تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً "

ج 4
ص 251

الآية المفسَّرة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 4 · ص 251

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ( 208 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السِّلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : الْإِسْلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/252]
4008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، قَالَ : ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .
4009 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، قَالَ : ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .
4010 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : السِّلْمُ : الْإِسْلَامُ .
4011 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، يَقُولُ : فِي الْإِسْلَامِ .
4012 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .
4013 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " . قَالَ : السِّلْمُ : الْإِسْلَامُ .
4014 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَرَجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " : فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4015 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، يَقُولُ : ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ (مكان): " ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ " بِفَتْحِ السِّينِ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ السِّينِ . [4/253]
فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا " السِّينَ " مِنْ " السِّلْمِ " ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ ، بِمَعْنَى : ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ وَالْمُسَالَمَةِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْكَسْرِ مِنَ " السِّينِ " فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، بِمَعْنَى ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الصُّلْحِ ، بِمَعْنَى : ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى أَنَّ " السِّينَ " تُكْسَرُ ، وَهِيَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بُقُولِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى :
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ نَسْلَمِ
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً .
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ " السِّينِ " لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الصُّلْحِ - فَإِنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَدَوَامِ الْأَمْرِ الصَّالِحِ عِنْدَ الْعَرَبِ ، أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ وَالْمُسَالَمَةِ ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ أَخِي كِنْدَةَ :
دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا
[4/254]بِكَسْرِ السِّينِ ، بِمَعْنَى : دَعَوْتُهُمْ لِلْإِسْلَامِ لَمَّا ارْتَدُّوا ، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَتْ كِنْدَةُ مَعَ الْأَشْعَثِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقْرَأُ سَائِرَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ " السَّلْمِ " بِالْفَتْحِ سِوَى هَذِهِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخُصُّهَا بِكَسْرِ سِينِهَا تَوْجِيهًا مِنْهُ لِمَعْنَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ دُونَ مَا سِوَاهَا .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " وَصَرَفْنَا مَعْنَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُخَاطَبٌ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فَلَنْ يَعْدُوَ الْخِطَابُ إِذْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)الْمُصَدِّقِينَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ : " ادْخُلُوا فِي صُلْحِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُسَالَمَتِهِمْ " ، لِأَنَّ الْمُسَالَمَةَ وَالْمُصَالَحَةَ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ كَانَ حَرْبًا بِتَرْكِ الْحَرْبِ ، فَأَمَّا الْمُوَالِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : " صَالِحْ فُلَانًا " ، وَلَا حَرْبَ بَيْنَهُمَا وَلَا عَدَاوَةَ .
أَوْ يَكُونُ خِطَابًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُصَدِّقِينَ بِهِمْ ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْمُنْكِرِينَ مُحَمَّدًا وَنُبُوَّتَهُ ، فَقِيلَ لَهُمْ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " ، يَعْنِي بِهِ الْإِسْلَامَ ، لَا الصُّلْحَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ ، وَإِلَى الَّذِي دَعَاهُمْ دُونَ الْمُسَالَمَةِ وَالْمُصَالَحَةِ . بَلْ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى الصُّلْحِ فَقَالَ : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [4/255][ مُحَمَّدٍ : 35 ] وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا دَعَوْهُ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءً الْمُصَالَحَةَ ، فَقَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [ الْأَنْفَالِ : 61 ] فَأَمَّا دُعَاؤُهُمْ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءً ، فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقُرْآنِ ، فَيَجُوزُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ " إِلَى ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَأَيُّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ دُعِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَافَّةً ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا جَاءَ بِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : قِيلَ : دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي).
فَإِنْ قَالَ : فَمَا وَجْهُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَبِمَا جَاءَ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ ؟
قِيلَ : وَجْهُ دُعَائِهِ إِلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ بِالْعَمَلِ بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِ ، وَإِقَامَةِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَحُدُودِهِ ، دُونَ تَضْيِيعِ بَعْضِهِ وَالْعَمَلِ بِبَعْضِهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ قَوْلُهُ : " كَافَّةً " مِنْ صِفَةِ " السِّلْمِ " ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ : ادْخُلُوا فِي الْعَمَلِ بِجَمِيعِ مَعَانِي السِّلْمِ ، وَلَا تُضَيِّعُوا شَيْئًا مِنْهُ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَمَا جَاءَ بِهِ .
وَبِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ يَقُولُ عِكْرِمَةُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
4016 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلُهُ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَابْنِ يَامِينَ وَأَسَدٍ وَأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ وَسَعْيَةَ بْنِ عَمْرٍو [4/256]وَقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ - كُلُّهُمْ مِنْ يَهُودَ - قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ كُنَّا نُعَظِّمُهُ ، فَدَعْنَا فَلْنُسبِتْ فِيهِ! وَإِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ ، فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا بِاللَّيْلِ ! فَنَزَلَتْ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ "
فَقَدْ صَرَّحَ عِكْرِمَةُ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ دُعَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى رَفْضِ جَمِيعِ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْفَرِيقُ الَّذِي دُعِيَ إِلَى السِّلْمِ فَقِيلَ لَهُمُ : " ادْخُلُوا فِيهِ " بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4017 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ .
4018 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالدُّخُولِ فِي الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي " الَّذِينَ آمَنُوا " الْمُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، وَالْمُصَدِّقُونَ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَمَا جَاءُوا بِهِ ، وَقَدْ دَعَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَضْيِيعِ [4/257]شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْآيَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ شَمِلَهُ اسْمُ " الْإِيمَانِ " ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ بَعْضٍ بِهَا دُونَ بَعْضٍ .
وَبِمِثْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ .
4019 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً ، ادْخُلُوا فِي الْأَعْمَالِ كَافَّةً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( كَافَّةً )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ " كَافَّةً " عَامَّةً ، ، جَمِيعًا كَمَا : -
4020 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " فِي السِّلْمِ كَافَّةً " قَالَ : جَمِيعًا .
4021 - حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : جَمِيعًا .
4022 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ " فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : جَمِيعًا وَعَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
4023 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجِرَاحِ ، عَنِ النَّضْرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعًا .
4024 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " كَافَّةً " ، : جَمِيعًا . [4/258]
4025 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " كَافَّةً " ، جَمِيعًا وَقَرَأَ . وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التَّوْبَةِ : 36 ] جَمِيعًا .
4026 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " ، قَالَ : جَمِيعًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ . بِذَلِكَ : اعْمَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا ، وَادْخُلُوا فِي التَّصْدِيقِ بِهِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَدَعُوا طَرَائِقَ الشَّيْطَانِ وَآثَارَهُ أَنْ تَتْبَعُوهَا فَإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكُمْ عَدَاوَتَهُ . وَطَرِيقُ الشَّيْطَانِ الَّذِي نَهَاهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُ هُوَ مَا خَالَفَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ ، وَمِنْهُ تَسْبِيتُ السَّبْتِ وَسَائِرُ سُنَنِ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّتِي تُخَالِفُ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى " الْخُطُوَاتِ " بِالْأَدِلَّةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى ، فَكَرِهْتُ إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ .