تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ "

ج 4
ص 347

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 4 · ص 347

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ( 220 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ : " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ " ، هَكَذَا يُبَيِّنُ أَيْ : مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَعْلَامِي وَحُجَجِي - وَهِيَ " آيَاتُهُ " - فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، وَعَرَّفْتُكُمْ فِيهَا مَا فِيهِ خَلَاصُكُمْ مِنْ عِقَابِي ، وَبَيَّنْتُ لَكُمْ حُدُودِي وَفَرَائِضِي ، وَنَبَّهْتُكُمْ فِيهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِي ، ثُمَّ عَلَى حُجَجِ رَسُولِي إِلَيْكُمْ ، فَأَرْشَدْتُكُمْ إِلَى ظُهُورِ [4/348]الْهُدَى ، فَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ لَكُمْ فِي سَائِرِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى نَبِيِّي مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَاتِي وَحُجَجِي وَأُوَضِّحُهَا لَكُمْ ، لِتَتَفَكَّرُوا فِي وَعْدِي وَوَعِيدِي ، وَثَوَابِي وَعِقَابِي ، فَتَخْتَارُوا طَاعَتِي الَّتِي تَنَالُونَ بِهَا ثَوَابِي فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَالْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْأَبَدِ ، عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالْيَسِيرِ مِنَ الشَّهَوَاتِ ، بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِي فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ ، الَّتِي مَنْ رَكِبَهَا كَانَ مَعَادُهُ إِلَيَّ ، وَمَصِيرُهُ إِلَى مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِي وَعَذَابِي .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4178 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " ، قَالَ : يَعْنِي فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا .
4179 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " ، قَالَ يَقُولُ : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَتَعْرِفُونَ فَضْلَ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا .
4180 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَوْلُهُ : " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " ، قَالَ : أَمَّا الدُّنْيَا ، فَتَعْلَمُونَ أَنَّهَا دَارُ بَلَاءٍ ثُمَّ فَنَاءٍ ، وَالْآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ ثُمَّ بَقَاءٍ ، فَتَتَفَكَّرُونَ فَتَعْمَلُونَ لِلْبَاقِيَةِ مِنْهُمَا قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا أَيْضًا .
4181 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ [4/349]قَوْلُهُ : " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " وَأَنَّهُ مَنْ تَفَكَّرَ فِيهِمَا عَرَفَ فَضْلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَعَرَفَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ ثُمَّ دَارُ فَنَاءٍ ، وَأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ ثُمَّ دَارُ بَقَاءٍ ، فَكُونُوا مِمَّنْ يَصْرِمُ حَاجَةَ الدُّنْيَا لِحَاجَةِ الْآخِرَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ [ فِي الَّذِينَ عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ ، وَكَرِهُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ فِي مَأْكَلٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَتْ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 152 ] ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 10 ] .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ] :
4182 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 152 ، وَالْإِسْرَاءِ : 34 ] عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، فَخَالَطُوهُمْ . [4/350]
4183 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 10 ] ، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ ، فَجَعَلَ يَفْضَلُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ .
4184 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، قَالَ : كُنَّا نَصْنَعُ لِلْيَتِيمِ طَعَامًا فَيَفْضُلُ مِنْهُ الشَّيْءُ ، فَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَفْسُدَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَإِنَّ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " .
4185 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَسَطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَقَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، اجْتُنِبَتْ مُخَالَطَتُهُمْ ، وَاتَّقَوْا كُلَّ شَيْءٍ ، حَتَّى اتَّقَوُا الْمَاءَ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، قَالَ : فَخَالَطُوهُمْ .
4186 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى " الْآيَةَ كُلَّهَا ، قَالَ : كَانَ اللَّهُ أَنْزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي [4/351]" سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ " وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ ، فَكَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي مَأْكَلٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ فَقَالَ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " .
4187 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، اعْتَزَلَ النَّاسُ الْيَتَامَى فَلَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي مَأْكَلٍ وَلَا مُشْرَبٍ وَلَا مَالٍ ، قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " .
4188 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ " الْآيَةَ ، قَالَ : فَذُكِرُ لَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي " بَنِي إِسْرَائِيلَ " : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ ، فَكَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ فَقَالَ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، يَقُولُ : مُخَالَطَتُهُمْ فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ وَخِدْمَةِ الْخَادِمِ . يَقُولُ : الْوَلِيُّ الَّذِي يَلِي أَمْرَهُمْ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ أَوْ يَشْرَبَ اللَّبَنَ أَوْ يَخْدِمَهُ الْخَادِمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : -
4189 - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمُ فَيَعْزِلُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَآنِيَتَهُ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَأَنْزَلَ [4/352]اللَّهُ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " ، فَأَحَلَّ خِلْطَتَهُمْ .
4190 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " ، قَالَ : فَاجْتَنَبَ النَّاسُ الْأَيْتَامَ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَعْزِلُ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَمَالَهُ مِنْ مَالِهِ ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ . قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَنَزَلَتْ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَمَنْ خَالَطَ يَتِيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ خَالَطَهُ لِيَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ فَلَا يَفْعَلْ .
4191 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلَهُ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ " ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " ، كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى ، وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " .
4192 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ قَوْلِهِ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " سُورَةُ النِّسَاءِ " ، عَزَلَ النَّاسُ طَعَامَهُمْ فَلَمْ يُخَالِطُوهُمْ . قَالَ : ثُمَّ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : إِنَّا يَشُقُّ عَلَيْنَا أَنْ نَعْزِلَ طَعَامَ الْيَتَامَى وَهُمْ يَأْكُلُونَ مَعَنَا ! فَنَزَلَتْ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَزَلُوا طَعَامَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ وَأَلْبَانَهُمْ عَنْ أَلْبَانِهِمْ وَأُدْمَهَمْ عَنْ أُدْمِهِمْ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَنَزَلَتْ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [4/353]" قَالَ : مُخَالَطَةُ الْيَتِيمِ فِي الْمَرَاعِي وَالْأُدْمِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَلْبَانُ وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ وَرُكُوبُ الدَّابَّةِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَفِي الْمَسَاكِنِ ، قَالَ : وَالْمَسَاكِنُ يَوْمَئِذٍ عَزِيزَةٌ .
4193 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " وَ " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا " ، قَالَ : اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ وَطَعَامَهُ ، حَتَّى كَانَ يَفْسُدُ ، إِنْ كَانَ لَحْمًا أَوْ غَيْرَهُ . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ "
4194 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ عِيسَى عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ - عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، قَالَ : مُخَالَطَةُ الْيَتِيمِ فِي الرِّعْيِ وَالْأُدْمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اتِّقَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ وَاجْتِنَابُهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْعَرَبِ ، فَاسْتَفْتُوا فِي ذَلِكَ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ ، فَأُفْتُوا بِمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4195 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " ، قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ يُشَدِّدُونَ فِي الْيَتِيمِ حَتَّى لَا يَأْكُلُوا مَعَهُ فِي قَصْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَرْكَبُوا لَهُ بَعِيرًا ، وَلَا يَسْتَخْدِمُوا لَهُ خَادِمًا [4/354]فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : " قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ " ، يَصْلُحُ لَهُ مَالُهُ وَأَمْرُهُ لَهُ خَيْرٌ ، وَإِنْ يُخَالِطْهُ فَيَأْكُلُ مَعَهُ وَيُطْعِمُهُ وَيَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ وَيَحْمِلُهُ وَيَسْتَخْدِمُ خَادِمَهُ وَيَخْدِمُهُ ، فَهُوَ أَجْوَدُ " وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " .
4196 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ " إِلَى " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " ، وَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَحَدِهِمُ الْيَتِيمُ جُعِلَ طَعَامُهُ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَلَبَنُهُ عَلَى نَاحِيَةٍ ، مَخَافَةَ الْوِزْرِ ، وَإِنَّهُ أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَهْدُ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَجْعَلُونَ خَدَمًا لِلْيَتَامَى ، فَقَالَ اللَّهُ : " قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ " إِلَى آخَرِ الْآيَةِ .
4197 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعَتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى " كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ شَأْنَ الْيَتِيمِ ، فَلَا يَمَسُّونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا ، وَلَا يَرْكَبُونَ لَهُمْ دَابَّةً ، وَلَا يَطْعَمُونَ لَهُمْ طَعَامًا . فَأَصَابَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ جَهْدٌ شَدِيدٌ ، حَتَّى احْتَاجُوا إِلَى أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، فَسَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَأْنِ الْيَتَامَى وَعَنْ مُخَالَطَتِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " يَعْنِي " بِالْمُخَالَطَةِ " رُكُوبَ الدَّابَّةِ ، وَخِدْمَةَ الْخَادِمِ ، وَشُرْبَ اللَّبَنِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إذًا : وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)أَصْحَابُكَ عَنْ مَالِ الْيَتَامَى ، وَخَلْطِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْمُطَاعَمَةِ وَالْمُشَارَبَةِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَالْخِدْمَةِ ، فَقُلْ لَهُمْ : تَفَضُّلُكُمْ عَلَيْهِمْ بِإِصْلَاحِكُمْ أَمْوَالَهُمْ - مِنْ غَيْرِ مَرْزِئَةِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَغَيْرِ أَخْذِ عِوَضٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى إِصْلَاحِكُمْ ذَلِكَ لَهُمْ - خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ [4/355]لَكُمْ أَجْرًا ، لِمَا لَكُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَخَيْرٌ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَفُّرِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ " فَتُشَارِكُوهُمْ بِأَمْوَالِكُمْ أَمْوَالَهُمْ فِي نَفَقَاتِكُمْ وَمَطَاعِمِكُمْ وَمَشَارِبِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ ، فَتَضُمُّوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِوَضًا مِنْ قِيَامِكُمْ بِأُمُورِهِمْ وَأَسْبَابِهِمْ وَإِصْلَاحِ أَمْوَالِهِمْ ، فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَالْإِخْوَانُ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَكْنُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَذُو الْمَالِ يُعِينُ ذَا الْفَاقَةِ ، وَذُو الْقُوَّةِ فِي الْجِسْمِ يُعِينُ ذَا الضَّعْفِ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَأَيْتَامُكُمْ كَذَلِكَ ، إِنْ خَالَطْتُمُوهُمْ بِأَمْوَالِكُمْ فَخَلَطْتُمْ طَعَامَكُمْ بِطَعَامِهِمْ ، وَشَرَابَكُمْ بِشَرَابِهِمْ ، وَسَائِرَ أَمْوَالِكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ ، فَأَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَضْلَ مَرْفَقٍ بِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ قِيَامِكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَوَلَائِهِمْ ، وَمُعَانَاةِ أَسْبَابِهِمْ ، عَلَى النَّظَرِ مِنْكُمْ لَهُمْ نَظَرَ الْأَخِ الشَّفِيقِ لِأَخِيهِ ، الْعَامِلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ فَذَلِكَ لَكُمْ حَلَالٌ ، لِأَنَّكُمْ إِخْوَانٌ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ، كَمَا : -
4198 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، قَالَ : قَدْ يُخَالِطُ الرَّجُلُ أَخَاهُ .
4199 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ كَالْعُرَّةِ .
4200 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوائِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّى لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي عُرَّةً ، حَتَّى أَخْلِطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي . [4/356]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : " فَإِخْوَانُكُمْ " ، فَرَفَعَ " الْإِخْوَانَ " ؟ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 239 ]
قِيلَ : لِافْتِرَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا . وَذَلِكَ أَنَّ أَيْتَامَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانُ الْمُؤْمِنِينَ ، خَالَطَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَوْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ . وَ " الْإِخْوَانُ " مَرْفُوعُونَ بِالْمَعْنَى الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ " هُمْ " لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ " بِالْإِخْوَانِ " الْخَبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِخْوَانًا مِنْ أَجْلِ مُخَالَطَةِ وُلَاتِهِمْ إِيَّاهُمْ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادُ ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ نَصْبًا ، وَكَانَ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَخَالِطُوا إِخْوَانَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ قُرِئَ رَفْعًا لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُمْ إِخْوَانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، خَالَطُوهُمْ أَوْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ، فَنَصْبٌ ، لِأَنَّهُمَا حَالَانِ لِلْفِعْلِ ، غَيْرُ دَائِمَيْنِ ، وَلَا يَصْلُحُ مَعَهُمَا " هُوَ " . وَذَلِكَ أَنَّكَ لَوْ أَظْهَرْتَ " هُوَ " مَعَهُمَا لَاسْتَحَالَ الْكَلَامُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : " إِنْ خِفْتَ مِنْ عَدُّوِكَ أَنْ تَصِلِيَ قَائِمًا فَهُوَ رَاجِلٌ أَوْ رَاكِبٌ " ، لَبُطَلَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ ؟ وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا قِيَامًا مَنْ عَدُوِّكُمْ ، فَصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا . وَلِذَلِكَ نَصَبَهُ إِجْرَاءً عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، كَمَا تَقُولُ فِي نَحْوِهِ مِنَ الْكَلَامِ : " إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَيَاضَ " فَتَنْصِبُهُ ، لِأَنَّكَ تُرِيدُ : إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَسِ الْبَيَاضَ - وَلَسْتَ تُرِيدُ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ فَهُوَ الْبَيَاضُ . وَلَوْ أَرَدْتَ الْخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ لَقُلْتَ : " إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَالْبَيَاضُ " رَفْعًا ، إِذَا كَانَ مُخْرِجُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْكَ عَنِ اللَّابِسِ ، أَنَّ كُلَّ مَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ فَبَيَاضٌ . لِأَنَّكَ تُرِيدُ حِينَئِذٍ : إِنْ لَبِسْتَ ثِيَابًا فَهِيَ بَيَاضٌ . [4/357]
فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ يَجُوزُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ : " فَإِخْوَانُكُمْ " .
قِيلَ : جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ . فَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ ، فَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ لِإِجْمَاعِ الْقَرَأَةِ عَلَى رَفْعِهِ . وَأَمَّا فِي الْعَرَبِيَّةِ ، فَإِنَّمَا أَجَزْنَاهُ ، لِأَنَّهُ يَحْسُنُ مَعَهُ تَكْرِيرُ مَا يُحْمَلُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ فِيهِمَا : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ، فَإِخْوَانُكُمْ تُخَالِطُونَ - فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : إِنْ رَبَّكُمْ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ فِي مُخَالَطَتِكُمُ الْيَتَامَى عَلَى مَا أَذِنَ لَكُمْ بِهِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُخَالِطُوهُمْ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَكْلَ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ ، وَتَجْعَلُونَ مُخَالَطَتَكُمْ إِيَّاهُمْ ذَرِيعَةً لَكُمْ إِلَى إِفْسَادِ أَمْوَالِهِمْ وَأَكْلِهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا ، فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْهُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهَا ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَنْ خَالَطَ مِنْكُمْ يَتِيمَهُ - فَشَارَكَهُ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَسْكَنِهِ وَخَدَمِهِ وَرُعَاتِهِ فِي حَالِ مُخَالَطَتِهِ إِيَّاهُ - مَا الَّذِي يُقْصَدُ بِمُخَالَطَتِهِ إِيَّاهُ : إِفْسَادُ مَالِهِ وَأَكْلُهُ بِالْبَاطِلِ ، أَمْ إِصْلَاحُهُ وَتَثْمِيرُهُ ؟ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَيَعْلَمُ أَيُّكُمُ الْمُرِيدُ إِصْلَاحَ مَالِهِ ، مِنَ الْمُرِيدِ إِفْسَادَهُ . كَمَا : - [4/358]
4201 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " قَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخْلِطُ مَالَكَ بِمَالِهِ : أَتُرِيدُ أَنْ تُصْلِحَ مَالَهُ ، أَوْ تُفْسِدَهُ فَتَأْكُلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟
4202 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ : " وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ " ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَمَنْ خَالَطَ يَتِيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ خَالَطَهُ لِيَأْكُلَ مَالَهُ فَلَا يَفْعَلْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَحَرَّمَ مَا أَحَلَّهُ لَكُمْ مِنْ مُخَالَطَةِ أَيْتَامِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ أَمْوَالَهُمْ ، فَجَهَدَكُمْ ذَلِكَ وَشِقَّ عَلَيْكُمْ ، وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْقِيَامِ بِاللَّازِمِ لَكُمْ مَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاجِبِ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَرْضِهِ ، وَلَكِنَّهُ رَخَّصَ لَكُمْ فِيهِ وَسَهَّلَهُ عَلَيْكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ وَرَأْفَةً .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " لَأَعَنْتَكُمْ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
4203 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - أَوْ عِيسَى عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - عَنْ مُجَاهِدٍ شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " لَحَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَرْعَى وَالْأُدْمَ . [4/359]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ مُجَاهِدٌ : رَعْيَ مَوَاشِي وَالِي الْيَتِيمِ مَعَ مَوَاشِي الْيَتِيمِ ، وَالْأَكْلَ مِنْ إِدَامِهِ . لِأَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " ، أَنَّهُ خُلْطَةُ الْوَلِيِّ الْيَتِيمَ بِالرَّعْيِ وَالْأُدْمِ .
4204 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، يَقُولُ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَحْرَجَكُمْ فَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ فَقَالَ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 6 ]
4205 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، يَقُولُ : لَجَهَدَكُمْ ، فَلَمْ تَقُومُوا بِحَقٍّ وَلَمْ تُؤَدُّوا فَرِيضَةً .
4206 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَلَمْ تَعْمَلُوا بِحَقٍّ .
4207 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، لَشَدَّدَ عَلَيْكُمْ .
4208 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، قَالَ : لَشَقَّ عَلَيْكُمْ فِي الْأَمْرِ . ذَلِكَ الْعَنَتُ .
4209 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، قَالَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مُوبِقًا .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذُكِرَتْ عَنْهُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا فِيهَا ، فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي . لِأَنَّ مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ [4/360]الشَّيْءِ ، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَقَدْ أُحْرِجَ فِيهِ ، وَمَنْ أُحْرِجَ فِي شَيْءٍ أَوْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِيهِ فَقَدْ جُهِدَ . وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ .
وَلِذَلِكَ قِيلَ : " عَنِتَ فُلَانٌ " إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ ، وَجَهَدَهُ ، " فَهُوَ يَعْنَتُ عَنَتًا " ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 128 ] ، يَعْنِي مَا شَقَّ عَلَيْكُمْ وَآذَاكُمْ وَجَهَدَكُمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 25 ] . فَهَذَا إِذَا عَنِتَ الْعَانِتُ . فَإِنْ صَيَّرَهُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ ، قِيلَ : " أَعْنَتَهُ فُلَانٌ فِي كَذَا " إِذْ جَهَدَهُ وَأَلْزَمَهُ أَمْرًا جَهَدَهُ الْقِيَامُ بِهِ " يُعْنِتُهُ إِعْنَاتًا " . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " لَأَعْنَتَكُمْ " مَعْنَاهُ : لَأَوْجَبَ لَكُمُ الْعَنَتَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْكُمْ مَا يُجْهِدُكُمْ وَيُحْرِجُكُمْ ، مِمَّا لَا تُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِاجْتِنَابِهِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْكُمْ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَأَوْبَقَكُمْ وَأَهْلَكَكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4210 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَرَأَ عَلَيْنَا : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مُوبِقًا .
4211 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ فُضَيْلٍ - وَجَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ [4/361]عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ " قَالَ : لَجَعْلَ مَا أَصَبْتُمْ مُوبِقًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ " عَزِيزٌ " فِي سُلْطَانِهِ ، لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِمَّا أَحَلَّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَةٍ لَوْ أَعْنَتَكُمْ بِمَا يُجْهِدُكُمُ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ فَقَصَّرْتُمْ فِي الْقِيَامِ بِهِ ، وَلَا يَقْدِرُ دَافِعٌ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ بِكُمْ وَبِغَيْرِكُمْ مِنْ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ ، وَلَكِنَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ مَنَّ عَلَيْكُمْ بِتَرْكِ تَكْلِيفِهِ إِيَّاكُمْ ذَلِكَ وَهُوَ " حَكِيمٌ " فِي ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ بِكُمْ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، لَا يَدْخُلُ أَفْعَالَهُ خَلَلٌ وَلَا نَقْصٌ وَلَا وَهْيٌ وَلَا عَيْبٌ ، لِأَنَّهُ فِعْلُ ذِي الْحِكْمَةِ الَّذِي لَا يَجْهَلُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ فَيَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ مَذَمَّةُ عَاقِبَةٍ ، كَمَا يَدْخُلُ ذَلِكَ أَفْعَالَ الْخَلْقِ لِجَهْلِهِمْ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ ، لِسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ فِيهَا ابْتِدَاءً .