَرَأَ لَهُمْ سُورَةَ [5/258]الْبَقَرَةِ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 180 ] ، قَالَ : فَنُسِخَتْ هَذِهِ . ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " إِلَى قَوْلِهِ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَقَالَ : وَهَذِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ ، لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
5586 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 234 ] ، قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ لِلْمُعْتَدَّةِ ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا ، وَاجِبًا ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ " إِلَى قَوْلِهِ : " مِنْ مَعْرُوفٍ " . قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ تَمَامَ السَّنَةِ ، سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَصِيَّةً : إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " قَالَ : وَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ .
5587 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5588 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ ، تَعْتَدُّ [5/259]حَيْثُ شَاءَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " . قَالَ عَطَاءٌ : إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ " قَالَ عَطَاءٌ : جَاءَ الْمِيرَاثُ بِنَسْخِ السُّكْنَى ، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - كَانَ جَعَلَ لِأَزْوَاجِ مَنْ مَاتَ مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ، سُكْنَى حَوْلٍ فِي مَنْزِلِهِ ، وَنَفَقَتَهَا فِي مَالِ زَوْجِهَا الْمَيِّتِ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ ، وَوَجَبَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنْ لَا يُخْرِجُوهُنَّ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي يَسْكُنَّهُ ، وَإِنْ هُنَّ تَرَكْنَ حَقَّهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجْنَ ، لَمْ تَكُنْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ فِي حَرَجٍ . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَسَخَ النَّفَقَةَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ ، وَأَبْطَلَ مِمَّا كَانَ جَعَلَ لَهُنَّ مِنْ سُكْنَى حَوْلٍ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَرَدَّهُنَّ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
5589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَأَخْبَرَهُ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ ابْنَةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ فُرَيْعَةَ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ ، فَلَحِقَهُ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ فَقَاتَلَهُ ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ أَعْبُدٌ مَعَهُ فَقَتَلُوهُ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ ، فَلَقِيَهُ عُلُوجٌ فَقَتَلُوهُ ، وَإِنِّي فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرِي ، وَإِنَّ أَجْمَعَ لِأَمْرِي أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى أَهْلِي! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلِ امْكُثِي مَكَانَكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
[5/260]وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَتَاعًا " فَإِنَّ مَعْنَاهُ : جَعَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا ، أَيِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُنَّ .
وَإِنَّمَا نَصَبَ " الْمَتَاعَ " لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : " وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ " مَعْنَى مَتَّعَهُنَّ اللَّهُ ، فَقِيلَ : " مَتَاعًا " مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظِهِ .
وَقَوْلُهُ : " غَيْرَ إِخْرَاجٍ " فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - جَعَلَ مَا جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ الْوَصِيَّةِ مَتَاعًا مِنْهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ ، لَا إِخْرَاجًا مِنْ مَسْكَنِ زَوْجِهَا يَعْنِي : لَا إِخْرَاجَ فِيهِ مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَوْلُ . فَنَصَبَ " غَيْرَ " عَلَى النَّعْتِ لِ " الْمَتَاعِ " كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " هَذَا قِيَامٌ غَيْرَ قُعُودٍ " بِمَعْنَى : هَذَا قِيَامٌ لَا قُعُودَ مَعَهُ ، أَوْ : لَا قُعُودَ فِيهِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى : لَا تُخْرِجُوهُنَّ إِخْرَاجًا ، وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ . لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا نُصِبَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، كَانَ نَصْبُهُ مِنْ كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَا نَصَبَ " الْمَتَاعَ " عَلَى النَّعْتِ لَهُ .
[5/261]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : أَنَّ الْمَتَاعَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ فِي مَالِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَفِي مَسَاكِنِهِمْ ، وَنَهَى وَرَثَتَهُ عَنْ إِخْرَاجِهِنَّ ، إِنَّمَا هُوَ لَهُنَّ مَا أَقَمْنَ فِي مَسَاكِنِ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَأَنَّ حُقُوقَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ تَبْطُلُ بِخُرُوجِهِنَّ إِنْ خَرَجْنَ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ ، بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِهِنَّ الْحِدَادَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . لِأَنَّ الْمُقَامَ حَوْلًا فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ وَالْحِدَادِ عَلَيْهِ تَمَامَ حَوْلٍ كَامِلٍ ، لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِبَاحَةً مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَهُنَّ إِنْ أَقَمْنَ تَمَامَ الْحَوْلِ مُحِدَّاتٍ . فَأَمَّا إِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَى أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ وَلَا عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ، وَذَلِكَ تَرْكُ الْحِدَادِ . يَقُولُ : فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّزَيُّنِ إِنْ تَزَيَّنَّ وَتَطَيَّبْنَ وَتَزَوَّجْنَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُنَّ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : " لَا حَرَجَ عَلَيْهِنَّ فِي خُرُوجِهِنَّ " وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ " لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ فِيهِ جُنَاحٌ ، لَكَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ فِيهِ جُنَاحٌ بِتَرْكِهِمْ إِيَّاهُنَّ وَالْخُرُوجَ ، مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ . وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِ الْحِدَادِ ، وَضَعَ عَنْ أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِمِ الْحَرَجَ فِيمَا فَعَلْنَ مِنْ مَعْرُوفٍ ، وَذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِنَّ .
وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِمَا قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَبْلُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ " فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَمَنَعَ مَنْ [5/262]كَانَ مِنَ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ مَا فَرَضَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلُ مِنَ الْمُتْعَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَإِخْرَاجِهِنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ، وَتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِهَا ، وَمَنَعَ مَنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ مَا أَلْزَمَهُنَّ اللَّهُ مِنَ التَّرَبُّصِ عِنْدَ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ عَنِ الْأَزْوَاجِ ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ " حَكِيمٌ " فِيمَا قَضَى بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ قَضَايَاهُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ .