تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ . . . . "

ج 4
ص 317

الآية المفسَّرة

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 4 · ص 317

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَبُقُولِهِ : " وَالَّذِينَ هَاجَرُوا " الَّذِينَ هَجَرُوا مُسَاكَنَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْصَارِهِمْ [4/318]وَمُجَاوَرَتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ ، فَتَحَوَّلُوا عَنْهُمْ ، وَعَنْ جِوَارِهِمْ وَبِلَادِهِمْ ، إِلَى غَيْرِهَا هِجْرَةً . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لِمَا انْتَقَلَ عَنْهُ إِلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ . وَأَصْلُ الْمُهَاجِرَةِ : " الْمُفَاعَلَةُ " مِنْ هِجْرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لِلشَّحْنَاءِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَنْ هَجَرَ شَيْئًا لِأَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مُهَاجِرِينَ " ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ هِجْرَتِهِمْ دُورَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ كَرَاهَةً مِنْهُمُ النُّزُولَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي سُلْطَانِهِمْ ، بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُونَ فِتْنَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ - إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُونَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَجَاهَدُوا " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَقَاتَلُوا وَحَارَبُوا .
وَأَصْلُ " الْمُجَاهِدَةِ " " الْمُفَاعَلَةُ " مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ : " قَدْ جَهَدَ فُلَانٌ فُلَانًا عَلَى كَذَا " - إِذَا كَرَبَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ - " يُجْهِدُهُ جَهْدًا " . فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَابِدُ مِنْ صَاحِبِهِ شِدَّةً وَمَشَقَّةً ، قِيلَ : " فُلَانٌ يُجَاهِدُ فُلَانًا " - يَعْنِي أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَفْعَلُ بِصَاحِبِهِ مَا يُجْهِدُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ - " فَهُوَ يُجَاهِدُهُ مُجَاهِدَةً وَجِهَادًا " .
وَأَمَّا " سَبِيلُ اللَّهِ " ، فَطَرِيقُهُ وَدِينُهُ . [4/319]
فَمَعْنَى قَوْلِهِ إذًا : " وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، وَالَّذِينَ تَحَوَّلُوا مِنْ سُلْطَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ هِجْرَةً لَهُمْ ، وَخَوْفَ فِتْنَتِهِمْ عَلَى أَدْيَانِهِمْ ، وَحَارَبُوهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ لِيُدْخِلُوهُمْ فِيهِ وَفِيمَا يُرْضِي اللَّهَ " أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ " ، أَيْ : يَطْمَعُونَ أَنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتَهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ .
" وَاللَّهُ غَفُورٌ " ، أَيْ سَاتِرٌ ذُنُوبَ عِبَادِهِ بِعَفْوِهِ عَنْهَا ، مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا ذُكِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4102 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ يُحَدِّثُهُ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَمْرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ مَا كَانَ ، قَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ : إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصَابُوا فِي سَفَرِهِمْ - أَظُنُّهُ قَالَ : وِزْرًا - ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ أَجْرٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " .
4103 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْأَمْرِ ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ - يَعْنِي : فِي قَتْلِهِمُ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ - فَلَمَّا تَجَلَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، طَمِعُوا فِي الْأَجْرِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " . [4/320]فَوَضَعَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ .
4104 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَثْنَى اللَّهُ عَلَى أَصْحَابِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ فَقَالَ : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ، هَؤُلَاءِ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . ثُمَّ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَهْلَ رَجَاءٍ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَأَنَّهُ مَنْ رَجَا طَلَبَ ، وَمَنْ خَافَ هَرَبَ .
4105 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مَثَلُهُ .
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ