تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

ج 4
ص 273

الآية المفسَّرة

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 4 · ص 273

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( 212 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : زُيِّنَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا حُبُّ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ اللَّذَّاتِ ، فَهُمْ يَبْتَغُونَ فِيهَا الْمُكَاثَرَةَ وَالْمُفَاخَرَةَ ، وَيَطْلُبُونَ فِيهَا الرِّيَاسَاتِ وَالْمُبَاهَاةَ ، وَيَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِكَ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)وَالْإِقْرَارِ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِي ، تَعَظُّمًا مِنْهُمْ عَلَى مَنْ صَدَّقَكَ وَاتَّبَعَكَ ، وَيَسْخَرُونَ بِمَنْ تَبِعَكَ مِنْ أَهْلِ ، الْإِيمَانِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِكَ ، فِي تَرْكِهِمُ الْمُكَاثَرَةَ ، وَالْمُفَاخَرَةَ بِالدُّنْيَا وَزِينَتَهَا مِنَ الرِّيَاشِ وَالْأَمْوَالِ ، [4/274]بِطَلَبِ الرِّيَاسَاتِ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى طَلَبِهِمْ مَا عِنْدِي بِرَفْضِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ زِينَتِهَا ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا لِي وَأَقْبَلُوا عَلَى طَاعَتِي ، وَرَفَضُوا لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا ، اتِّبَاعًا لَكَ ، وَطَلَبًا لِمَا عِنْدِي ، وَاتِّقَاءً مِنْهُمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِي ، وَتَجَنُّبِ مَعَاصِيَّ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بِإِدْخَالِ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّةَ ، وَإِدْخَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّارَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4046 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : " زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا " ، قَالَ : الْكُفَّارُ يَبْتَغُونَ الدُّنْيَا وَيَطْلُبُونَهَا " وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا " ، فِي طَلَبِهِمُ الْآخِرَةَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : قَالُوا : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ (نبي)نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ ، لَاتَّبَعَهُ أَشْرَافُنَا وَسَادَاتُنَا! وَاللَّهِ مَا اتَّبَعَهُ إِلَّا أَهْلُ الْحَاجَةِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ !
4047 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، قَالَ : " فَوْقَهُمْ " فِي الْجَنَّةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 212 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِذَلِكَ : وَاللَّهُ يُعْطِي الَّذِينَ اتَّقَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ نِعَمِهِ وَكَرَامَاتِهِ وَجَزِيلِ عَطَايَاهُ ، بِغَيْرِ مُحَاسَبَةٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَرَامَتِهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا فِي قَوْلِهِ : " يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " مِنَ الْمَدْحِ ؟ قِيلَ : الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ مِنَ الْمَدْحِ ، الْخَبَرُ عَنْ أَنَّهُ غَيْرُ خَائِفٍ نَفَادَ خَزَائِنِهِ ، [4/275]فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، إِذْ كَانَ الْحِسَابُ مِنَ الْمُعْطِي إِنَّمَا يَكُونُ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْعَطَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، لِئَلَّا يَتَجَاوَزَ فِي عَطَايَاهُ إِلَى مَا يُجْحِفُ بِهِ ، فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى غَيْرُ خَائِفٍ نَفَادَ خَزَائِنِهِ ، وَلَا انْتِقَاصَ شَيْءٍ مِنْ مُلْكِهِ ، بِعَطَائِهِ مَا يُعْطِي عِبَادَهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يُعْطِي ، وَإِحْصَاءِ مَا يُبْقِي . فَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "