تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ . . . . "

ج 4
ص 287

الآية المفسَّرة

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 4 · ص 287

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " أَمْ حَسِبْتُمْ " ، كَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ " أَمْ " فِي ابْتِدَاءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ ، لِسُبُوقِ كَلَامٍ هُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كَلَامٌ [4/288]يَكُونُ بِهِ مُتَّصِلًا وَكَانَ ابْتِدَاءً لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ; لِأَنَّ قَائِلًا لَوْ كَانَ قَالَ مُبْتَدِئًا كَلَامًا لِآخَرَ : " أَمْ عِنْدَكَ أَخُوكَ " ؟ لَكَانَ قَائِلًا مَا لَا مَعْنَى لَهُ . وَلَكِنْ لَوْ قَالَ : " أَنْتَ رَجُلٌ مُدِلٌّ بِقُوَّتِكَ أَمْ عِنْدَكَ أَخُوكَ يَنْصُرُكَ ؟ " كَانَ مُصِيبًا . وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَلَمْ يُصِبْكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ وَالِاخْتِبَارِ ، فَتُبْتَلَوْا بِمَا ابْتُلُوا وَاخْتُبِرُوا بِهِ مِنَ " الْبَأْسَاءِ " - وَهُوَ شِدَّةُ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ " وَالضَّرَّاءِ " - وَهِيَ الْعِلَلُ وَالْأَوْصَابُ - وَلَمْ تُزَلْزَلُوا زِلْزَالَهُمْ - يَعْنِي : وَلَمْ يُصِبْهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ حَتَّى يَسْتَبْطِئَ الْقَوْمُ نَصْرَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، فَيَقُولُونَ : مَتَى اللَّهُ نَاصِرُنَا؟ ثُمَّ أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ نَصْرَهُ مِنْهُمْ قَرِيبٌ ، وَأَنَّهُ مُعَلِّيهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ ، وَمُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِ ، فَنَجَّزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُمْ ، وَأَطْفَأَ نَارَ حَرْبِ الَّذِينَ كَفَرُوا .
وَهَذِهِ الْآيَةُ - فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ - نَزَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، حِينَ لَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ مَا لَقُوا مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ ، مِنْ خَوْفِ الْأَحْزَابِ ، وَشِدَّةِ أَذَى الْبَرْدِ ، وَضِيقِ الْعَيْشِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ يَوْمَئِذٍ ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا إِلَى قَوْلِهِ : وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا [ الْأَحْزَابِ : 9 - 11 ] [4/289]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ :
4064 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا " ، قَالَ : نَزَلَ هَذَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ حِينَ قَالَ قَائِلُهُمْ : " مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا " [ الْأَحْزَابِ : 12 ]
4065 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا " ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ بَلَاءٌ وَحَصْرٌ ، فَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلَمَّا يَأْتِكُمْ " ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُونَهُ بِمَعْنَى : وَلَمْ يَأْتِكُمْ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ " مَا " صِلَةٌ وَحَشْوٌ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الْقَوْلَ فِي " مَا " الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ " صِلَةً " ، مَا حُكْمُهَا؟ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : " مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : شَبَهُ الَّذِينَ خَلَوْا فَمَضَوْا قَبْلَكُمْ .
وَقَدْ دَلَّلْتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّ " الْمَثَلَ " ، الشَّبَهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/290]
4066 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا " . . .
4067 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ قَوْلُهُ : " حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا " ، قَالَ : هُوَ خَيْرُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : " حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ " ، وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ : الرَّفْعُ ، وَالنَّصْبُ . وَمَنْ رَفَعَ فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَمَّا كَانَ يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ " فَعَلَ " أَبْطَلَ عَمَلَ " حَتَّى " فِيهَا ؛ لِأَنَّ " حَتَّى " غَيْرُ عَامِلَةٍ فِي " فَعَلَ " ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ فِي " يَفْعَلُ " ، وَإِذَا تَقَدَّمَهَا " فَعَلَ " ، وَكَانَ الَّذِي بَعْدَهَا " يَفْعَلُ " ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ فُعِلَ وَفُرِغَ مِنْهُ ، وَكَانَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْفِعْلِ غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ ، فَالْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ فِي " يَفْعَلُ " وَإِبْطَالُ عَمَلِ " حَتَّى " عَنْهُ ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قُمْتُ إِلَى فُلَانٍ حَتَّى أَضْرِبُهُ " ، وَالرَّفْعُ هُوَ الْكَلَامُ الصَّحِيحُ فِي " أَضْرِبُهُ " ، إِذَا أَرَادَ : قُمْتُ إِلَيْهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ ، إِذَا كَانَ الضَّرْبُ قَدْ كَانَ وَفُرِغَ مِنْهُ ، وَكَانَ الْقِيَامُ غَيْرَ مُتَطَاوِلِ الْمُدَّةِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَا قَبْلَ " حَتَّى " مِنَ الْفِعْلِ عَلَى لَفْظِ " فِعْلٍ " مُتَطَاوِلِ الْمُدَّةِ ، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْفِعْلِ عَلَى لَفْظٍ غَيْرِ مُنْقَضٍ ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْكَلَامِ نَصْبُ " يَفْعَلُ " ، وَإِعْمَالُ " حَتَّى " ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَا زَالَ فُلَانٌ يَطْلُبُكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى يُثَبِّتَكَ " ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْكَلَامِ - الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ - النَّصْبُ بِ " حَتَّى " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر :
مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ
[4/291]فَنَصَبَ " تَكِلُّ " ، وَالْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ " حَتَّى " مَاضٍ ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهَا مِنْ " الْمَطْوِ " مُتَطَاوِلٌ .
وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقِرَاءَةِ - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - : " وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ " ، نَصْبُ " يَقُولَ " ، إِذْ كَانَتِ " الزَّلْزَلَةُ " فِعْلًا مُتَطَاوِلًا مِثْلَ " الْمَطْوِ بِالْإِبِلِ " .
وَإِنَّمَا " الزَّلْزَلَةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ ، لَا " زَلْزَلَةَ الْأَرْضِ " ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مُتَطَاوِلَةً وَكَانَ النَّصْبُ فِي " يَقُولَ " وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى " فَعَلَ " أَفْصَحَ وَأَصَحَّ مِنَ الرَّفْعِ فِيهِ .